دولة الرئيس الأكرم وديوان التشريع والرأي .. إلى متى يبقى مستقبل خريجي وطلبة علم التجميل معلّقاً؟


جراسا -

خاص- بعد سنوات من الدراسة والتكاليف المالية، يجد خريجون أنفسهم أمام أسئلة تتعلق بالترخيص واحتساب التدريب ومستقبلهم الأكاديمي.. ونظام صدر لتنظيم المهنة لا ينهي وحده معاناة دفعات تنتظر الإنصاف منذ سنوات.

 

أربع سنوات من الدراسة الجامعية، ورسوم دراسية لم تكن قليلة، وتدريب عملي وأحلام ببناء مستقبل مهني في قطاع يشهد توسعاً متزايداً.. ثم يجد الخريج نفسه أمام سؤال لم يكن يتوقع أن يواجهه بعد الحصول على شهادته: ماذا يمكنني أن أفعل بهذه الشهادة؟

 

هذا السؤال العميق يختصر جانباً من الأزمة التي يقول خريجو تخصص علم التجميل في الأردن إنهم يعيشونها، بعدما تقدموا بشكوى إلى "جراسا" مطالبين الجهات الرسمية والمعنية بتوضيح مصيرهم المهني والأكاديمي، وإنهاء حالة الغموض التي يقولون إنها رافقت انتقالهم من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل.

 

ولا تتعلق المشكلة، كما يعرضها الخريجون، بغياب الرغبة في العمل أو نقص المؤهلات الأكاديمية، وإنما بالفجوة التي نشأت بين مسار جامعي استقطب الطلبة وخرّج دفعات منهم، وبين الإجراءات التنظيمية التي تحدد طبيعة المهنة وشروط ممارستها والجهات المخولة بمنح تراخيصها.

 

فبالنسبة إلى هؤلاء، لم يكن الالتحاق بالتخصص مغامرة فردية، لقد اختاروا برنامجاً جامعياً مطروحاً في مؤسسات تعليمية أردنية، وأمضوا سنوات في دراسته، على أمل أن تكون هناك مساحة مهنية واضحة يمكن الانتقال إليها بعد التخرج.

 

لكن الانتقال لم يكن بالسهولة التي توقعوها.

 

من مقاعد الدراسة إلى متاهة الإجراءات

 

يقول خريجون إنهم اصطدموا بعد التخرج بأسئلة تتعلق بالمسمى الوظيفي الذي يمكن أن يعملوا تحته، وبالجهة التي تنظم مهنتهم، وبالشروط التي ينبغي استيفاؤها للحصول على ترخيص رسمي.

 

وتضاعفت هذه التساؤلات مع ملف التدريب الإلزامي، إذ يشير بعضهم إلى أنهم التزموا بمتطلبات التدريب التي كانت معلنة لهم، وأتموا فترات تدريب تحت إشراف جهات وأطباء اعتقدوا أن اعتمادهم مستوفٍ للشروط، قبل أن تظهر خلافات بشأن احتساب تلك الفترات ومدى توافقها مع متطلبات الترخيص.

 

وهنا تبرز إحدى أكثر النقاط حساسية في القضية: هل يجوز أن يتحمل الخريج تبعات اختلاف الإجراءات أو تغيرها بعد أن يكون قد نفذ ما طلب منه وفق التعليمات التي كانت قائمة وقت تدريبه؟

 

إن مطالبة الخريجين بمعالجة هذه المسألة لا تعني تجاوز شروط السلامة أو المهنية، وإنما البحث عن آلية انتقالية عادلة تميز بين من التزم بالتعليمات السابقة ومن يبدأ التدريب بعد اعتماد المتطلبات الجديدة.

 

نظام صدر.. لكن الأسئلة لم تنتهِ

 

لم يعد من الدقة القول إن مهنة التجميل الصحي في الأردن بلا إطار تشريعي؛ فقد أقر مجلس الوزراء نظام ممارسة مهنة التجميل الصحي لسنة 2025، وصدر النظام رقم 76 لسنة 2025، ليضع قواعد لترخيص المهنة وتحديد نطاق عمل ممارسيها وشروط التدريب.

 

وبموجب النظام، يرتبط الترخيص بالحصول على درجة البكالوريوس في علم التجميل أو ما يعادلها من جامعة معترف بها، إلى جانب تدريب مهني لمدة ستة أشهر في جهات معتمدة من وزارة الصحة، مع تحديد الأعمال التي يجوز لتقني التجميل الصحي القيام بها وتلك التي تبقى من اختصاص الأطباء.

 

لكن صدور التشريع لا ينهي تلقائياً جميع الإشكالات التي تراكمت قبل صدوره، ولا يجيب وحده عن مصير الخريجين الذين سبق أن التحقوا بالتخصص وأنهوا متطلبات دراسية وتدريبية وفق ظروف وتعليمات مختلفة.

 

ومن هنا، ينتقل السؤال من مرحلة المطالبة بإقرار نظام إلى مرحلة أكثر أهمية: كيف سيُطبق النظام على أرض الواقع؟ وما مصير التدريبات السابقة؟ وهل توجد آلية واضحة للتعامل مع طلبات الترخيص المتراكمة؟

 

مستقبل أكاديمي لا يقل أهمية عن العمل

 

وفي جانب آخر من القضية، يتحدث الخريجون عن صعوبات تواجه طموحهم في استكمال الدراسات العليا، وما يرافق ذلك من تساؤلات حول تصنيف التخصص ومدى قبول مؤهلاتهم في برامج الماجستير داخل الأردن وخارجه.

 

وهذا الملف يحتاج إلى توضيح من مؤسسات التعليم العالي والجامعات والجهات الأكاديمية المعنية، فالمسار المهني ليس الطريق الوحيد الذي يفترض أن تتيحه الشهادة الجامعية، ولا ينبغي أن يصبح الغموض المتعلق بالتصنيف عائقاً غير مفهوم أمام مواصلة التحصيل العلمي.

 

فمن حق الخريج أن يعرف، قبل أن يقرر استكمال دراسته أو دفع تكاليف برنامج جديد، ما إذا كانت شهادته تستوفي شروط القبول، وما المسارات الأكاديمية المتاحة أمامه، وما القيود التي قد تواجهه في الجامعات الأخرى.

 

اتهامات وأسئلة تحتاج إلى إجابات

 

وفي خضم هذه الأزمة، يثير بعض الخريجين تساؤلات حول تأثير المصالح المهنية المتنافسة في تنظيم القطاع، ويتحدثون عن مخاوف من وجود اعتراضات أو ضغوط تحول دون فتح المجال أمامهم لممارسة اختصاصهم ضمن الحدود القانونية.

 

وهي ادعاءات لا يمكن التعامل معها بوصفها حقائق من دون أدلة، لكنها تضع أهمية إضافية أمام الجهات الرسمية لتوضيح أسس تنظيم المهنة، وإظهار أن القرارات المتعلقة بها تستند إلى معايير علمية وصحية ومهنية معلنة، لا إلى اعتبارات غير واضحة.

 

فوجود اختصاصات طبية مختلفة في قطاع واحد لا ينبغي أن يتحول إلى صراع على المسميات أو الصلاحيات، بل إلى منظومة تحدد بدقة ما يمكن لكل فئة القيام به، وتحمي المريض أولاً، وتحفظ الحقوق المهنية لجميع العاملين وفق مؤهلاتهم وتراخيصهم.

 

المسؤولية تبدأ قبل التخرج

 

لكن السؤال الأوسع يتجاوز الخريجين أنفسهم، ليصل إلى الجهات التي تشرف على التعليم العالي وتوافق على البرامج الأكاديمية.

 

فحين تطرح جامعة تخصصاً وتستقبل فيه طلبة على مدى سنوات، يصبح من الضروري أن تكون العلاقة بين المؤهل الأكاديمي ومتطلبات المهنة واضحة، وأن يعرف الطالب منذ البداية أين يمكن أن يعمل، وما حدود اختصاصه، وما فرص استكمال دراسته.

 

أما ترك هذه الأسئلة معلقة إلى ما بعد التخرج، فيضع الطلبة أمام مخاطر لم يكن من السهل عليهم تقديرها عند اتخاذ قرار الالتحاق بالجامعة.

 

ولهذا، فإن القضية تستدعي مراجعة متكاملة لمسؤولية الجامعات والجهات الرقابية، ومدى وضوح المعلومات التي قُدمت للطلبة بشأن مستقبل التخصص ومتطلبات مزاولته.

 

ماذا ينتظر الخريجون من الحكومة؟

 

اليوم، لا يطالب خريجو علم التجميل بامتيازات استثنائية، بقدر ما يطالبون بإنصافهم ووضع حد لملف يقولون إنه لا يزال عالقاً في ديوان التشريع والرأي منذ أكثر من عامين، دون حسم واضح، رغم ارتباطه بمستقبل آلاف الطلبة والخريجين. ويتساءلون: كيف تبقى قضية بهذا الحجم معلقة كل هذه المدة، في حين تُقر تشريعات أخرى خلال أيام، وربما عشرة أيام، بينما ينتظر أصحاب هذا الملف منذ سنوات إجابة تنهي حالة القلق والغموض التي يعيشونها؟

 

ويقول الخريجون إنهم التحقوا بالجامعات وسجلوا في التخصص بعد موافقات الجهات التعليمية المختصة، وفي مقدمتها وزارة التربية والتعليم، والتزموا بسنوات الدراسة والتكاليف المالية والتدريب، قبل أن يصطدموا بعقبات تتعلق بمستقبلهم المهني والأكاديمي. وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: من يتحمل مسؤولية ما وصل إليه هؤلاء؟ هل يتحمل الطلبة وأسرهم وحدهم تبعات قرارات اتخذوها استناداً إلى تخصصات جامعية مطروحة ومعتمدة، أم أن على المؤسسات الرسمية مسؤولية مباشرة في معالجة آثار هذا الملف وإنصاف المتضررين؟

 

ويؤكد الخريجون أن معاناة بعضهم امتدت لأكثر من خمس سنوات، فيما لا يزال كثيرون ينتظرون فرصة ممارسة اختصاصهم بصورة قانونية، أو استكمال دراساتهم العليا في الجامعات الأردنية والخارجية، خصوصاً أن بينهم طلبة متميزين وأصحاب طموحات أكاديمية ومهنية لا ينبغي أن تتوقف بسبب تأخر الحسم الإداري والتشريعي.

 

وفي هذا السياق، يتطلع أصحاب القضية إلى رئيس الوزراء، الذي علّق كثيرون آمالاً على حكومته في ترسيخ مبدأ العدالة وعدم ترك أي من أبناء الوطن عرضة للظلم، للتدخل ووضع حد لهذا الانتظار، وتوجيه الجهات المعنية إلى حسم الملف، وتوضيح مصير الخريجين والطلبة، وإقرار حلول عادلة تحفظ حقوق الدفعات السابقة، وتفتح أمامهم الطريق المهني والأكاديمي الذي التحقوا بالتخصص من أجله.

 

إنها قضية لا تخص الخريجين وحدهم، بل تمتد إلى أسرهم التي تحملت أعباء مالية ومعنوية طوال سنوات الدراسة، وإلى طلبة ما زالوا على مقاعد الجامعات ويخشون أن يجدوا أنفسهم أمام المصير ذاته. ومن هنا، فإن استمرار تعليق الملف ليس مجرد تأخير في إجراء إداري، بل مسألة تمس الثقة بالمؤسسات التعليمية والقرارات الرسمية.

 

ونحن، كوسائل إعلام، نؤكد أن متابعة هذا الملف ستستمر إلى حين الوصول إلى إجابات واضحة وإنصاف أصحاب الحق؛ فمستقبل آلاف الطلبة ليس قضية يمكن أن تبقى معلقة إلى أجل غير معلوم، ولا يجوز أن يكون الطالب الحلقة الأضعف في منظومة لم يكن هو من وضع قواعدها.

 

اختبار الثقة بين التعليم وسوق العمل

 

في نهاية المطاف، لا تبدو قضية خريجي علم التجميل مجرد خلاف على ترخيص أو مسمى وظيفي. إنها اختبار لقدرة المؤسسات على وصل التعليم بسوق العمل، وعلى حماية ثقة الطالب بالجامعة التي اختارها، وبالنظام الذي يفترض أن ينظم مستقبله.

 

فالشهادة الجامعية ليست وعداً بوظيفة مضمونة، لكنها يجب ألا تتحول إلى مؤهل يكتشف صاحبه بعد سنوات من الدراسة أن الطريق إلى الاستفادة منه ما زال محاطاً بأسئلة لم يجد لها إجابات.

 

ويبقى السؤال الذي ينتظر الخريجون إجابة واضحة عنه: بعد أن أصبح للمهنة نظام ينظمها، متى يصبح لهذا النظام أثر ملموس في حياة من انتظروا طويلاً حتى يعرفوا أين يقفون مهنياً وأكاديمياً؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات