المقترح الإيراني : هل يبتلع ترامب الطعم أم يعيد فتح أبواب المواجهة ؟
في لحظة سياسية مشبعة بالتوتر ومفتوحة على كل الاحتمالات يعود المشهد الأميركي الإيراني إلى نقطة مفصلية تختبر حدود القوة وتكتيك البراغماتية في آن واحد حيث يتقاطع منطق الحرب مع حسابات التفاوض في معادلة معقدة لا تحكمها النوايا المعلنة بقدر ما تضبطها موازين الربح والخسارة
المقترح الإيراني الأخير لا يأتي بوصفه مبادرة تقليدية لوقف التصعيد بل كخريطة طريق مدروسة تسعى إلى إعادة ترتيب الأولويات عبر تفكيك العقد الكبرى إلى مراحل تبدأ بوقف الحرب وفتح شريان الطاقة العالمي وتنتهي بملف نووي الذي ظل لعقود محور الصراع وجوهره وفي هذا السياق يجد القرار الأميركي نفسه أمام اختبار مزدوج إما القبول بمسار تدريجي قد يبدو عمليا ومغريا على المدى القصير أو الإصرار على صفقة شاملة تعكس رؤية أكثر صرامة لكنها محفوفة بمخاطر الاستنزاف
الملاحظ ان جوهر لمقترح ليس مجرد عرض تهدئة بل محاولة لإعادة تعريف قواعد اللعبة عبر فصل المسارات التفاوضية وهو ما يتناقض جذريا مع العقيدة التفاوضية التي تتبناها واشنطن والتي تقوم على مبدأ الحزمة الواحدة وهذا التباين ليس تفصيلا تقنيا بل يعكس اختلافا عميقا في فهم كل طرف لطبيعة الصراع وأولوياته وطهران تدرك أن إدخال الملف النووي في بداية التفاوض يعني تقديم الورقة الأقوى منذ اللحظة الأولى بينما ترى واشنطن أن تأجيل هذا الملف يفرغ أي اتفاق من مضمونه الاستراتيجي ويحوله إلى مجرد هدنة مؤقتة تمنح خصمها فرصة لإعادة التموضع
يضاف إلى ذلك بعد إقليمي ودولي بالغ التعقيد حيث لا تتحرك الأزمة في فراغ بل ضمن شبكة مصالح متشابكة تتداخل فيها حسابات القوى الكبرى مع مخاوف الدول الإقليمية ففتح الممرات البحرية الحيوية لا يعني فقط استئناف تدفق الطاقة بل إعادة ضبط إيقاع الاقتصاد العالمي الذي تضرر من الاضطراب كما أن القوى الآسيوية والأوروبية التي تعتمد على استقرار الإمدادات تجد نفسها معنية بالضغط نحو تسوية سريعة وفي المقابل تخشى بعض القوى الإقليمية من أن يؤدي أي اتفاق مرحلي إلى تعزيز نفوذ طهران وإعادة تدوير أزماتها بدلا من حلها وهو ما يفسر الحذر من دعم تسوية لا تتناول جذور الصراع بشكل مباشر وهذا التداخل يجعل القرار الأميركي أكثر تعقيدا لأنه لم يعد شأنا ثنائيا بل جزءا من معادلة دولية أوسع تتطلب موازنة دقيقة بين التحالفات والمصالح
كما أن البعد العسكري يفرض نفسه بقوة على طاولة القرار حيث يشير التصعيد في الانتشار العسكري إلى أن خيار القوة لم يغادر الحسابات بل يتموضع كأداة ضغط موازية للدبلوماسية وهذا الحضور المكثف لا يهدف فقط إلى الردع بل إلى تحسين شروط التفاوض وإبقاء الخصم تحت ضغط دائم غير أن هذا النهج ينطوي على مخاطر الانزلاق غير المحسوب في الحرب خاصة في بيئة مشحونة بالتوتر وسريعة الاشتعال وأن استمرار الاستنزاف العسكري يطرح تساؤلات داخل المؤسسات الأميركية حول جدوى إطالة أمد المواجهة دون أفق حاسم وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري حول ما إذا كانت واشنطن تسعى إلى تسوية ممكنة أم إلى إعادة صياغة التوازنات بالقوة
رفض واشنطن المحتمل للمقترح لا يرتبط فقط بمضمونه بل بسياقه السياسي أيضا فالإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب لا تنظر إلى الحرب باعتبارها مجرد أداة ضغط بل كوسيلة لتحقيق نصر واضح يمكن تسويقه داخليا والقبول بخطة تعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة يعني عمليا الإقرار بأن الحملة العسكرية والحصار لم يحققا أهدافهما وهو ما يتعارض مع الخطاب السياسي الذي بني على فكرة الحسم والقوة من هنا يصبح التردد الأميركي مفهوما بل ومتوقعا لأن أي تنازل في هذه المرحلة قد يقرأ كإخفاق استراتيجي لا كمرونة دبلوماسية
امام كل ذلك لا يمكن تجاهل الضغوط التي تدفع نحو التعاطي مع الطرح الإيراني بجدية لان استمرار إغلاق الممرات الحيوية وارتفاع أسعار الطاقة يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبارات قاسية كما أن كلفة الحضور العسكري المتصاعد في المنطقة تفرض أعباء متزايدة على واشنطن هذه المعادلة تخلق تناقضا داخليا بين الرغبة في تحقيق مكاسب سياسية حاسمة وبين الحاجة إلى احتواء تداعيات الصراع قبل أن يتحول إلى عبء مفتوح زمنيا وماليا
من جانب طهران المقترح يعكس إدراكا عميقا لحجم التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها فهي تسعى جاهدة إلى كسر طوق الحصار واستعادة الحد الأدنى من التدفق الاقتصادي دون الدخول في مواجهة مباشرة حول برنامجها النووي في هذه المرحلة الحساسة كما أن هذا الطرح يمنحها فرصة لإعادة ترتيب بيتها الداخلي وتخفيف الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي قد تتحول إلى عامل عدم استقرار إذا استمر النزيف الحالي
السيناريوهات المحتملة لما بعد هذا المقترح تتراوح بين ثلاثة مسارات رئيسية أولها استمرار حالة الجمود مع تصعيد محسوب يبقي الباب مفتوحا أمام التفاوض دون الوصول إلى اختراق حقيقي وثانيها التوصل إلى اتفاق مرحلي محدود يعيد فتح الممرات الحيوية ويؤجل القضايا الخلافية الكبرى وثالثها الانزلاق نحو مواجهة أوسع في حال قررت واشنطن أن كلفة التراجع أعلى من كلفة التصعيد هذا السيناريو الأخير يظل الأقل رغبة لكنه الأكثر حضورا في ظل التراكم العسكري والتصريحات المتناقضة التي تبقي خيار الحرب قائما كأداة ضغط دائمة
ختاما : لا يبدو عمليا أن القرار الأميركي سيتحدد فقط بناء على بنود المقترح الإيراني بل وفق حسابات أوسع تتعلق بصورة القوة ومكانة الردع وموازين السياسة الداخلية المقترح في حد ذاته يفتح نافذة للحل لكنه في الوقت ذاته يكشف عمق الهوة بين رؤيتين متعارضتين لإدارة الصراع وبين هاتين الرؤيتين يبقى الاحتمال الأكثر ترجيحا هو استمرار لعبة الحافة حيث لا حرب شاملة ولا سلام كامل بل مساحة رمادية تتقاطع فيها الضغوط مع الفرص وتصاغ فيها التسويات على إيقاع القوة لا على حسن النوايا
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com
المقترح الإيراني الأخير لا يأتي بوصفه مبادرة تقليدية لوقف التصعيد بل كخريطة طريق مدروسة تسعى إلى إعادة ترتيب الأولويات عبر تفكيك العقد الكبرى إلى مراحل تبدأ بوقف الحرب وفتح شريان الطاقة العالمي وتنتهي بملف نووي الذي ظل لعقود محور الصراع وجوهره وفي هذا السياق يجد القرار الأميركي نفسه أمام اختبار مزدوج إما القبول بمسار تدريجي قد يبدو عمليا ومغريا على المدى القصير أو الإصرار على صفقة شاملة تعكس رؤية أكثر صرامة لكنها محفوفة بمخاطر الاستنزاف
الملاحظ ان جوهر لمقترح ليس مجرد عرض تهدئة بل محاولة لإعادة تعريف قواعد اللعبة عبر فصل المسارات التفاوضية وهو ما يتناقض جذريا مع العقيدة التفاوضية التي تتبناها واشنطن والتي تقوم على مبدأ الحزمة الواحدة وهذا التباين ليس تفصيلا تقنيا بل يعكس اختلافا عميقا في فهم كل طرف لطبيعة الصراع وأولوياته وطهران تدرك أن إدخال الملف النووي في بداية التفاوض يعني تقديم الورقة الأقوى منذ اللحظة الأولى بينما ترى واشنطن أن تأجيل هذا الملف يفرغ أي اتفاق من مضمونه الاستراتيجي ويحوله إلى مجرد هدنة مؤقتة تمنح خصمها فرصة لإعادة التموضع
يضاف إلى ذلك بعد إقليمي ودولي بالغ التعقيد حيث لا تتحرك الأزمة في فراغ بل ضمن شبكة مصالح متشابكة تتداخل فيها حسابات القوى الكبرى مع مخاوف الدول الإقليمية ففتح الممرات البحرية الحيوية لا يعني فقط استئناف تدفق الطاقة بل إعادة ضبط إيقاع الاقتصاد العالمي الذي تضرر من الاضطراب كما أن القوى الآسيوية والأوروبية التي تعتمد على استقرار الإمدادات تجد نفسها معنية بالضغط نحو تسوية سريعة وفي المقابل تخشى بعض القوى الإقليمية من أن يؤدي أي اتفاق مرحلي إلى تعزيز نفوذ طهران وإعادة تدوير أزماتها بدلا من حلها وهو ما يفسر الحذر من دعم تسوية لا تتناول جذور الصراع بشكل مباشر وهذا التداخل يجعل القرار الأميركي أكثر تعقيدا لأنه لم يعد شأنا ثنائيا بل جزءا من معادلة دولية أوسع تتطلب موازنة دقيقة بين التحالفات والمصالح
كما أن البعد العسكري يفرض نفسه بقوة على طاولة القرار حيث يشير التصعيد في الانتشار العسكري إلى أن خيار القوة لم يغادر الحسابات بل يتموضع كأداة ضغط موازية للدبلوماسية وهذا الحضور المكثف لا يهدف فقط إلى الردع بل إلى تحسين شروط التفاوض وإبقاء الخصم تحت ضغط دائم غير أن هذا النهج ينطوي على مخاطر الانزلاق غير المحسوب في الحرب خاصة في بيئة مشحونة بالتوتر وسريعة الاشتعال وأن استمرار الاستنزاف العسكري يطرح تساؤلات داخل المؤسسات الأميركية حول جدوى إطالة أمد المواجهة دون أفق حاسم وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري حول ما إذا كانت واشنطن تسعى إلى تسوية ممكنة أم إلى إعادة صياغة التوازنات بالقوة
رفض واشنطن المحتمل للمقترح لا يرتبط فقط بمضمونه بل بسياقه السياسي أيضا فالإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب لا تنظر إلى الحرب باعتبارها مجرد أداة ضغط بل كوسيلة لتحقيق نصر واضح يمكن تسويقه داخليا والقبول بخطة تعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة يعني عمليا الإقرار بأن الحملة العسكرية والحصار لم يحققا أهدافهما وهو ما يتعارض مع الخطاب السياسي الذي بني على فكرة الحسم والقوة من هنا يصبح التردد الأميركي مفهوما بل ومتوقعا لأن أي تنازل في هذه المرحلة قد يقرأ كإخفاق استراتيجي لا كمرونة دبلوماسية
امام كل ذلك لا يمكن تجاهل الضغوط التي تدفع نحو التعاطي مع الطرح الإيراني بجدية لان استمرار إغلاق الممرات الحيوية وارتفاع أسعار الطاقة يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبارات قاسية كما أن كلفة الحضور العسكري المتصاعد في المنطقة تفرض أعباء متزايدة على واشنطن هذه المعادلة تخلق تناقضا داخليا بين الرغبة في تحقيق مكاسب سياسية حاسمة وبين الحاجة إلى احتواء تداعيات الصراع قبل أن يتحول إلى عبء مفتوح زمنيا وماليا
من جانب طهران المقترح يعكس إدراكا عميقا لحجم التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها فهي تسعى جاهدة إلى كسر طوق الحصار واستعادة الحد الأدنى من التدفق الاقتصادي دون الدخول في مواجهة مباشرة حول برنامجها النووي في هذه المرحلة الحساسة كما أن هذا الطرح يمنحها فرصة لإعادة ترتيب بيتها الداخلي وتخفيف الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي قد تتحول إلى عامل عدم استقرار إذا استمر النزيف الحالي
السيناريوهات المحتملة لما بعد هذا المقترح تتراوح بين ثلاثة مسارات رئيسية أولها استمرار حالة الجمود مع تصعيد محسوب يبقي الباب مفتوحا أمام التفاوض دون الوصول إلى اختراق حقيقي وثانيها التوصل إلى اتفاق مرحلي محدود يعيد فتح الممرات الحيوية ويؤجل القضايا الخلافية الكبرى وثالثها الانزلاق نحو مواجهة أوسع في حال قررت واشنطن أن كلفة التراجع أعلى من كلفة التصعيد هذا السيناريو الأخير يظل الأقل رغبة لكنه الأكثر حضورا في ظل التراكم العسكري والتصريحات المتناقضة التي تبقي خيار الحرب قائما كأداة ضغط دائمة
ختاما : لا يبدو عمليا أن القرار الأميركي سيتحدد فقط بناء على بنود المقترح الإيراني بل وفق حسابات أوسع تتعلق بصورة القوة ومكانة الردع وموازين السياسة الداخلية المقترح في حد ذاته يفتح نافذة للحل لكنه في الوقت ذاته يكشف عمق الهوة بين رؤيتين متعارضتين لإدارة الصراع وبين هاتين الرؤيتين يبقى الاحتمال الأكثر ترجيحا هو استمرار لعبة الحافة حيث لا حرب شاملة ولا سلام كامل بل مساحة رمادية تتقاطع فيها الضغوط مع الفرص وتصاغ فيها التسويات على إيقاع القوة لا على حسن النوايا
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
أكتب تعليقا
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. - يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |


الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...