الخليل تحت مقصلة التهجير .. هل تتحول العملية العسكرية إلى بوابة لاقتلاع الفلسطينيين وإعادة رسم جغرافيا الضفة الغربية ؟


لم تعد التطورات المتسارعة في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة مجرد إجراءات أمنية إسرائيلية عابرة يمكن فصلها عن السياق السياسي والاستيطاني الأوسع بل باتت تثير مخاوف جدية من محاولة استغلال العمليات العسكرية لفرض واقع جديد على الأرض الفلسطينية عبر الإخلاء القسري وهدم المنازل والمنشآت الاقتصادية وإغلاق الطرق وتقييد حركة السكان وما يجري في أحياء الجلدة وعين دير بحة وفرش الهوى يضع الخليل أمام اختبار بالغ الخطورة لأن القضية لا تتعلق فقط بعائلات أجبرت على مغادرة منازلها بل بمستقبل مدينة تمثل ثقلاً سكانياً واقتصادياً وتاريخياً في الضفة الغربية وباحتمال تحويل القوة العسكرية الاسرائيلية إلى أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية بما يخدم التوسع الاستيطاني ويقوض فرص بقاء الفلسطينيين على أرضهم.

هذه التطورات جاءت عقب عملية إطلاق نار قرب حاجز فرش الهوى قالت الروايات الإسرائيلية إنها أدت إلى مقتل جنديين وإصابة ثلاثة آخرين وهو ما أعقبته إجراءات عسكرية واسعة شملت إخلاء أحياء سكنية وإغلاق مداخل ومناطق في الخليل وحلحول لكن خطورة المشهد لا تكمن في الإجراءات الأمنية وحدها بل في حجم النزوح وطبيعة الخطاب الإسرائيلي بشأن عودة الى منازلهم حيث أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن نحو ألفي فلسطيني نزحوا من المنطقة وأن عودتهم لن تكون ممكنة قبل ما وصفه بحل مشكلات حماس في الخليل وفي حين تتفاوت التقديرات المتداولة بشأن أعداد المهجرين فيما ارتفعت حصيلة المهجّرين إلى 3189 فلسطينيًا واعتقال نحو 71 شخصًا وتفتيش أكثر من 500 موقع وسط تعزيز انتشاره العسكري وإغلاق عدد من الطرق والمداخل وإن هذا التفاوت لا يغير من حقيقة أن مدنيين لا ذنب لهم وجدوا أنفسهم خارج منازلهم وسط غموض بشأن موعد عودتهم وضمانات حمايتهم .

خطورة هذه الإجراءات تزداد حين يتجاوز الإخلاء المؤقت إلى هدم المباني وتدمير مصادر الرزق حيث أفادت تقارير بأن عمارة تضم ثلاث شقق سكنية في منطقة فرش الهوى تعرضت للهدم بالتزامن مع استهداف منشآت ومحال تجارية متخصصة في تجارة البلاط والسيراميك وقطع السيارات كما تحدثت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن تجريف مساحات من الأراضي قدرت بنحو سبعة دونمات في سياق الإجراءات الجارية وهذه الوقائع إذا استمرت على هذا النحو لا تعني فقط خسارة مساكن يمكن لأصحابها العودة إليها لاحقاً بل قد تعني تدمير البيئة التي تسمح لهم باستئناف حياتهم الطبيعية وإعادة بناء أعمالهم ومصالحهم فحين يفقد الفلسطيني منزله ومصدر دخله وحرية الوصول إلى أرضه تتحول العودة من حق واضح إلى معركة يومية مع واقع مادي يجري تغييره على الأرض .

عمليا لا يمكن فهم استهداف فرش الهوى بمعزل عن موقعها الجغرافي والاقتصادي باعتبارها منطقة اتصال مهمة عند المدخل الغربي والشمالي للخليل وقربها من طرق يستخدمها الفلسطينيون في تنقلاتهم ونشاطهم التجاري بقصد إفراغ مناطق حيوية من سكانها وإغلاق طرقها واستهداف منشآتها وبما ينعكس على حركة التجارة والعمالة والإمداد ويضعف قدرة السكان على الصمود في محيط تتزايد فيه القيود العسكرية والاستيطانية خاصة وان الخليل ليست مدينة هامشية في الاقتصاد الفلسطيني بل تضم قاعدة واسعة من الأنشطة الصناعية والتجارية والحرفية والزراعية وترتبط بها مصالح آلاف الأسر في المدينة ومحيطها ولذلك فإن ضرب اقتصادها لا يقتصر أثره على التجار وأصحاب المنشآت بل يمتد إلى العمال والموردين والمستهلكين كما يضاعف أعباء البطالة والفقر ويجعل البقاء في المناطق المستهدفة أكثر صعوبة ومن هنا تبرز المخاوف من أن يصبح الضغط الاقتصادي وسيلة غير مباشرة لدفع السكان إلى الرحيل حتى عندما لا يصدر أمر صريح بإبعادهم بصورة دائمة.

الأبعاد الكامنة للخطر تتضح أكثر عند وضع ما يجري في سياق الخريطة الاستيطانية المحيطة بالخليل وما شهدته المحافظة خلال الفترة الأخيرة من اعتداءات وهدم وتوسع في البؤر الاستيطانية وان وجود مستوطنات مثل كريات أربع وحجاي وتيلم وأدورا وكرمي تسور وغيرها لا يمثل مجرد تجمعات سكانية منفصلة بل تشكل منظومة من السيطرة على الأرض والطرق ومناطق التوسع والاتصال الجغرافي كما تثير الخطط المتعلقة بالبؤر الاستيطانية والمناطق المحيطة بالمدينة مخاوف من تقليص المجال المتاح للتوسع العمراني الفلسطيني وتجزئة التجمعات السكانية وعزلها عن أراضيها ومصادر رزقها ويضاف إلى ذلك واقع مدينة الخليل المنقسم اصلا بموجب بروتوكول عام 1997 إلى منطقتي إتش واحد وإتش اثنين وما ترتب عليه من قيود أمنية وإدارية وحياتية شديدة على أجزاء من المدينة وعندما تجتمع هذه الوقائع مع الإخلاء والهدم وإغلاق المداخل يصبح السؤال مشروعاً حول ما إذا كانت الإجراءات الراهنة ستؤدي إلى تغيير أوسع في علاقة السكان بأحيائهم وأراضيهم وطرقهم.

ضمن هذا السياق لا يمكن تجاهل الطروحات السياسية الإسرائيلية المعروفة باسم خطة الحسم التي ارتبطت بوزير المالية بتسلئيل سموتريتش والتي تقوم في جوهرها على فرض السيادة الإسرائيلية وتضييق الخيارات أمام الفلسطينيين بين الخضوع للواقع المفروض أو الرحيل أو مواجهة مزيد من القمع ولا يعني ذلك أن كل إجراء ميداني في الخليل هو جزء من خطة مركزية واحدة لكن تكرار أنماط الإخلاء والهدم وتوسيع الاستيطان وفرض القيود على الحركة يفرض قراءة سياسية تتجاوز التبريرات الأمنية المعلنة لان المعيار الحقيقي لا يتحدد بما تقوله الحكومة الإسرائيلية عن أهدافها فحسب بل بما تتركه الإجراءات على الأرض من نتائج ديمغرافية وجغرافية واقتصادية وإذا انتهت العملية إلى إفراغ مناطق فلسطينية من سكانها ثم تعطلت عودتهم أو تعذر ترميم مساكنهم واستعادة أعمالهم فإن النتيجة العملية ستكون تغييراً في الواقع السكاني حتى لو جرى تجنب إعلان التهجير الدائم بصورة رسمية.

المخاوف الراهنة تستحضر ما شهدته مخيمات شمال الضفة الغربية ولا سيما مخيم جنين ومحيطه من عمليات عسكرية واسعة وإخلاء للسكان وتجريف للطرق وتدمير للبنية التحتية والمساكن حيث حذرت مؤسسات حقوقية من خطورة تحول النزوح الذي يعلن عنه مؤقتاً إلى حالة طويلة الأمد تحرم العائلات من العودة إلى بيوتها وما يثير القلق أكثر في الخليل هو احتمال انتقال بعض هذه الأساليب إلى منطقة تختلف في طبيعتها السكانية والاقتصادية والجغرافية لكنها تواجه ضغوطاً متصاعدة من الاستيطان والقيود العسكرية مع ان إفراغ الأحياء من سكانها لا يغير حياة الأسر المهجرة وحدها بل يضعف الروابط بين المدينة ومحيطها ويعطل النشاط التجاري ويهدد بتوسيع مناطق السيطرة الإسرائيلية على حساب الوجود الفلسطيني ولذلك ينبغي التعامل مع ما يجري بوصفه إنذاراً مبكراً يستدعي تحركاً عاجلاً لمنع تكريس النزوح وتحويله إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه.

من وجهة نظر قانونية لما يجري فإن تهجير المدنيين قسراً في الأراضي المحتلة وإلحاق الضرر بالممتلكات المدنية وفرض العقوبات على السكان بصورة جماعية تثير مخاوف جدية من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وان المسؤولية عن عملية مسلحة لا يجوز أن تتحول إلى مبرر لمعاقبة مجتمع كامل أو حرمان عائلات من مساكنها ومصادر رزقها أو إبقائها في العراء دون ضرورة عسكرية تبرر ذلك وبما يتفق مع الضوابط القانونية الصارمة كما أن السماح بعودة السكان إلى منازلهم وضمان سلامتهم وحماية ممتلكاتهم ليست منحة سياسية من سلطات الاحتلال متى شاءت بل هي حقوق ترتبط بالتزامات قانونية لا يجوز تجاوزها وفي ظل هذا المشهد يصبح من الضروري أن تتحرك الأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية والجهات الدولية المعنية لتوثيق الانتهاكات والتحقق من أعداد المهجرين وأوضاعهم ومتابعة ضمانات العودة وتوفير المأوى والمساعدات العاجلة للعائلات التي وجدت نفسها بلا سقف يحميها.

الاهم ان التوقيت السياسي لهذه الإجراءات يستحق التوقف عنده دون القفز إلى استنتاجات غير مثبتة حيث إن تصاعد الخطاب المتشدد في إسرائيل والتنافس الانتخابي قد يشجعان بعض القوى على إظهار المزيد من الحزم العسكري والاستيطاني وإذا استمر إخلاء السكان وهدم منشآتهم وتعطلت عودتهم فإن الخليل ستواجه خطراً يتجاوز حدود العملية العسكرية إلى احتمال إعادة رسم مناطق النفوذ والسيطرة في الضفة الغربية وهنا لا يجوز الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة بل يجب الضغط لوقف الهدم والإخلاء وضمان العودة الفورية والآمنة للمدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ومنع تحويل الأزمة الإنسانية إلى أداة لفرض وقائع استيطانية جديدة.

ختاما : الخليل اليوم أمام مفترق بالغ الخطورة لأن التهجير لا يبدأ دائماً بقرار معلن عن الطرد الدائم بل قد يبدأ بإخلاء يوصف بالمؤقت ثم يتسع بالهدم وإغلاق الطرق وتعطيل الاقتصاد وحرمان السكان من شروط العودة ومن هنا فإن حماية الخليل لا تعني فقط إنقاذ العائلات التي أخرجت من منازلها بل حماية حق الفلسطينيين في مدينتهم وأرضهم وحرية حركتهم ومصادر رزقهم ورفض أي محاولة لتغيير التركيبة السكانية بالقوة القاهرة والمطلوب تحرك فلسطيني موحد ودعم عربي ودولي عملي يضمن عودة المهجرين ويحمي الممتلكات ويوقف التوسع الاستيطاني ويوفر للعائلات المأوى والمساعدة العاجلة لان المعركة في الخليل لا تتوقف على عدد من البيوت أو الشوارع وحدها بل على حق شعب في البقاء فوق أرضه وعلى مستقبل الضفة الغربية بين جغرافيا فلسطينية متصلة ومجال يجري تفتيته بالتهجير والاستيطان وأي صمت على ما يحدث اليوم قد يجعل العودة غداً أكثر صعوبة ويمنح القوة العسكرية فرصة للتحول إلى أداة لتغيير الواقع على الأرض .

كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات