بعد القبض على منفذي جريمة كنيسة حمود .. هل تنتهي معركة الإرهاب عند إسقاط الجناة ؟
لم تكن جريمة كنيسة حمود في محافظة الكرك حادثة اجرامية دامية تنتهي فصولها بإلقاء القبض على منفذيها بعدما كشفت عن تحد يتجاوز المطاردة الأمنية إلى السؤال عن الكيفية التي يمكن بها حماية المجتمع من عودة الإرهاب في صورة جديدة خاصة وانه حين يسقط تسعة مواطنين قتلى خلال اعتداء مسلح وقع أثناء جنازة داخل كنيسة فإن الخسارة لا تقاس بعدد الضحايا وحده بل بما تمثله الجريمة من انتهاك لحرمة الحياة والعبادة ومحاولة لزرع الخوف في مجتمع اعتاد أبناؤه أن يتقاسموا الأفراح والأحزان دون أن تتحول عقائدهم إلى حواجز تفصل بينهم .
لقد صنعت الأجهزة الأمنية الأردنية انجازا بالغ الأهمية حين تمكنت فجر الاثنين السادس والعشرين من تشرين الأول الجاري من الوصول إلى منفذي الاعتداء والقبض عليهم بعد اشتباك مسلح في أحد المنازل المهجورة في قرية حمود بالكرك وضبط أسلحة وعتاد في المكان دون وقوع إصابات في صفوف القوة الأمنية وهذا النجاح يستحق التقدير لما يعكسه من يقظة ومتابعة وإصرار على ملاحقة من يستبيحون دماء المواطنين لكن قيمة هذا الإنجاز الأمني الكبير لا ينبغي أن تختزل في نهاية المطاردة لأن القبض على الجناة أوقف حقيقة قدرتهم على مواصلة الاعتداء بينما تبقى مسؤولية الدولة والمجتمع قائمة في مواجهة الأسباب التي قد تهيئ الظروف الفكرية والعملية لظهور جريمة أخرى لا قدر الله .
هنا تبدأ المسألة التي تستحق التحليل بعيدا عن تكرار البيانات والتصريحات الرسمية وهي ان الملاحقة الأمنية تتعامل مع فعل وقع على الارض بينما تتطلب الوقاية النظر إلى ما يسبق الجريمة من مؤشرات ودلالات ومسارات وأفكار دون افتراض أن كل جريمة تقف وراءها بالضرورة شبكة منظمة أو جهة خارجية او حتى ذئاب منفردة والسؤال الجوهري ليس مجرد معرفة من ضغط على الزناد فهذه مسؤولية التحقيق الامني والقضائي بل في فهم الكيفية التي تشكلت بها دوافع هذا القتل البشع وما إذا كانت الوقائع ستكشف عن تحريض أو مساعدة أو تخطيط يتجاوز المنفذين أنفسهم لان كل معلومة تثبتها التحقيقات قد تكون ذات قيمة يستفاد منها في منع تكرار المأساة والجريمة بعيدا عن الاستنتاجات المتسرعة التي لن تقدم للأردن أمنا إضافيا.
لعل أخطر ما يمكن أن يحدث بعد جريمة وبهذا الحجم هو أن يتعامل المجتمع معها بوصفها واقعة انتهت بانتهاء العملية الأمنية ثم يعود إلى حياته الاعتيادية دون استخلاص الدروس والعبر اللازمة خصوصا وان الإرهاب لا يصبح خطرا عند لحظة إطلاق النار فقط بل حين تتكون لدى مرتكبيه قناعة بأن الاختلاف الديني أو الفكري يبرر ظلم وإلغاء إنسانية الآخر وأن العنف الدموي افضل وسيلة مقبولة لفرض التصورات المنحرفة على المجتمع ومن هنا فإن مواجهة التطرف لا تعني توجيه اتهامات عامة إلى كافة الشباب أو جميع المؤسسات أو تحميل فئة اجتماعية محددة مسؤولية جريمة قام بها احد افرادها ولم تثبت صلتها بها بل لابد من البحث العلمي والمسؤول في العوامل التي تغذي الكراهية والتشدد وفي السبل التي تمنع انتقال الأفكار المتعصبة إلى سلوك إجرامي مبرر .
وفق هذه الرؤية الاستباقية تصبح مراجعة منظومة الأمن الوقاية ضرورة وطنية لا انتقاصا من كفاءة الأجهزة الأمنية ولا تشكيكا في تضحيات رجالها فنجاح عملية القبض على الجناة أثبتت أهمية العمل الأمني المتواصل لكنها لا تلغي الحاجة العاجلة إلى متابعة تقييم ما يمكن تطويره في رصد المخاطر والتعامل مع المؤشرات الجدية والشكوك العملية وتبادل المعلومات وتعزيز حماية التجمعات المدنية ودور العبادة وفق تقدير المخاطر الفعلية والدروس التي تكشفها التحقيقات من هذه الجريمة النكراء لان الدولة قوية والواثقة من مؤسساتها الوطنية لا تخشى المراجعة المهنية بل تجعلها أداة لتطوير الأداء وسد مواقع التقصير والثغرات المحتملة دون أن تتحول الاحتمالات إلى اتهامات أو تنسب إلى المؤسسات تقصيرا لم يثبت عليها .
جريمة كنيسة حمود البشعة تحمل بعدا وطنيا لا يقل خطورة عن بعدها الأمني لأنها استهدفت مكانا للعبادة يرتبط بحق أصيل لكل مواطن في ممارسة شعائره بحرية وأمان سيما وان اخواننا المسيحيون الأردنيون ليسوا ضيوفا على وطنهم ولا مكونا طارئا على تاريخه بل هم شركاء أصيلون في بناء الدولة ومؤسساتها وفي مسيرة العمل والتضحية والانتماء كما أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في الأردن خاصة لم تكن يوما شعارا يستدعى عند الأزمات بل هي ارشيف كامل رصيد تاريخي واجتماعي يجب أن تصونه الدولة والمجتمع بالفعل والممارسة لان الاعتداء على كنيسة ليس قضية طائفة بعينها بل هو مساس خطير بأمن الأردن وكرامة مواطنيه جميعا.
ان من أهم النتائج التي ينبغي منعها هي انتقال أثر الجريمة من الضحايا المباشرين إلى علاقات الناس وثقتهم المتبادلة فالمجرمون يتحملون مسؤولية أفعالهم ولا يجوز أن تتحول جريمتهم إلى ذريعة للريبة من جماعة كاملة أو عشيرة أو أسرة كما لا يجوز أن يصبح الحزن والغضب على ما جرى مدخلا إلى خطاب يزرع الكراهية و الشقاق أو يثير النعرات لان الوحدة الوطنية الصادقة لا تحميها العبارات وحدها بل يحميها العدل الذي لا يميز بين المواطنين والوعي الذي يرفض التعميم والمواطنة التي تجعل أمن المسجد والكنيسة والبيت والشارع مسؤولية مشتركة لا تقبل التجزئة او المساومة .
مع هذا الانجاز الامني العظيم وبشرى الفجر الساطع لابد ان تتوزع مسؤولية التصدي والمواجهة على الجميع دون أن تتزاحم أدوار المؤسسات والافراد حيث تلاحق الأجهزة الأمنية الجريمة وتمنع امتداد خطرها والقضاء بدوره يحدد المسؤوليات وفق الأدلة والقانون بينما تتحمل الأسرة والمدرسة والجامعة والمنابر الدينية والإعلام مسؤولية بناء وعي يرفض الكراهية ويحمي الاختلاف من التحول إلى عداوة حيث لا يمكن لهذه الأدوار أن تؤتي ثمارها عبر حملات مؤقتة أو خطابات انفعالية متسرعة بل تحتاج إلى عمل مستمر يعزز الثقة بالمؤسسات ويمنع استغلال الدين لتبرير العنف ويمنح الشباب قدرة على التمييز بين التدين القائم على الأخلاق والوسطية وقبول الاخر وبين التعصب الاعمى الذي يتخذ من الدين ستارا لإهدار دماء الأبرياء دون وجه حق .
في المقابل إن استكمال التحقيقات ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون يظلان ضرورة لا تقبل المساومة الا ان العدالة لا تكتمل بمجرد إغلاق ملف أمني أو صدور أحكام قضائية قطعية بل تكتسب معناها الوطني الأوسع حين تقترن باستخلاص الدروس وتحسين الوقاية وحماية حقوق المواطنين ومنع تكرار الجريمة كما أن احترام الإجراءات القانونية لا يعني التهاون مع الإرهاب وإنما يعني أن على الدولة مواجهة الجريمة بقوة القانون لا بمنطق الانتقام لتثبت أنها تحمي الضحايا والمجتمع دون أن تسمح للشائعات أو الاتهامات غير المثبتة بتوسيع دائرة الاساءة او الضرر.
بعد هذه الجريمة المروعة وما خلفته من مصاب جلل لا يحتاج الأردن إلى تكرار التأكيد على رفض الإرهاب بكل حيثياته وتفاصيله بقدر ما يحتاج إلى تحويل هذا الرفض إلى سياسة وقائية مستمرة وإرادة وطنية متماسكة ومراجعة مسؤولة لكل ما يمكن أن يحمي حياة المواطنين ويصون أمنهم لان القبض على الجناة يعتبر إنجاز مهم يضعهم في مواجهة العدالة لكنه لا يمثل نهاية المعركة مع الإرهاب العابر للحدود والخلايا النائمة في حضن الوطن لأن الانتصار الأعمق يتحقق حين تضيق المساحات التي تنمو فيها الكراهية ويصبح المجتمع أكثر قدرة على اكتشاف الخطر ومواجهته وحين يدرك كل أردني أن اختلاف الدين لا ينتقص من المواطنة وأن استهداف أي مكون من مكونات الوطن هو اعتداء على الجميع .
ختاما : إن القبض على الجناة المجرمون يطوي صفحة المطاردة لكنه لا يطوي صفحة المسؤولية الوطنية لأن المعركة الحقيقية لا تنتهي حين تصل يد الأمن إلى مرتكبي الجريمة بل حين تتحول العدالة إلى رادع لا يفلت منه مجرم وتتحول الوقاية إلى حصن يحمي المجتمع من تكرار المأساة ويصبح اقتلاع جذور الكراهية والعنف مسؤولية وطنية لا تقبل التأجيل لان الأردن لن يسمح باستباحة حياة أبنائه وان تتحول دماؤهم إلى جسر تعبر عليه الفتنة أو أن تصبح دور عبادته ومكونات مجتمعه أهدافا للخوف والترهيب والانقسام وسيبقى قويا بمؤسساته الأمنية وعدالته القانونية ووعي شعبه وتلاحم مسلميه ومسيحييه تحت رايته الهاشمية المظفرة وان إسقاط الجناة ضرورة لكن الانتصار الحقيقي هو في إسقاط الفكر الذي يبرر جرائمهم وإغلاق الطريق أمام عودة الإرهاب وصون الوطن الغالي الذي لا يتجزأ أمنه ولا تتجزأ وحدته وكرامة أبنائه .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com
لم تكن جريمة كنيسة حمود في محافظة الكرك حادثة اجرامية دامية تنتهي فصولها بإلقاء القبض على منفذيها بعدما كشفت عن تحد يتجاوز المطاردة الأمنية إلى السؤال عن الكيفية التي يمكن بها حماية المجتمع من عودة الإرهاب في صورة جديدة خاصة وانه حين يسقط تسعة مواطنين قتلى خلال اعتداء مسلح وقع أثناء جنازة داخل كنيسة فإن الخسارة لا تقاس بعدد الضحايا وحده بل بما تمثله الجريمة من انتهاك لحرمة الحياة والعبادة ومحاولة لزرع الخوف في مجتمع اعتاد أبناؤه أن يتقاسموا الأفراح والأحزان دون أن تتحول عقائدهم إلى حواجز تفصل بينهم .
لقد صنعت الأجهزة الأمنية الأردنية انجازا بالغ الأهمية حين تمكنت فجر الاثنين السادس والعشرين من تشرين الأول الجاري من الوصول إلى منفذي الاعتداء والقبض عليهم بعد اشتباك مسلح في أحد المنازل المهجورة في قرية حمود بالكرك وضبط أسلحة وعتاد في المكان دون وقوع إصابات في صفوف القوة الأمنية وهذا النجاح يستحق التقدير لما يعكسه من يقظة ومتابعة وإصرار على ملاحقة من يستبيحون دماء المواطنين لكن قيمة هذا الإنجاز الأمني الكبير لا ينبغي أن تختزل في نهاية المطاردة لأن القبض على الجناة أوقف حقيقة قدرتهم على مواصلة الاعتداء بينما تبقى مسؤولية الدولة والمجتمع قائمة في مواجهة الأسباب التي قد تهيئ الظروف الفكرية والعملية لظهور جريمة أخرى لا قدر الله .
هنا تبدأ المسألة التي تستحق التحليل بعيدا عن تكرار البيانات والتصريحات الرسمية وهي ان الملاحقة الأمنية تتعامل مع فعل وقع على الارض بينما تتطلب الوقاية النظر إلى ما يسبق الجريمة من مؤشرات ودلالات ومسارات وأفكار دون افتراض أن كل جريمة تقف وراءها بالضرورة شبكة منظمة أو جهة خارجية او حتى ذئاب منفردة والسؤال الجوهري ليس مجرد معرفة من ضغط على الزناد فهذه مسؤولية التحقيق الامني والقضائي بل في فهم الكيفية التي تشكلت بها دوافع هذا القتل البشع وما إذا كانت الوقائع ستكشف عن تحريض أو مساعدة أو تخطيط يتجاوز المنفذين أنفسهم لان كل معلومة تثبتها التحقيقات قد تكون ذات قيمة يستفاد منها في منع تكرار المأساة والجريمة بعيدا عن الاستنتاجات المتسرعة التي لن تقدم للأردن أمنا إضافيا.
لعل أخطر ما يمكن أن يحدث بعد جريمة وبهذا الحجم هو أن يتعامل المجتمع معها بوصفها واقعة انتهت بانتهاء العملية الأمنية ثم يعود إلى حياته الاعتيادية دون استخلاص الدروس والعبر اللازمة خصوصا وان الإرهاب لا يصبح خطرا عند لحظة إطلاق النار فقط بل حين تتكون لدى مرتكبيه قناعة بأن الاختلاف الديني أو الفكري يبرر ظلم وإلغاء إنسانية الآخر وأن العنف الدموي افضل وسيلة مقبولة لفرض التصورات المنحرفة على المجتمع ومن هنا فإن مواجهة التطرف لا تعني توجيه اتهامات عامة إلى كافة الشباب أو جميع المؤسسات أو تحميل فئة اجتماعية محددة مسؤولية جريمة قام بها احد افرادها ولم تثبت صلتها بها بل لابد من البحث العلمي والمسؤول في العوامل التي تغذي الكراهية والتشدد وفي السبل التي تمنع انتقال الأفكار المتعصبة إلى سلوك إجرامي مبرر .
وفق هذه الرؤية الاستباقية تصبح مراجعة منظومة الأمن الوقاية ضرورة وطنية لا انتقاصا من كفاءة الأجهزة الأمنية ولا تشكيكا في تضحيات رجالها فنجاح عملية القبض على الجناة أثبتت أهمية العمل الأمني المتواصل لكنها لا تلغي الحاجة العاجلة إلى متابعة تقييم ما يمكن تطويره في رصد المخاطر والتعامل مع المؤشرات الجدية والشكوك العملية وتبادل المعلومات وتعزيز حماية التجمعات المدنية ودور العبادة وفق تقدير المخاطر الفعلية والدروس التي تكشفها التحقيقات من هذه الجريمة النكراء لان الدولة قوية والواثقة من مؤسساتها الوطنية لا تخشى المراجعة المهنية بل تجعلها أداة لتطوير الأداء وسد مواقع التقصير والثغرات المحتملة دون أن تتحول الاحتمالات إلى اتهامات أو تنسب إلى المؤسسات تقصيرا لم يثبت عليها .
جريمة كنيسة حمود البشعة تحمل بعدا وطنيا لا يقل خطورة عن بعدها الأمني لأنها استهدفت مكانا للعبادة يرتبط بحق أصيل لكل مواطن في ممارسة شعائره بحرية وأمان سيما وان اخواننا المسيحيون الأردنيون ليسوا ضيوفا على وطنهم ولا مكونا طارئا على تاريخه بل هم شركاء أصيلون في بناء الدولة ومؤسساتها وفي مسيرة العمل والتضحية والانتماء كما أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في الأردن خاصة لم تكن يوما شعارا يستدعى عند الأزمات بل هي ارشيف كامل رصيد تاريخي واجتماعي يجب أن تصونه الدولة والمجتمع بالفعل والممارسة لان الاعتداء على كنيسة ليس قضية طائفة بعينها بل هو مساس خطير بأمن الأردن وكرامة مواطنيه جميعا.
ان من أهم النتائج التي ينبغي منعها هي انتقال أثر الجريمة من الضحايا المباشرين إلى علاقات الناس وثقتهم المتبادلة فالمجرمون يتحملون مسؤولية أفعالهم ولا يجوز أن تتحول جريمتهم إلى ذريعة للريبة من جماعة كاملة أو عشيرة أو أسرة كما لا يجوز أن يصبح الحزن والغضب على ما جرى مدخلا إلى خطاب يزرع الكراهية و الشقاق أو يثير النعرات لان الوحدة الوطنية الصادقة لا تحميها العبارات وحدها بل يحميها العدل الذي لا يميز بين المواطنين والوعي الذي يرفض التعميم والمواطنة التي تجعل أمن المسجد والكنيسة والبيت والشارع مسؤولية مشتركة لا تقبل التجزئة او المساومة .
مع هذا الانجاز الامني العظيم وبشرى الفجر الساطع لابد ان تتوزع مسؤولية التصدي والمواجهة على الجميع دون أن تتزاحم أدوار المؤسسات والافراد حيث تلاحق الأجهزة الأمنية الجريمة وتمنع امتداد خطرها والقضاء بدوره يحدد المسؤوليات وفق الأدلة والقانون بينما تتحمل الأسرة والمدرسة والجامعة والمنابر الدينية والإعلام مسؤولية بناء وعي يرفض الكراهية ويحمي الاختلاف من التحول إلى عداوة حيث لا يمكن لهذه الأدوار أن تؤتي ثمارها عبر حملات مؤقتة أو خطابات انفعالية متسرعة بل تحتاج إلى عمل مستمر يعزز الثقة بالمؤسسات ويمنع استغلال الدين لتبرير العنف ويمنح الشباب قدرة على التمييز بين التدين القائم على الأخلاق والوسطية وقبول الاخر وبين التعصب الاعمى الذي يتخذ من الدين ستارا لإهدار دماء الأبرياء دون وجه حق .
في المقابل إن استكمال التحقيقات ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون يظلان ضرورة لا تقبل المساومة الا ان العدالة لا تكتمل بمجرد إغلاق ملف أمني أو صدور أحكام قضائية قطعية بل تكتسب معناها الوطني الأوسع حين تقترن باستخلاص الدروس وتحسين الوقاية وحماية حقوق المواطنين ومنع تكرار الجريمة كما أن احترام الإجراءات القانونية لا يعني التهاون مع الإرهاب وإنما يعني أن على الدولة مواجهة الجريمة بقوة القانون لا بمنطق الانتقام لتثبت أنها تحمي الضحايا والمجتمع دون أن تسمح للشائعات أو الاتهامات غير المثبتة بتوسيع دائرة الاساءة او الضرر.
بعد هذه الجريمة المروعة وما خلفته من مصاب جلل لا يحتاج الأردن إلى تكرار التأكيد على رفض الإرهاب بكل حيثياته وتفاصيله بقدر ما يحتاج إلى تحويل هذا الرفض إلى سياسة وقائية مستمرة وإرادة وطنية متماسكة ومراجعة مسؤولة لكل ما يمكن أن يحمي حياة المواطنين ويصون أمنهم لان القبض على الجناة يعتبر إنجاز مهم يضعهم في مواجهة العدالة لكنه لا يمثل نهاية المعركة مع الإرهاب العابر للحدود والخلايا النائمة في حضن الوطن لأن الانتصار الأعمق يتحقق حين تضيق المساحات التي تنمو فيها الكراهية ويصبح المجتمع أكثر قدرة على اكتشاف الخطر ومواجهته وحين يدرك كل أردني أن اختلاف الدين لا ينتقص من المواطنة وأن استهداف أي مكون من مكونات الوطن هو اعتداء على الجميع .
ختاما : إن القبض على الجناة المجرمون يطوي صفحة المطاردة لكنه لا يطوي صفحة المسؤولية الوطنية لأن المعركة الحقيقية لا تنتهي حين تصل يد الأمن إلى مرتكبي الجريمة بل حين تتحول العدالة إلى رادع لا يفلت منه مجرم وتتحول الوقاية إلى حصن يحمي المجتمع من تكرار المأساة ويصبح اقتلاع جذور الكراهية والعنف مسؤولية وطنية لا تقبل التأجيل لان الأردن لن يسمح باستباحة حياة أبنائه وان تتحول دماؤهم إلى جسر تعبر عليه الفتنة أو أن تصبح دور عبادته ومكونات مجتمعه أهدافا للخوف والترهيب والانقسام وسيبقى قويا بمؤسساته الأمنية وعدالته القانونية ووعي شعبه وتلاحم مسلميه ومسيحييه تحت رايته الهاشمية المظفرة وان إسقاط الجناة ضرورة لكن الانتصار الحقيقي هو في إسقاط الفكر الذي يبرر جرائمهم وإغلاق الطريق أمام عودة الإرهاب وصون الوطن الغالي الذي لا يتجزأ أمنه ولا تتجزأ وحدته وكرامة أبنائه .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com
تعليقات القراء
أكتب تعليقا
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. - يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |


الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...