نتنياهو يخسر رهان الانتخابات .. هل اقتربت نهاية بقائه في الحكم ؟


لم تكن الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في السابع والعشرين من أكتوبر الجاري مجرد منافسة تقليدية بين أحزاب تتنازع مقاعد الكنيست بل تحولت إلى اختبار سياسي بالغ الخطورة لمستقبل بنيامين نتنياهو الذي خاضها وهو يراهن على تجديد شرعيته وإعادة تثبيت أركان حكمه بعد سنوات من الأزمات والحروب والانقسامات الداخلية غير أن النتائج الأولية أظهرت أن رهانه لم يحقق الغاية التي سعى إليها وأن الطريق إلى تشكيل حكومة جديدة بات أكثر تعقيدا مما أراد فيما يجد خصومه أنفسهم أمام فرصة نادرة لإزاحته دون أن يمتلكوا حتى الآن الأدوات السياسية الكافية لاستثمارها.

الأرقام المتقدمة لفرز الأصوات كشفت عن معادلة محرجة لنتنياهو حيث حصل معسكره على نحو 53 مقعدا مقابل 48 مقعدا لمعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت فيما ارتفع تمثيل القائمتين العربيتين إلى 19 مقعدا في سابقة لافتة داخل الكنيست المؤلف من 120 عضوا وبذلك يجد نتنياهو نفسه على بعد ثمانية مقاعد من الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة بينما لا يستطيع منافسوه الوصول إلى الحكم من دون معالجة خلافاتهم العميقة بشأن التحالفات الممكنة وطبيعة الشراكة مع الأحزاب العربية.

اللافت ان جوهر الهزيمة التي تلوح أمام نتنياهو لا يكمن في عدد المقاعد وحده بل في تراجع قدرته على تقديم نفسه باعتباره الرجل الذي لا بديل عنه في قيادة إسرائيل حيث ارتبطت سنوات حكمه الأخيرة بإخفاقات أمنية ثقيلة منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023 وبحروب لم تنتج لإسرائيل الاستقرار الذي وعد به أنصاره فضلا عن الأثمان البشرية والاقتصادية والسياسية التي دفعتها جراء استمرار المواجهات في غزة ولبنان وتفاقم التوترات الإقليمية ومع أن قسما من الناخبين الإسرائيليين لا يزال يمنحه الثقة فإن نتائج الصناديق تشير إلى أن قطاعات واسعة لم تعد ترى في استمرار حكومته ضمانة للخروج من الأزمات بل باتت تعتبر تغيير القيادة مدخلا محتملا لإعادة ترتيب الأولويات.

عمليا لا يمكن فصل هذا التراجع عن طبيعة الائتلاف الذي اعتمد عليه نتنياهو في الحكم والذي جمع قوى يمينية متشددة وأحزابا دينية تختلف معه أحيانا على تقاسم النفوذ والامتيازات لكنها تتقاطع معه في قضايا أيديولوجية أساسية وقد جعل الخلاف حول تجنيد اليهود المتدينين والميزانية واستمرار التحالف مع القوى الأكثر تطرفا هذا الائتلاف عرضة للاهتزاز حتى قبل ظهور النتائج الانتخابية أما الآن فإن خسارة الأغلبية تضع نتنياهو أمام معضلة مزدوجة تتمثل في كيفية إرضاء شركائه الذين يخشى فقدانهم ومحاولة استقطاب أطراف جديدة قد تشترط عليه التخلي عن بعضهم وفي مقدمتهم بن غفير .

المفارقة الأكثر أهمية تظهر هنا في المشهد الإسرائيلي حيث إن خسارة نتنياهو للأغلبية لا تعني بالضرورة فوز المعارضة بالحكم رغم ان معسكر آيزنكوت يستطيع نظريا الاستفادة من المقاعد العربية للوصول إلى أغلبية برلمانية تتجاوز المطلوب لكن هذا الخيار يصطدم برفض قوى أساسية داخل المعارضة التعاون مع القائمتين العربيتين حتى عندما يتعلق الأمر بالدعم البرلماني من خارج الحكومة وبذلك تصبح الحسابات الأيديولوجية والحساسيات القومية عائقا أمام تحويل التفوق العددي إلى بديل حكومي فعلي وهو ما يمنح نتنياهو فرصة للمناورة رغم تراجع معسكره قليلا .

إن صعود الأحزاب العربية إلى 19 مقعدا يحمل دلالة تتجاوز الحسابات العددية لأنه يكشف أن إقصاء المواطنين العرب عن التأثير في القرار السياسي لا يمكن فرضه بسهولة خاصة عندما تمنحهم صناديق الاقتراع وزنا برلمانيا كبيرا ومع كل ذلك فإن المقاعد وحدها لا تصنع نفوذا حاسما ما لم تجد من يستعد للتفاوض معها على أساس المصالح والبرامج والامر المستغرب أن بعض خصوم نتنياهو الذين يرفعون شعار التغيير قد يساهمون في إطالة بقائه إذا أصروا على رفض أي صيغة تتيح الاستفادة من الوزن الانتخابي العربي .

في المقابل لا تبدو عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة أمرا مستحيلا رغم افتقاره إلى الأغلبية الحالية فقد يحاول استقطاب نواب من خارج معسكره أو الدفع نحو حكومة وحدة وطنية يتخلى فيها عن بعض حلفائه المتشددين مقابل شراكة مع قوى من المعارضة وهذا الخيار يمنحه فرصة لتقديم نفسه أمام الداخل الإسرائيلي وحلفائه الدوليين بوصفه قادرا على توفير الاستقرار السياسي وإدارة الملفات الأمنية الحساسة وفي مقدمتها المواجهة مع إيران غير أن المشكلة الأساسية التي يواجهها تكمن في انعدام الثقة بينه وبين عدد من خصومه الذين يعتبرون أن المشاركة في حكومة يقودها قد توفر فرصة جديدة لتثبيت سلطته ثم التخلص من شركائه عندما تسمح الظروف بذلك.

ما يجب فهمه انه لا يمكن إغفال الدور الأميركي في هذه المعادلة خصوصا بعدما أعلن ترامب دعمه لنتنياهو قبل الانتخابات وظهرت مؤشرات على اهتمام واشنطن بإمكانية تشكيل حكومة وحدة إسرائيلية سيما وان الإدارة الأميركية تريد شريكا قادرا على اتخاذ قرارات استراتيجية في ملفات المنطقة لكن دعم ترامب لا يستطيع وحده توفير المقاعد التي يحتاجها نتنياهو داخل الكنيست وقد يتحول هذا الدعم إلى عنصر ضغط على بعض القوى الإسرائيلية لتقديم تنازلات متبادلة لكنه قد يثير في الوقت نفسه اعتراضات لدى من يرفضون منح نتنياهو فرصة إضافية للبقاء في السلطة.

أما بخصوص الأصوات التي لم يكتمل احتسابها بعد فلا يجوز التعامل معها باعتبارها تفصيلا هامشيا ولا بانها طوق نجاة مؤكدا لنتنياهو وقد تشمل النتائج النهائية تعديلات في توزيع المقاعد لكن المسألة الحاسمة ستبقى قدرة أي معسكر على بلوغ عتبة الواحد والستين نائبا وإذا أخفقت المفاوضات فقد يستمر نتنياهو في إدارة الحكومة بصفتها حكومة انتقالية إلى حين استكمال الإجراءات الدستورية أو تتجه إسرائيل إلى انتخابات جديدة تعيد الأزمة إلى نقطة البداية وفي الحالتين فإن غياب الأغلبية المستقرة سيجعل القرارات الحكومية أكثر ارتباطا بالمساومات السياسية وبحسابات البقاء الشخصي والحزبي.

الواضح إن نتنياهو يقف اليوم أمام اختبار يتجاوز مجرد الاحتفاظ بمنصب رئيس الحكومة لأن أي عودة له عبر صفقة ائتلافية هشة لن تمحو التراجع الذي كشفته الانتخابات ولن تنهي الانقسامات التي تضرب المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته السياسية كما أن خروجه من الحكم إن تحقق لن يعني تلقائيا قيام حكومة مختلفة في سياساتها تجاه الفلسطينيين أو انتهاء النزعة العدوانية التي حكمت سلوك الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

لعل اهم ما كشفته الانتخابات أن نتنياهو لم يعد قادرا على ضمان بقائه بالاعتماد على قاعدته اليمينية وحدها وأن خصومه باتوا يمتلكون فرصة لإبعاده لكنهم لم يحسموا بعد استعدادهم لدفع ثمنها السياسي وبين أغلبية ضائعة ومعارضة مترددة وضغوط أميركية ومساومات ائتلافية مفتوحة تبدأ المعركة الحقيقية بعد إغلاق الصناديق فقد لا يسقط نتنياهو في اللحظة التي خسر فيها أغلبيته لكنه سيدخل مرحلة يصبح فيها بقاؤه معلقا بقدرة الآخرين على الاتفاق بقدر ما هو معلق بقدرته هو على المناورة.

ختاما : ان أخطر ما أفرزته هذه الانتخابات ليس مجرد تعثر نتنياهو في تأمين أغلبية برلمانية تضمن له البقاء بل بانكشاف حدود قدرته على تحويل الأزمات والحروب إلى رصيد سياسي دائم حيث يستطيع المناورة لتشكيل حكومة جديدة أو الاحتماء بحكومة تصريف الأعمال أو جر خصومه إلى جولة أخرى من المساومات لكن كل يوم إضافي في السلطة لن يكون بالضرورة انتصاراً له بل قد يتحول إلى عبء يراكم الغضب ويعمق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي وهنا تكمن الطامة التي قد تلاحقه طويلاً خاصة وانه خاض الانتخابات أملاً في تجديد شرعيته ليجد نفسه أمام اختبار أشد قسوة من صناديق الاقتراع وهو امتحان القدرة على الحكم في دولة تتنازعها الحسابات الحزبية ومخاوف الأمن وأثمان الحروب ووفق هذا الواقع المضطرب قد لا يسقط نتنياهو اليوم أو غداً لكن الانتخابات فتحت الباب أمام مرحلة يصبح فيها بقاؤه موضع مساومة دائمة وتغدو كل محاولة منه للنجاة خطوة أخرى نحو المجهول لانه معروف في السياسة ان النهاية لا تبدأ دائماً بإعلان الهزيمة بل قد تبدأ حين يفوز المرء بالمقاعد التي يحتاجها خصومه لإسقاطه ويخسر الثقة التي يحتاجها هو للبقاء .

كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات