جبر لجراسا: ترمب لا يتخلى عن إسرائيل .. بل يعيد تسعير التحالف معها


جراسا -

محمد الأمير - في قراءة سياسية لإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في الثالث من تشرين الثاني، وقف المساعدات العسكرية الأمريكية المقدرة بنحو أربعة مليارات دولار سنوياً لإسرائيل، أكدت الباحثة المختصة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أريج جبر، أن القرار لا يعني نهاية التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب، بقدر ما يعكس توجهاً أمريكياً لإعادة ترتيب أدوات العلاقة وكلفتها المالية وشروط استمرارها.

وقالت جبر، في تحليل خاص لـ«جراسا»، إن ثمة ضرورة للتمييز بين وقف المساعدات العسكرية المباشرة وقطع العلاقات مع إسرائيل، موضحة أن ترامب لم يتحدث عن إنهاء التعاون العسكري والأمني، وإنما عن الانتقال من نموذج المنح والمساعدات إلى نموذج الشراكة العسكرية القائمة على التمويل الذاتي وشراء الأسلحة الأمريكية.

وأضافت أن هذا التوجه يستند إلى تقدير أمريكي بأن إسرائيل باتت تمتلك قاعدة اقتصادية وعسكرية متقدمة، تؤهلها لتحمل حصة أكبر من نفقاتها الدفاعية، فيما ستبقى السوق الأمريكية مفتوحة أمامها لشراء الأسلحة والذخائر والتكنولوجيا العسكرية، بما يحافظ على المصالح الاستراتيجية الأمريكية.

رسائل انتخابية واقتصادية

وحول توقيت الإعلان، أشارت جبر إلى أن الاعتبارات السياسية الداخلية الأمريكية تشكل أحد أبرز دوافع هذا التوجه، إذ يسعى ترامب إلى تقديم نفسه أمام الناخب الأمريكي باعتباره رئيساً يضع المصالح الأمريكية أولاً، ولا يمنح أي دولة امتيازات تمويلية استثنائية على حساب دافع الضرائب الأمريكي.

ولفتت إلى أن القرار يحمل أيضاً أبعاداً اقتصادية، تتصل بمصالح الصناعات الدفاعية الأمريكية، إذ إن وقف المنح لا يعني بالضرورة تراجع مبيعات السلاح، بل قد يدفع إسرائيل إلى تمويل مشترياتها بصورة مباشرة، بما يحافظ على تدفق الصفقات ويعيد توزيع الأعباء المالية.

وفي سياق متصل، ربطت جبر القرار بكلفة المواجهات العسكرية مع إيران، وما ترتب عليها من استنزاف للموارد الأمريكية، سواء على مستوى الذخائر والاعتراضات الدفاعية أو الانتشار العسكري والالتزامات الأمنية في المنطقة.

وقالت إن واشنطن باتت أكثر حساسية تجاه كلفة الانخراط في الصراعات الإقليمية، خصوصاً عندما تتداخل الحسابات الإسرائيلية مع أولويات القرار الأمريكي، مشيرة إلى أن ترامب يسعى إلى توجيه رسالة واضحة للداخل الأمريكي مفادها أن بلاده لن تتحمل بصورة مفتوحة أعباء التزامات عسكرية لا تتطابق بالضرورة مع مصالحها المباشرة.

وأضافت أن هذا التوجه ينسجم مع شعار ترمب الانتخابي Make America Great Again، الذي يقوم على إعطاء الأولوية للاقتصاد الأمريكي وتقليص الأعباء الخارجية التي تستنزف الموارد المالية والعسكرية للولايات المتحدة.

ضغط على الداخل الإسرائيلي

وفي قراءتها للتوقيت الإسرائيلي، اعتبرت جبر أن الإعلان لا يمكن فصله عن المشهد السياسي الداخلي في إسرائيل، والتجاذبات المتعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة والتنافس بين بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت، إلى جانب الخلافات بين القوى والأحزاب السياسية حول قيادة المرحلة المقبلة.

ورأت أن الموقف الأمريكي قد يشكل ورقة ضغط على القوى السياسية الإسرائيلية، ورسالة بأن الامتيازات الأمريكية لم تعد أمراً تلقائياً أو غير مشروط، وأن على إسرائيل إعادة ترتيب مشهدها السياسي بما يتناسب مع المتغيرات الإقليمية والدولية.

وفي المقابل، أشارت إلى أن هذا الموقف قد يمنح نتنياهو فرصة لتقديم نفسه باعتباره الشخصية الأكثر قدرة على الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن، وهو ما قد يوفر له دعماً سياسياً في معركته للبقاء في رئاسة الحكومة.

مذكرة الـ38 مليار دولار تحت المجهر

وتوقفت جبر عند مذكرة التفاهم الأمريكية الإسرائيلية الموقعة عام 2016، والتي بدأ تنفيذها عام 2018 وتمتد حتى عام 2028، وتتضمن مساعدات عسكرية بقيمة 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات، بمعدل 3.8 مليارات دولار سنوياً.

وأكدت أن أي حديث عن وقف المساعدات أو اقتطاع نحو 7.6 مليارات دولار من مخصصات عامي 2027 و2028، يستدعي التمييز بين الإعلان السياسي وآليات التنفيذ القانونية والمالية، فضلاً عن الالتزامات القائمة بموجب مذكرة التفاهم.

وأضافت أن مستقبل هذه المخصصات سيكون مؤشراً مهماً على طبيعة التحول الذي تسعى الإدارة الأمريكية إلى إحداثه في العلاقة مع إسرائيل، وما إذا كان الأمر يتعلق بتغيير آلية التمويل فقط أم بإعادة صياغة بعض شروط الدعم.

التحالف مستمر.. والكلفة تتغير

وشددت جبر على أن وقف المساعدات المباشرة لا يعني بالضرورة تراجعاً عن التحالف الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي، مؤكدة أن التعاون الدفاعي والتكنولوجي والاستخباراتي وصفقات بيع الأسلحة ستظل ركائز أساسية في العلاقة بين الطرفين.

وأضافت أن إسرائيل، رغم الكلف الاقتصادية والعسكرية التي تحملتها نتيجة المواجهات على جبهات متعددة، لا تزال تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية تمكنها من مواصلة نشاطها الدفاعي، وهو ما يعزز التوجه الأمريكي نحو تحميلها حصة أكبر من كلفة أمنها.

وختمت جبر تحليلها بالقول إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتخلى عن إسرائيل، وإنما كيف ستعيد واشنطن توزيع كلفة التحالف معها، وكيف ستوازن بين مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط والضغوط الانتخابية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة.

وأكدت أن ترمب لا يعيد تعريف العلاقة الأمريكية الإسرائيلية بقدر ما يعيد ترتيب أدواتها وكلفتها وشروطها، في انتقال من نموذج المساعدات والمنح المباشرة إلى نموذج التمويل الذاتي وشراء السلاح، مع استمرار الشراكة العسكرية والاستراتيجية.

وبذلك، فإن الرسالة الأمريكية، وفق هذه القراءة، لا تتمثل في التخلي عن إسرائيل، وإنما في مطالبتها بتحمل حصة أكبر من فاتورة أمنها، مع احتفاظ واشنطن بمفاتيح التسليح والتكنولوجيا والتعاون الاستراتيجي.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات