بعد تلويح ترامب بالعودة للحرب .. هل تنقل إيران الصراع خارج منطقة الشرق الأوسط ؟
لم تعد التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران محصورة في حدود الضربات الصاروخية والمنشآت النووية وممرات الطاقة في الخليج فقط ومع تجدد الحديث عن احتمال استئناف الحرب اصبحت تتسع دائرة الاحتمالات الإيرانية لتشمل مصالح أمريكية خارج منطقة الشرق الأوسط وبنى تحتية استراتيجية ترتبط بالاتصالات والاقتصاد الرقمي والطاقة في رسالة واضحة مفادها أن أي مواجهة جديدة لن تكون بالضرورة حربا محصورة في الجغرافيا الإيرانية أو الإقليم الذي اعتاد دفع أثمان الصراعات الكبرى بل قد تمتد تداعياتها إلى مناطق بعيدة ومصالح دولية لا تبدو اليوم جزءا مباشرا من ميدان المواجهة .
المشهد العسكري بين ايران وامريكا بدأ يدخل مرحلة جديدة من التصعيد الاستراتيجي عقب تسعة اشهر من العمليات القتالية التي انطلقت في فبراير الفائت حيث كشفت شبكة سي إن إن الأمريكية في تقرير استقصائي الحديث عن تكثيف القادة العسكريين في طهران لتصريحاتهم التي تؤكد الجاهزية التامة لمواجهة طويلة الأمد بالاعتماد على مخزونات استراتيجية ضخمة من الأسلحة والتقنيات العسكرية المتطورة حيث يأتي التلويح الإيراني بنقل رقعة الصراع الجغرافي خارج حدود منطقة الشرق الأوسط في دلالات بالغة الخطورة تعكس رغبة واضحة في توسيع نطاق التكاليف والخسائر اللوجستية التي قد تتحملها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الدوليون في حال تجددت الحرب الشاملة وسط حالة من الغموض السياسي التي تحيط بالخطوات القادمة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب .
التهديدات والسيناريوهات المحتملة التي تعلنها دوائر القرار العسكري في الحرس الثوري الإيراني تشمل إمكانية قطع كابلات الإنترنت البحرية الحيوية واستهداف مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي العالمية بالإضافة إلى ضرب منشآت النفط والغاز الإقليمية في المنطقة وفي ذات الوقت ترى بعض الدوائر الأمنية أن هذا التحول في العقيدة القتالية لطهران يعبر عن التوجه نحو تبني خيارات هجومية واستباقية تفوق بروتوكولات الرد التقليدية المعتادة عبر تفعيل أهداف ونقاط جديدة تماماً لم تتعرض للقصف أو الهجوم من قبل حيث ترجم المتحدث باسم الحرس الثوري العميد حسين محبي هذا التوجه بالتحذير الصارم من أن أي استهداف للبنية التحتية للطاقة في بلاده سيقابل برد فعل جذري يحول الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى أرض محروقة للأبد ويدفع بالمستوطنين الإسرائيليين نحو عمق صحراء سيناء في إشارة ميدانية واضحة لأبعاد الانفجار الإقليمي الشامل .
القادة العسكريون المتخصصون في طهران وفي مقدمتهم الخبير والمسؤول العسكري علي رضا شيخ قلل من جدية التلويحات المسربة من واشنطن بشأن وضع خطط عملياتية جديدة تدرس استخدام قنبلة جي بي يو ثلاثة وأربعين الشهيرة باسم أم القنابل وهي أضخم سلاح تقليدي وتدميري غير نووي في الترسانة الأمريكية لقصف المنشآت النووية ومحطات التخصيب الإيرانية وقد اعتبر الجانب الإيراني هذه التهديدات بانها مجرد أدوات بروبانغندا ودعاية موجة لترهيب شعوب المنطقة وتهكم بالقول إن الجبهة الداخلية الإيرانية هي بمثابة المظلة الكبرى والقوة القادرة على استيعاب الصدمات وتجاوز الأضرار الهيكلية كما تؤكد قيادة الحرس الثوري أن القدرات الفنية والتقنية للخبراء الشباب تتيح إصلاحاً فورياً وبناءً عاجلاً لأي منشأة طاقة قد تتعرض للضرر بينما لن يملك الطرف الآخر القدرة على ترميم بنيته الدفاعية المنهارة أمام ضربات الردع المضادة .
على الجانب الآخر أكد مستشار القائد العام للحرس الثوري الإيراني الجنرال محمد رضا نقدي بحسب ما نقلته وكالة تسنيم أن الحسابات والتقديرات الأمريكية تجاه قدرات الشعب الإيراني كانت خاطئة منذ البداية وأن الإيرانيين سيواجهون أي اعتداء جديد بكافة الموارد والترسانات العسكرية المتاحة لديهم لإحباط الأهداف النهائية لواشنطن كما أوضح نقدي أن الطرف المقابل لم يعد يمتلك سوى القدرة على إطلاق الصواريخ البعيدة وتنفيذ عمليات القصف الجوي العشوائي بينما نجح مجاهدو الإسلام في توجيه ردود ساحقة ومؤثرة بمراحل متقدمة شلت القدرات الهجومية للعدو الذي بات يدرك تماماً حجم التكلفة البشرية والمالية المترتبة على أي جولة قتالية قادمة في المياه والبحار الإقليمية.
ما يجب ادراكه ان استهداف قواعد عسكرية أمريكية في أوروبا إذا انتقلت المواجهة إلى هذه المرحلة سيضع الدول المضيفة أمام خيارات أمنية وسياسية شديدة التعقيد وقد يحول أراضيها إلى جزء مباشر من الحرب أما المساس بكابلات الإنترنت البحرية ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي فسيحمل مخاطر تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية لأن هذه البنى ليست مجرد أصول أمريكية بل هي مكونات اساسية في شبكة عالمية تخدم دولا وشركات ومجتمعات متعددة وقد تنعكس الأضرار التي تلحق بها على اقتصادات لم تشارك في الحرب ولا تملك قرار إشعالها أو إيقافها.
من هنا تبرز مفارقة الردع الإيراني فكلما وسعت طهران دائرة الأهداف التي تهدد باستهدافها ارتفعت الكلفة المحتملة لأي هجوم عليها لكن اتساع التهديدات قد يؤدي في الوقت نفسه إلى توسيع دائرة الخصوم ودفع دول كانت تفضل البقاء خارج المواجهة إلى الانخراط فيها دفاعا عن قواعدها ومصالحها وبنيتها التحتية وبذلك قد تتحول الورقة التي يراد استخدامها لمنع الحرب إلى عامل يرفع احتمالات اتساعها إذا أسيء تقدير ردود الفعل أو تجاوزت الضربات حدود التوقعات المحسوبة .
لهذا يرى الباحث البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى فرزين نديمي أن احتمالية توسيع رقعة المواجهة الجغرافية ونقل العمليات العسكرية لعمق القارة الأوروبية يمثل خياراً استراتيجياً مؤجلاً لدى القيادة الإيرانية لن يتم إقحامه إلا في حال وصول الصراع إلى مستويات عليا وفائقة الخطورة من التصعيد المباشر وقد بينت العديد من التحليلات المختصة أن طهران قادرة في المراحل المتقدمة من الحرب على استهداف وفصل مواقع حيوية تضم قوات ومنشآت أمريكية وفي مقدمتها القواعد الجوية العسكرية في إنجلترا بالإضافة لقاعدة رامشتاين اللوجستية العملاقة في ألمانيا والتي تصنف كأكبر قاعدة عسكرية وإمدادية للولايات المتحدة خارج أراضيها الوطنية وبما يضع المصالح الغربية برمتها تحت المقصلة الدفاعية للمحور.
اللافت ان هذه المخاوف الأمنية ترتبط عمليا بالخطوة الاستباقية التي اتخذتها القوات الأمريكية في أكتوبر الحالي عندما قررت إعادة قاذفاتها الاستراتيجية بعيدة المدى المتمركزة في المملكة المتحدة إلى قواعدها الداخلية في أمريكا عقب رصد تهديد أمني مجهول لم يُكشف عن تفاصيله الرسمية حيث سبقت هذا الانسحاب الجوي عمليات اعتقال واسعة نفذتها السلطات البريطانية بحق عدد من الأشخاص على خلفية الاشتباه بوجود مخطط تقوده خلايا تابعة لطهران لاستهداف القواعد الجوية الحاضنة للقاذفات الأمريكية وهذا الارتباك اللوجستي يعكس حجم الذعر الاستخباراتي الذي يعيشه البنتاغون أمام قدرة طهران على تحريك أوراقها الأمنية وشبكاتها الخارجية لضرب العمق اللوجستي للحلفاء رداً على سياسات الخنق والحصار المالي المفروض عليها .
بالتحليل التقني الهجومي للمنظومات العسكرية نجد ان التقديرات تتجه نحو إمكانية لجوء إيران لاستخدام عدة أسراب منسقة وأكثر تطوراً من الطائرات المسيّرة المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي والمزودة بكاميرات رقمية متقدمة وروابط سريعة لنقل البيانات الفورية وتعديل مسارات الطيران بشكل ذاتي لتفادي أنظمة التشويش والبطاريات الصاروخية للدفاعات الجوية الغربية وفي ذات الوقت تعمل المراكز العلمية في طهران بالتوازي مع ذلك على تطوير صواريخ كروز أسرع من الصوت ومحاولة التشويش الإلكتروني الشامل على أقمار الاتصالات والمراقبة العسكرية التابعة للولايات المتحدة لإفقاد جنرالات واشنطن القدرة على الرصد الجغرافي والإنذار المبكر وتعطيل خطط الهجوم والدفاع المشتركة في مياه الخليج وبباب المندب .
الاصعب امريكيا ان الحرب التي قادتها واشنطن وتل أبيب على طهران دخلت في الاشهر الاخيرة الماضية حالة جمود استراتيجي وعقم ميداني نتيجة غياب التوافق داخل البيت الأبيض حول الأهداف النهائية والخطوة الأمريكية المقبلة خاصة مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر القادم حيث تعيش الدوائر السياسية الاستشارية في واشنطن حالة من الارتباك والشكوك المتبادلة بعدما عقد مستشارو الأمن عدة اجتماعات مغلقة لبحث سيناريوهات التعامل مع طهران وسط تصريحات من ترامب تفيد بعدم اتخاذ خطوات عسكرية جديدة قبل نهاية الاقتراع من دون أن يثق المسؤولون في إدارة الدفاع بقطعية هذا الموقف أو إمكانية تبدله بقرار أحادي مفاجئ لإنقاذ المكتسبات الانتخابية للحزب الجمهوري.
المؤكد للمراقبين أن حسابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا تنفصل عن الكلفة الاقتصادية والسياسية لأي تصعيد واسع ولا عن تداعياته على أسواق الطاقة والملاحة والتجارة الدولية فضلا عن المخاطر التي قد تتعرض لها القوات الأمريكية وحلفاؤها لكن كل هذه الاعتبارات لا تضمن عمليا تجنب الحرب وقد تدفع الرغبة في فرض تنازلات سريعة أو استعادة الردع إلى خيارات عسكرية يعتقد أصحابها أنها محدودة قبل أن يتبين أن الطرف المقابل يملك وسائل لتوسيع نطاق المواجهة وإطالة أمدها بصورة اكبر .
أما فيما يتعلق بإسرائيل التي تضع إضعاف القدرات الإيرانية في صلب حساباتها الأمنية فقد تجد في الضربات الواسعة فرصة لتحقيق أهداف عسكرية محددة لكنها ستكون بدورها معرضة لردود صاروخية عنيفة وأضرار جسيمة في البنية التحتية في حين أن توسيع الحرب إلى أهداف خارج المنطقة سيجعل تداعياتها أكثر تعقيدا بالنسبة إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية المعنية بأمن قواعدها ومصالحها ولا يعني ذلك أن جميع هذه السيناريوهات مرجحة أو متساوية الاحتمال بل إن خطورتها تكمن في تفاعلها المتبادل عندما تتجاوز المواجهة حدودها الأولية .
على الجانب الاخر يبدو إن الرهان الإيراني على توسيع جغرافيا الردع قد يرفع كلفة الحرب فعلا ويمنح الدبلوماسية فرصة إضافية لكنه لا يشكل ضمانة للنجاة من التصعيد مثلما أن الرهان الأمريكي على الضربات المكثفة لا يضمن ايضا إخضاع إيران أو إنهاء قدرتها على الرد وبين الرهانين تبقى المنطقة أمام معادلة شديدة الخطورة حيث يمكن لكل طرف أن يعتقد بأنه قادر على رفع سقف الضغط على خصمه بينما على ارض الواقع تضيّق مساحة التسوية ويزيد احتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
ربما السؤال الملح اليوم لم يعد فقط ما إذا كانت إيران ستنقل الحرب خارج الشرق الأوسط بل ما إذا كان الطرفان قادرين على إبقاء التهديدات ضمن حدود الردع من دون تحويلها إلى حرب تتجاوز إرادة مطلقيها لأنه حين تصبح القواعد العسكرية وشبكات الاتصال وممرات الطاقة والبنية التحتية الرقمية جزءا من بنك الأهداف المحتمل عندها لا تعود الحرب شأنا إقليميا يمكن احتواؤه بسهولة بل تصبح معركة مخاطرة دولية قد يدفع ثمنها العالم كله فيما يكتشف أصحاب القرار متأخرين بأن توسيع ساحة المعركة كان أسهل بكثير من التحكم في نهايتها وهنا تتمدد الكارثة بشمولية تطال الجميع .
الخلاصة : ان جملة الحقائق السياسية والميدانية للمنظومة الدولية ولصناع القرار في واشنطن وتل أبيب تؤكد أن تلويح إيران بنقل الصراع خارج الشرق الأوسط لا يمثل مجرد مناورة لفظية بل هو تحول بنيوي في العقيدة القتالية يستند إلى مقومات فنية وربط شرطي يحمل واشنطن التبعات الكاملة لأي مغامرة عسكرية غير محسوبة النتائج ضد منشآت الطاقة الوطنية وأن الغطرسة الامريكية باستخدام أم القنابل أو التهديد بالإبادة العسكرية لن تثني القيادة الايرانية عن حماية حدودها ومضائقها ومنشاتها النووية بكرامة وأنفة كما انها لن تقبل المساومة والرضوخ للشروط الامريكية المجحفة وأن أوهام السيطرة واحلام الاستعمار ستندثر كلياً وتتهاوى أمام إرادة قوات الحرس الثوري والجيش والشعب الايراني الصلبة والراسخة .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com
لم تعد التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران محصورة في حدود الضربات الصاروخية والمنشآت النووية وممرات الطاقة في الخليج فقط ومع تجدد الحديث عن احتمال استئناف الحرب اصبحت تتسع دائرة الاحتمالات الإيرانية لتشمل مصالح أمريكية خارج منطقة الشرق الأوسط وبنى تحتية استراتيجية ترتبط بالاتصالات والاقتصاد الرقمي والطاقة في رسالة واضحة مفادها أن أي مواجهة جديدة لن تكون بالضرورة حربا محصورة في الجغرافيا الإيرانية أو الإقليم الذي اعتاد دفع أثمان الصراعات الكبرى بل قد تمتد تداعياتها إلى مناطق بعيدة ومصالح دولية لا تبدو اليوم جزءا مباشرا من ميدان المواجهة .
المشهد العسكري بين ايران وامريكا بدأ يدخل مرحلة جديدة من التصعيد الاستراتيجي عقب تسعة اشهر من العمليات القتالية التي انطلقت في فبراير الفائت حيث كشفت شبكة سي إن إن الأمريكية في تقرير استقصائي الحديث عن تكثيف القادة العسكريين في طهران لتصريحاتهم التي تؤكد الجاهزية التامة لمواجهة طويلة الأمد بالاعتماد على مخزونات استراتيجية ضخمة من الأسلحة والتقنيات العسكرية المتطورة حيث يأتي التلويح الإيراني بنقل رقعة الصراع الجغرافي خارج حدود منطقة الشرق الأوسط في دلالات بالغة الخطورة تعكس رغبة واضحة في توسيع نطاق التكاليف والخسائر اللوجستية التي قد تتحملها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الدوليون في حال تجددت الحرب الشاملة وسط حالة من الغموض السياسي التي تحيط بالخطوات القادمة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب .
التهديدات والسيناريوهات المحتملة التي تعلنها دوائر القرار العسكري في الحرس الثوري الإيراني تشمل إمكانية قطع كابلات الإنترنت البحرية الحيوية واستهداف مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي العالمية بالإضافة إلى ضرب منشآت النفط والغاز الإقليمية في المنطقة وفي ذات الوقت ترى بعض الدوائر الأمنية أن هذا التحول في العقيدة القتالية لطهران يعبر عن التوجه نحو تبني خيارات هجومية واستباقية تفوق بروتوكولات الرد التقليدية المعتادة عبر تفعيل أهداف ونقاط جديدة تماماً لم تتعرض للقصف أو الهجوم من قبل حيث ترجم المتحدث باسم الحرس الثوري العميد حسين محبي هذا التوجه بالتحذير الصارم من أن أي استهداف للبنية التحتية للطاقة في بلاده سيقابل برد فعل جذري يحول الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى أرض محروقة للأبد ويدفع بالمستوطنين الإسرائيليين نحو عمق صحراء سيناء في إشارة ميدانية واضحة لأبعاد الانفجار الإقليمي الشامل .
القادة العسكريون المتخصصون في طهران وفي مقدمتهم الخبير والمسؤول العسكري علي رضا شيخ قلل من جدية التلويحات المسربة من واشنطن بشأن وضع خطط عملياتية جديدة تدرس استخدام قنبلة جي بي يو ثلاثة وأربعين الشهيرة باسم أم القنابل وهي أضخم سلاح تقليدي وتدميري غير نووي في الترسانة الأمريكية لقصف المنشآت النووية ومحطات التخصيب الإيرانية وقد اعتبر الجانب الإيراني هذه التهديدات بانها مجرد أدوات بروبانغندا ودعاية موجة لترهيب شعوب المنطقة وتهكم بالقول إن الجبهة الداخلية الإيرانية هي بمثابة المظلة الكبرى والقوة القادرة على استيعاب الصدمات وتجاوز الأضرار الهيكلية كما تؤكد قيادة الحرس الثوري أن القدرات الفنية والتقنية للخبراء الشباب تتيح إصلاحاً فورياً وبناءً عاجلاً لأي منشأة طاقة قد تتعرض للضرر بينما لن يملك الطرف الآخر القدرة على ترميم بنيته الدفاعية المنهارة أمام ضربات الردع المضادة .
على الجانب الآخر أكد مستشار القائد العام للحرس الثوري الإيراني الجنرال محمد رضا نقدي بحسب ما نقلته وكالة تسنيم أن الحسابات والتقديرات الأمريكية تجاه قدرات الشعب الإيراني كانت خاطئة منذ البداية وأن الإيرانيين سيواجهون أي اعتداء جديد بكافة الموارد والترسانات العسكرية المتاحة لديهم لإحباط الأهداف النهائية لواشنطن كما أوضح نقدي أن الطرف المقابل لم يعد يمتلك سوى القدرة على إطلاق الصواريخ البعيدة وتنفيذ عمليات القصف الجوي العشوائي بينما نجح مجاهدو الإسلام في توجيه ردود ساحقة ومؤثرة بمراحل متقدمة شلت القدرات الهجومية للعدو الذي بات يدرك تماماً حجم التكلفة البشرية والمالية المترتبة على أي جولة قتالية قادمة في المياه والبحار الإقليمية.
ما يجب ادراكه ان استهداف قواعد عسكرية أمريكية في أوروبا إذا انتقلت المواجهة إلى هذه المرحلة سيضع الدول المضيفة أمام خيارات أمنية وسياسية شديدة التعقيد وقد يحول أراضيها إلى جزء مباشر من الحرب أما المساس بكابلات الإنترنت البحرية ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي فسيحمل مخاطر تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية لأن هذه البنى ليست مجرد أصول أمريكية بل هي مكونات اساسية في شبكة عالمية تخدم دولا وشركات ومجتمعات متعددة وقد تنعكس الأضرار التي تلحق بها على اقتصادات لم تشارك في الحرب ولا تملك قرار إشعالها أو إيقافها.
من هنا تبرز مفارقة الردع الإيراني فكلما وسعت طهران دائرة الأهداف التي تهدد باستهدافها ارتفعت الكلفة المحتملة لأي هجوم عليها لكن اتساع التهديدات قد يؤدي في الوقت نفسه إلى توسيع دائرة الخصوم ودفع دول كانت تفضل البقاء خارج المواجهة إلى الانخراط فيها دفاعا عن قواعدها ومصالحها وبنيتها التحتية وبذلك قد تتحول الورقة التي يراد استخدامها لمنع الحرب إلى عامل يرفع احتمالات اتساعها إذا أسيء تقدير ردود الفعل أو تجاوزت الضربات حدود التوقعات المحسوبة .
لهذا يرى الباحث البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى فرزين نديمي أن احتمالية توسيع رقعة المواجهة الجغرافية ونقل العمليات العسكرية لعمق القارة الأوروبية يمثل خياراً استراتيجياً مؤجلاً لدى القيادة الإيرانية لن يتم إقحامه إلا في حال وصول الصراع إلى مستويات عليا وفائقة الخطورة من التصعيد المباشر وقد بينت العديد من التحليلات المختصة أن طهران قادرة في المراحل المتقدمة من الحرب على استهداف وفصل مواقع حيوية تضم قوات ومنشآت أمريكية وفي مقدمتها القواعد الجوية العسكرية في إنجلترا بالإضافة لقاعدة رامشتاين اللوجستية العملاقة في ألمانيا والتي تصنف كأكبر قاعدة عسكرية وإمدادية للولايات المتحدة خارج أراضيها الوطنية وبما يضع المصالح الغربية برمتها تحت المقصلة الدفاعية للمحور.
اللافت ان هذه المخاوف الأمنية ترتبط عمليا بالخطوة الاستباقية التي اتخذتها القوات الأمريكية في أكتوبر الحالي عندما قررت إعادة قاذفاتها الاستراتيجية بعيدة المدى المتمركزة في المملكة المتحدة إلى قواعدها الداخلية في أمريكا عقب رصد تهديد أمني مجهول لم يُكشف عن تفاصيله الرسمية حيث سبقت هذا الانسحاب الجوي عمليات اعتقال واسعة نفذتها السلطات البريطانية بحق عدد من الأشخاص على خلفية الاشتباه بوجود مخطط تقوده خلايا تابعة لطهران لاستهداف القواعد الجوية الحاضنة للقاذفات الأمريكية وهذا الارتباك اللوجستي يعكس حجم الذعر الاستخباراتي الذي يعيشه البنتاغون أمام قدرة طهران على تحريك أوراقها الأمنية وشبكاتها الخارجية لضرب العمق اللوجستي للحلفاء رداً على سياسات الخنق والحصار المالي المفروض عليها .
بالتحليل التقني الهجومي للمنظومات العسكرية نجد ان التقديرات تتجه نحو إمكانية لجوء إيران لاستخدام عدة أسراب منسقة وأكثر تطوراً من الطائرات المسيّرة المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي والمزودة بكاميرات رقمية متقدمة وروابط سريعة لنقل البيانات الفورية وتعديل مسارات الطيران بشكل ذاتي لتفادي أنظمة التشويش والبطاريات الصاروخية للدفاعات الجوية الغربية وفي ذات الوقت تعمل المراكز العلمية في طهران بالتوازي مع ذلك على تطوير صواريخ كروز أسرع من الصوت ومحاولة التشويش الإلكتروني الشامل على أقمار الاتصالات والمراقبة العسكرية التابعة للولايات المتحدة لإفقاد جنرالات واشنطن القدرة على الرصد الجغرافي والإنذار المبكر وتعطيل خطط الهجوم والدفاع المشتركة في مياه الخليج وبباب المندب .
الاصعب امريكيا ان الحرب التي قادتها واشنطن وتل أبيب على طهران دخلت في الاشهر الاخيرة الماضية حالة جمود استراتيجي وعقم ميداني نتيجة غياب التوافق داخل البيت الأبيض حول الأهداف النهائية والخطوة الأمريكية المقبلة خاصة مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر القادم حيث تعيش الدوائر السياسية الاستشارية في واشنطن حالة من الارتباك والشكوك المتبادلة بعدما عقد مستشارو الأمن عدة اجتماعات مغلقة لبحث سيناريوهات التعامل مع طهران وسط تصريحات من ترامب تفيد بعدم اتخاذ خطوات عسكرية جديدة قبل نهاية الاقتراع من دون أن يثق المسؤولون في إدارة الدفاع بقطعية هذا الموقف أو إمكانية تبدله بقرار أحادي مفاجئ لإنقاذ المكتسبات الانتخابية للحزب الجمهوري.
المؤكد للمراقبين أن حسابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا تنفصل عن الكلفة الاقتصادية والسياسية لأي تصعيد واسع ولا عن تداعياته على أسواق الطاقة والملاحة والتجارة الدولية فضلا عن المخاطر التي قد تتعرض لها القوات الأمريكية وحلفاؤها لكن كل هذه الاعتبارات لا تضمن عمليا تجنب الحرب وقد تدفع الرغبة في فرض تنازلات سريعة أو استعادة الردع إلى خيارات عسكرية يعتقد أصحابها أنها محدودة قبل أن يتبين أن الطرف المقابل يملك وسائل لتوسيع نطاق المواجهة وإطالة أمدها بصورة اكبر .
أما فيما يتعلق بإسرائيل التي تضع إضعاف القدرات الإيرانية في صلب حساباتها الأمنية فقد تجد في الضربات الواسعة فرصة لتحقيق أهداف عسكرية محددة لكنها ستكون بدورها معرضة لردود صاروخية عنيفة وأضرار جسيمة في البنية التحتية في حين أن توسيع الحرب إلى أهداف خارج المنطقة سيجعل تداعياتها أكثر تعقيدا بالنسبة إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية المعنية بأمن قواعدها ومصالحها ولا يعني ذلك أن جميع هذه السيناريوهات مرجحة أو متساوية الاحتمال بل إن خطورتها تكمن في تفاعلها المتبادل عندما تتجاوز المواجهة حدودها الأولية .
على الجانب الاخر يبدو إن الرهان الإيراني على توسيع جغرافيا الردع قد يرفع كلفة الحرب فعلا ويمنح الدبلوماسية فرصة إضافية لكنه لا يشكل ضمانة للنجاة من التصعيد مثلما أن الرهان الأمريكي على الضربات المكثفة لا يضمن ايضا إخضاع إيران أو إنهاء قدرتها على الرد وبين الرهانين تبقى المنطقة أمام معادلة شديدة الخطورة حيث يمكن لكل طرف أن يعتقد بأنه قادر على رفع سقف الضغط على خصمه بينما على ارض الواقع تضيّق مساحة التسوية ويزيد احتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
ربما السؤال الملح اليوم لم يعد فقط ما إذا كانت إيران ستنقل الحرب خارج الشرق الأوسط بل ما إذا كان الطرفان قادرين على إبقاء التهديدات ضمن حدود الردع من دون تحويلها إلى حرب تتجاوز إرادة مطلقيها لأنه حين تصبح القواعد العسكرية وشبكات الاتصال وممرات الطاقة والبنية التحتية الرقمية جزءا من بنك الأهداف المحتمل عندها لا تعود الحرب شأنا إقليميا يمكن احتواؤه بسهولة بل تصبح معركة مخاطرة دولية قد يدفع ثمنها العالم كله فيما يكتشف أصحاب القرار متأخرين بأن توسيع ساحة المعركة كان أسهل بكثير من التحكم في نهايتها وهنا تتمدد الكارثة بشمولية تطال الجميع .
الخلاصة : ان جملة الحقائق السياسية والميدانية للمنظومة الدولية ولصناع القرار في واشنطن وتل أبيب تؤكد أن تلويح إيران بنقل الصراع خارج الشرق الأوسط لا يمثل مجرد مناورة لفظية بل هو تحول بنيوي في العقيدة القتالية يستند إلى مقومات فنية وربط شرطي يحمل واشنطن التبعات الكاملة لأي مغامرة عسكرية غير محسوبة النتائج ضد منشآت الطاقة الوطنية وأن الغطرسة الامريكية باستخدام أم القنابل أو التهديد بالإبادة العسكرية لن تثني القيادة الايرانية عن حماية حدودها ومضائقها ومنشاتها النووية بكرامة وأنفة كما انها لن تقبل المساومة والرضوخ للشروط الامريكية المجحفة وأن أوهام السيطرة واحلام الاستعمار ستندثر كلياً وتتهاوى أمام إرادة قوات الحرس الثوري والجيش والشعب الايراني الصلبة والراسخة .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com
تعليقات القراء
أكتب تعليقا
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. - يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |


الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...