هل تكسر واشنطن المحظور النووي في إيران .. جبل الفأس يختبر حدود القوة الأمريكية ؟


الحديث عن احتمال استخدام الولايات المتحدة سلاحاً نووياً ضد إيران لم يعد مجرد سيناريو افتراضي يتداوله خبراء الردع ومحللو الحروب بل تحول إلى تحذير علني أثار قلقاً واسعاً بعد تصريحات الإعلامي الأمريكي الشهير تاكر كارلسون الذي تحدث عن احتمال اقتراب إدارة الرئيس ترامب من اتخاذ قرار بالغ الخطورة باستهداف منشأة جبل الفأس الإيرانية بقنبلة نووية تكتيكية في موعد قد لا يتجاوز السابع من تشرين الثاني الجاري وفق تقديره ورغم أن هذا التحذير لا يستند إلى إعلان رسمي أو دليل مستقل يؤكد وجود قرار أمريكي من هذا النوع فإن مجرد طرحه في هذا التوقيت يكشف حجم المأزق الذي وصلت إليه المواجهة الأمريكية الإيرانية ويعيد إلى الواجهة السؤال الأكثر خطورة في النظام الدولي وهو هل يمكن أن تصبح الأسلحة النووية أداة عسكرية قابلة للاستخدام مجدداً بعد ثمانية عقود من المحظور الأخلاقي والسياسي الذي فرضته كارثة هيروشيما وناغازاكي .

خطورة منشأة جبل الفأس المعروفة غربياً باسم بيك أكس تنبع من طبيعتها الجغرافية والهندسية وموقعها القريب من منشآت نطنز النووية في محافظة أصفهان حيث تشير التقديرات المتداولة إلى أنها محفورة في أعماق جبل صخري شديد الصلابة ومحاطة بطبقات كثيفة من الجرانيت بما يجعل الوصول إلى بعض أجزائها وتدميرها من الجو مهمة بالغة التعقيد حيث تذهب تقديرات إلى أن أجزاء من المنشأة تقع على عمق يقارب مئة متر فيما تحدث الصحفي كارلسون عن نحو ثلاثمئة قدم من الصخور الصلبة لكن طبيعة الأنشطة الجارية داخلها وحجمها الفعلي ومستوى تحصين كل أقسامها لا تزال أموراً تفتقر إلى معلومات علنية حاسمة وهو ما يفرض الحذر من التعامل مع كل التقديرات المتداولة باعتبارها حقائق نهائية.

المعضلة العسكرية الأمريكية لا تكمن فقط في امتلاك قنابل شديدة التدمير بل في مدى قدرتها على الوصول إلى هدف مدفون تحت كتلة جبلية هائلة ورغم ان قنابل الاختراق الخارقة للتحصينات من طراز جي بي يو 57 صممت لتدمير المنشآت العميقة وقد استخدمتها الولايات المتحدة في ضرب منشأة فوردو الإيرانية خلال حرب عام 2025 لكن ذلك لا يعني امتلاك قدرة مضمونة على اختراق أي عمق صخري مهما بلغت صلابته أما قنبلة أم القنابل المعروفة باسم مواب فهي سلاح تقليدي ضخم يعتمد أساساً على قوة الانفجار وموجته التدميرية وليست قنبلة مصممة لاختراق مئات الأمتار من الصخور ومن هنا قد تلجأ واشنطن إلى استهداف مداخل الأنفاق وفتحات التهوية ومصادر الطاقة والمنشآت المساندة بدلاً من محاولة تدمير قلب الجبل مباشرة.

اللافت أن الفجوة بين صعوبة تدمير المنشأة وبين اللجوء إلى السلاح النووي ليست حتمية كما تحاول بعض الخطابات المتشددة تصويرها وان العجز عن ضمان تدمير هدف محصن لا يمنح أي دولة مبرراً أخلاقياً أو استراتيجياً لاستخدام سلاح قادر على إحداث كارثة تتجاوز الهدف العسكري بمراحل كثيرة كما أن الحديث عن استعمال قنبلة نووية تكتيكية لا ينبغي أن يخدع الرأي العام بتصويرها سلاحاً محدود الأثر أو قليل الخطورة فكل سلاح نووي يحمل معه احتمالات التلوث الإشعاعي والدمار البشري والبيئي ويشكل سابقة تهدد ما تبقى من القيود الدولية على استخدام القوة النووية .

الحقيقة ان تحذير كارلسون أعاد هذه المخاوف إلى الواجهة حين زعم أن قراراً أمريكياً قد يكون قريباً وأن ترامب يواجه ضغوطاً باتجاه الخيار العسكري بينما يدفع نائبه جي دي فانس والمبعوث ستيف ويتكوف باتجاه تسوية تفاوضية كما حذر من أن انفجاراً نووياً في منطقة جبل الفأس قد يفتح الباب أمام مخاطر إشعاعية تطال إيران ودول الخليج وتهدد مصادر المياه التي يعتمد عليها عشرات الملايين من السكان وهذه التقديرات تبقى بحاجة إلى تقييم علمي مستقل لأن نطاق التلوث واتجاهه وحجمه يرتبط بعوامل عديدة منها طبيعة التفجير وعمقه والتكوين الجيولوجي والرياح والأمطار والمياه الجوفية لكن المؤكد أن أي استخدام نووي في منطقة مكتظة بالسكان ومتصلة جغرافياً وبيئياً سيجعل تداعياته قضية إقليمية ودولية لا تستطيع واشنطن حصرها داخل حدود المنشأة المستهدفة.

في المقابل لا يجوز إغفال أن ترامب أعلن في مقابلة تلفزيونية يوم السادس عشر من تشرين الأول الماضي أنه لا يحتاج إلى استخدام السلاح النووي ضد إيران وأنه لن يلجأ إليه وأن القنابل التقليدية قادرة على تحقيق الأهداف الأمريكية وهذا التصريح يمثل موقفاً معلناً يناقض السيناريو الذي طرحه كارلسون ويجب أخذه بجدية عند تقدير احتمالات التصعيد كما أن كارلسون لم يقدم دليلاً مستقلاً يثبت أن الإدارة الأمريكية تدرس فعلياً ضربة نووية أو أن موعد السابع من تشرين الثاني يشكل مهلة نهائية لاتخاذ قرار من هذا النوع ولذلك فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في التعامل مع تحذيره باعتباره قراراً محسوماً بل في أن يصبح التلويح بالخيار النووي جزءاً من حسابات الضغط والتهديد في حرب مفتوحة على احتمالات شديدة الخطورة.

الأمر الأخطر من تدمير منشأة إيرانية هو أن تقدم دولة كبرى على كسر المحظور النووي للمرة الأولى منذ عام 1945 تحت ذريعة الضرورة العسكرية لان مثل هذا القرار لن يبقى حدثاً أمريكياً إيرانياً معزولاً بل سيبعث برسالة إلى القوى النووية الأخرى بأن استخدام السلاح الذري يمكن أن يعود إلى ميدان الحروب إذا تعذر تحقيق الأهداف المطلوبة بالوسائل التقليدية وقد يدفع ذلك دولاً أخرى إلى إعادة النظر في عقائدها العسكرية وحسابات الردع لديها ويضعف الحواجز السياسية والنفسية التي حالت دون استخدام هذا السلاح طوال العقود الماضية كما أن أي ضربة نووية لن تضمن إنهاء الحرب بل قد تمنح طهران مبررات إضافية لتوسيع الرد وتعبئة حلفائها وفتح جبهات جديدة بما يضع المنطقة أمام مواجهة يصعب التحكم في مساراتها.

عمليا لا يمكن فصل أي مواجهة نووية محتملة حول جبل الفأس عن أمن الخليج العربي الذي سيكون في مقدمة المناطق المعرضة لتداعياتها المباشرة وغير المباشرة فإيران لا تقع في فضاء جغرافي معزول بل على الضفة المقابلة لدول ترتبط معها بشبكة واسعة من المصالح والممرات البحرية ومصادر الطاقة والمياه والتحلية وأي تلوث إشعاعي واسع أو اضطراب طويل في الملاحة عبر مضيق هرمز لن يهدد صادرات النفط والغاز وحدها بل قد يطال محطات التحلية والمنشآت الصناعية والموانئ وسلاسل الإمداد التي تقوم عليها حياة ملايين السكان كما أن القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة قد تتحول إلى أهداف محتملة لأي رد إيراني واسع وبذلك لن تكون دول الخليج مجرد أطراف تراقب حرباً تدور على مقربة منها بل قد تجد نفسها في قلب تداعياتها الأمنية والاقتصادية والبيئية دون أن تكون قد اختارت مسارها أو شاركت في صنع قرارها.

هنالك جانب بالغ الخطورة يتعلق بما قد يترتب على استخدام السلاح النووي من انهيار إضافي في منظومة القانون الدولي وعدم الانتشار النووي خاصة وان الدول التي تطالب الآخرين بالامتناع عن امتلاك الأسلحة الذرية مطالبة قبل غيرها بإثبات أن هذه الأسلحة ليست وسيلة لفرض الإرادة السياسية أو تجاوز العجز العسكروإذا استخدمت واشنطن قنبلة نووية ضد منشأة إيرانية بحجة منع طهران من امتلاك السلاح نفسه فإنها ستمنح خصومها حجة قوية للتشكيك في عدالة النظام الدولي وتدفع دولاً أخرى إلى الاعتقاد بأن امتلاك قدرة ردع نووية هو الضمان الوحيد لردع التدخلات الخارجية وهنا تكمن المفارقة الكبرى إذ إن ضربة يفترض أن تمنع الانتشار النووي قد تتحول إلى أقوى دعاية تدفع نحوه وتضعف الثقة بالمعاهدات والضمانات الدولية وتفتح سباق تسلح جديداً يصعب احتواؤه.

ختاما : إن العالم لا يقف اليوم أمام اختبار عسكري يتعلق بقدرة قنبلة على اختراق جبل من الجرانيت فحسب بل أمام اختبار تاريخي لما تبقى من العقل السياسي والضمير الإنساني خصوصا ان جبل الفأس مهما بلغت تحصيناته يمكن التعامل معه بوسائل متعددة ويمكن إخضاع الخلافات المرتبطة به للتفاوض والرقابة والضمانات الدولية أما إذا كُسر المحظور النووي فلن يكون بالإمكان إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء أو ضمان أن تبقى السابقة محصورة في إيران والاهم إن واشنطن التي تملك القوة الكافية لاختيار الحرب أو التسوية تتحمل اليوم مسؤولية أكبر من مجرد تدمير منشأة أو فرض شروط على دولة أخرى فإما أن تنتصر لغة العقل وتبقى الأسلحة النووية خارج حسابات الحروب أو يفتح العالم بيديه باباً جهنمياً قد لا يستطيع أحد إغلاقه وعندها لن يكون السؤال من انتصر في معركة جبل الفأس بل من أنقذ البشرية من كارثة كان يمكن تفاديها وأن استمرار التفاوض مهما كان شاقاً يظل أقل كلفة بكثير من مغامرة عسكرية قد تخرج عن السيطرة .

كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات