الغارديان: هل تتحول انتخابات التجديد النصفي إلى فيضان ديمقراطي؟


جراسا -

تساءل ديفيد سميث، مراسل صحيفة “الغارديان” في واشنطن، عما إذا كانت انتخابات التجديد النصفي، المقررة الثلاثاء، ستشهد موجة زرقاء أم فيضانا من اللون الأزرق، الذي يرمز إلى الحزب الديمقراطي.

وأشار إلى التصريحات التي يطلقها الرئيس دونالد ترامب بحق منافسيه الديمقراطيين، والتي غالبا ما تخرج عن حدود اللياقة، ومن بينها اتهامه المرشح الديمقراطي المسلم عن ولاية ميشيغان، عبد الرحمن السيد، بالإرهاب من دون أي أساس. كما تفاخر ترامب بتجديداته للبيت الأبيض، وسخر قائلا إن مؤيديه أنفسهم لا يستطيعون شراء شطيرة همبرغر في ناديه “مارالاغو”. وتحدث، بين الحين والآخر، عن غلاء المعيشة وغيره من هموم الناخبين اليومية.

وعقد ترامب عشرات التجمعات الانتخابية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي. ولا يزال الرئيس، البالغ من العمر 80 عاما، مقتنعا بأنه قادر على دحض شكوك المشككين مرة أخرى، ومساعدة الجمهوريين على الاحتفاظ بالسيطرة على الكونغرس.
إلا أن خمس كلمات نطق بها خلال مؤتمر للحزب الجمهوري هذا الصيف في دالاس قد تحسم مصير حزبه: “تخيلوا أنني مرشح الحزب”. وقد كانت هذه الكلمات بمثابة موسيقى لآذان الديمقراطيين، وأسهمت في ضمان تحوّل انتخابات التجديد النصفي إلى استفتاء وطني على الولاية الثانية لترامب في البيت الأبيض.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الحكم سيكون قاسيا، إذ سيحطم الهالة التي أحاطت به، ويعيد تشكيل العامين الأخيرين من رئاسته، ويمهد الطريق أمام معركة شرسة لخلافته.

ونقلت الصحيفة عن مايكل ستيل، الرئيس السابق للجنة الوطنية الجمهورية، قوله: “لقد حوّل دونالد ترامب هذه الانتخابات إلى قضية وطنية، والآن سيخسرون مقاعد بسبب ذلك، إذ جعل نفسه محور الاستفتاء. أراد المرشحون خوض انتخاباتهم الفردية، لكنه قال لهم: ضعوني على ورقة الاقتراع. لديه حس سياسي شخصي، لكنه يفتقر إلى الحس السياسي الحزبي”.

وليس من الجديد أن يخسر حزب الرئيس مقاعد في انتخابات التجديد النصفي. ففي عام 1994، خسر الديمقراطيون بقيادة بيل كلينتون 54 مقعدا في مجلس النواب، وفي عام 2010، خسر الديمقراطيون بقيادة باراك أوباما 63 مقعدا، بينما خسر الجمهوريون بقيادة ترامب 40 مقعدا في عام 2018. ولا توجد مؤشرات على أن ترامب سيتمكن هذه المرة من الوقوف في وجه مسار التاريخ.

ودخل ترامب الانتخابات وهو يحظى بأدنى نسبة تأييد لرئيس أمريكي قبل انتخابات التجديد النصفي منذ هزيمة الديمقراطيين بقيادة هاري ترومان قبل 80 عاما.

وتلقى التحالف الذي أوصل ترامب إلى ما وُصف بأنه أعظم عودة في التاريخ السياسي الحديث عام 2024 ضربات متتالية، بدءا من إخفاقه في الكشف الكامل عن ملفات جيفري إبستين، التي تكشف صلات النخب بمرتكب جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال، مرورا بالتوسع في إنشاء مراكز البيانات داخل المجتمعات الريفية، وصولا إلى الحرب المستمرة منذ ثمانية أشهر في إيران، والتي وعد ترامب بإنهائها خلال أسابيع، فضلا عن الارتفاع المطرد في أسعار الوقود والغذاء.

وزادت شبهات الفساد والاعتقاد بأن ترامب يستغل منصبه لإثراء نفسه وعائلته من حدة الاستياء الناجم عن إخلافه وعوده. فقد قبل طائرة من قطر لاستخدامها طائرة رئاسية، وزيّن المكتب البيضاوي بالذهب، وهدم الجناح الشرقي للبيت الأبيض لإفساح المجال أمام قاعة احتفالات تبلغ تكلفتها 400 مليون دولار، كما يخطط لإقامة قوس نصر في واشنطن.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت ثروته الشخصية بشكل كبير، من 2.3 مليار دولار عام 2024 إلى 6.5 مليار دولار، وفقا لمجلة “فوربس”.

ومع تمتع الجمهوريين بأغلبية ضئيلة في مجلس النواب، بواقع 218 مقعدا مقابل 214، وتقدمهم في مجلس الشيوخ بواقع 53 مقعدا مقابل 47، تشير استطلاعات الرأي إلى تصاعد احتمالات حدوث “موجة زرقاء”.
وأظهر استطلاع حديث أجرته “رويترز/إيبسوس” تقدم الديمقراطيين بفارق 11 نقطة في التصويت العام لانتخابات الكونغرس، بنسبة 47 في المئة مقابل 36 في المئة للجمهوريين، فيما بلغت نسبة تأييد ترامب 32 في المئة.

كما سيختار الناخبون حكاما في 36 ولاية وثلاث مناطق تابعة للولايات المتحدة، وسيحسمون آلاف الانتخابات التشريعية على مستوى الولايات. وقد أدلى عشرات الملايين من الناخبين بأصواتهم مبكرا بالفعل، وسط تراجع الإقبال الجمهوري المعتاد مقارنة بمشاركة الديمقراطيين في الولايات المتأرجحة الحاسمة.

وبلغ الوضع الجمهوري من السوء حدا دفع لجان العمل السياسي المحافظة، المدعومة من الملياردير إيلون ماسك، الذي ضخ 366 مليون دولار لإنقاذ مرشحي الحزب الجمهوري، إلى ضخ أموال طارئة في معاقل الحزب، مثل كانساس وأيوا وتكساس.

ونقلت الصحيفة عن كريس ماثيوز، المعلق السياسي وكاتب الخطابات الرئاسية السابق ومساعد الكونغرس، قوله: “إنه يخسر في مسألة غلاء المعيشة والقدرة على تحمّل التكاليف. ويركز كبار السن ذوو الدخل المحدود على تكلفة المعيشة الشهرية. الأمر يتعلق بالاقتصاد الكلي أكثر بكثير من مجرد شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”. ومهما فعل ترامب لأنصاره، فإن قوة الاقتصاد الكلي أكبر بكثير، وسيصوّت الناس ضده”.

وامتدت التداعيات الاقتصادية للحرب على إيران، التي غالبا ما يقلل ترامب من شأنها ويصفها بأنها “منعطف بسيط”، لتشمل أسواق الطاقة العالمية. وارتفعت أسعار الديزل بشكل حاد، ما أحدث صدمة في قطاعي الزراعة والنقل، من وادي كاليفورنيا الأوسط إلى مزارع الحبوب في ولايتي أيوا وأوهايو.

وتشير إيلين كامارك، الباحثة البارزة في معهد “بروكينغز” والمسؤولة السابقة في البيت الأبيض خلال عهد كلينتون، إلى أن الناخبين يعزون معاناتهم الاقتصادية مباشرة إلى الرئيس.

وتقول: “هناك خط فاصل واضح بين أفعاله والأمور التي لا تروق للناس”. وتضيف: “ستكون الرسوم الجمركية والحرب هما السبب؛ فكلاهما جرح من صنع أيديهم. لم يكن مضطرا إلى رفع الرسوم الجمركية؛ كانت تلك نظريته عن العالم، وقد تبيّن أنها خاطئة. وكان قصف المواقع النووية في إيران أمرا، لكن خوض حرب شاملة كان خطأ، ويربط الناخبون أفعاله بالأمور التي لا تروق لهم”.

وتقول الصحيفة إن هذا الإحباط يغذي حراكا بين المرشحين الديمقراطيين، ولا سيما النساء اللواتي يخضن الانتخابات في دوائر كانت تبدو، في السابق، بعيدة المنال.

وتشير جيسيكا ماكلر، رئيسة منظمة “قائمة إميلي”، التي تدعم 247 مرشحة في هذه الدورة الانتخابية، إلى أن الناخبين يشعرون بأن النظام الاقتصادي مصمم بوضوح ضدهم.

وقالت ماكلر: “يدرك الناخبون أن الفساد المستشري في واشنطن مرتبط ارتباطا مباشرا بعجزهم عن تحقيق التقدم وبصعوبة تدبير أمورهم المعيشية. صحيح أن غلاء المعيشة عامل رئيسي، لكن الناخبين يتوقون إلى قيادة جديدة عاشت معاناتهم وتفهمها”.

ولأشهر، حث الاستراتيجيون الجمهوريون مرشحيهم في السباقات الانتخابية المتقاربة في الضواحي على إبقاء السياسة الوطنية بعيدة عن حملاتهم، والتركيز على الإنجازات المحلية، ربما على أمل أن يركز ترامب بهدوء على مهامه اليومية في واشنطن.

لكن الرئيس فعل العكس، إذ انطلق في جولة مكثفة عبر البلاد، مندّدا بالديمقراطيين وواصفا إياهم بـ”الشيوعيين”، في حين تباهى بقوة الاقتصاد وأمن الحدود والانخفاض التاريخي في جرائم العنف.

غير أن ستيل، المشارك في تقديم برنامج “ذا ويك نايت” على شبكة “إم إس ناو”، جادل بأن الناخبين المحافظين الأساسيين يشعرون بأن الرئيس خان ثقتهم، بعدما وعد بتجنب التورط في الشؤون الخارجية وخفض التكاليف.


وقال: “كذب دونالد ترامب على مؤيديه؛ فقد قال إنه لن يورطنا في حروب خارجية، وها نحن على أعتاب عام من حرب أشعلها هو، والناس يقولون: لا أستطيع حتى تحمّل تكلفة ملء خزان سيارتي بالوقود”.

وفي عام 2024، حقق ترامب مكاسب تاريخية بين الرجال اللاتينيين، ما دفع إلى إطلاق تصريحات احتفالية بشأن تأسيس تحالف دائم متعدد الأعراق من أبناء الطبقة العاملة.

لكن ما إن أدى اليمين الدستورية حتى شن حملة ترحيل عدوانية واسعة النطاق، تضمنت مداهمات مسلحة نفذتها إدارة الهجرة والجمارك في المدن والمراكز الزراعية.

وقال لاري جاكوبس، مؤسس مركز دراسات السياسة والحكم في جامعة مينيسوتا ومديره: “أطلق دونالد ترامب استراتيجيته الراديكالية للترحيل، وقد أدت هذه الاستراتيجية إلى نفور شريحة الناخبين الأسرع نموا بشكل كبير”.

وأضاف: “قبل عام، اعتقد الجمهوريون أنهم أسسوا تحالفا جديدا من اللاتينيين يضمن لهم خمسة مقاعد جديدة في تكساس وحدها، لكنهم قد يخسرونها جميعا”.

ويُعد العامل الاقتصادي محركا رئيسيا لهذا التحول، لكن معارضة سياسات ترامب المتعلقة بالترحيل أسهمت أيضا في اتساع الفجوة بين الجمهوريين وشريحة من الناخبين.

ويشير هنري أولسن، الزميل البارز في مركز الأخلاقيات والسياسة العامة في واشنطن، إلى أن التحول في توجهات الناخبين اللاتينيين واضح في استطلاعات الرأي العام وبيانات الولايات.

ويقول: “سواء كان التحول بمقدار 15 نقطة أو 30 نقطة، فهو أمر بالغ الأهمية”. ويضيف: “ما لم تكن جميع الأدلة التي لدينا خاطئة، فإن الناخبين اللاتينيين يشعرون بندم شديد على خياراتهم”.

ويتجلى هذا الوضع بوضوح في تكساس، حيث لم يفز أي ديمقراطي بمنصب على مستوى الولاية منذ عام 1994.

ويخوض جيمس تالاريكو، عضو مجلس النواب البالغ من العمر 37 عاما والمعلم السابق في المدارس الحكومية، الانتخابات داعيا إلى العدالة الاجتماعية، في مواجهة المدعي العام الجمهوري للولاية، كين باكستون، في أحد أغلى السباقات الانتخابية لمجلس الشيوخ في التاريخ.

ويُعد باكستون حليفا قويا لترامب، لكنه يواجه سنوات من مزاعم الفساد والفضائح الشخصية والاتهامات المتعلقة بالاحتيال في الأوراق المالية.

وعلى الرغم من إنفاق جهات جمهورية خارجية 300 مليون دولار، بقيادة ماسك، يتقدم تالاريكو بفارق ضئيل في معظم استطلاعات الرأي.

ويرى جاكوبس أن تكساس تمثل مؤشرا حاسما إلى مستقبل الحزب الجمهوري في مرحلة ما بعد ترامب.

ويقول: “إذا خسر باكستون، فسيرسل ذلك إشارة قوية جدا إلى قادة الحزب الجمهوري المستقبليين بشأن كيفية تعاملهم مع الهجرة، وسيثبت أن مهاجمة الشريحة الأسرع نموا من الناخبين انتحار سياسي. وتكساس بمثابة استفتاء مدمر على دونالد ترامب”.

وفي حين يبدو الديمقراطيون الأوفر حظا للفوز بالمقاعد الأربعة الإضافية اللازمة للسيطرة على مجلس النواب، فإن طريقهم إلى السيطرة على مجلس الشيوخ أكثر صعوبة.

ومع ذلك، ونظرا إلى تدني شعبية ترامب والصدمة الاقتصادية الناجمة عن الحرب على إيران، اتسعت ساحة المنافسة على مقاعد مجلس الشيوخ لتشمل ولايات صوتت لترامب بأغلبية ساحقة في انتخابات عام 2024.

ففي ولاية ميشيغان، يتنافس الجمهوري مايك روجرز مع الديمقراطي عبد الرحمن السيد، وهو طبيب يبلغ من العمر 41 عاما ومدير سابق للصحة في ديترويت، يسعى إلى أن يصبح أول عضو مسلم في مجلس الشيوخ الأمريكي.

وقد استهدف الجمهوريون السيد بشدة بسبب تصريحاته السابقة بشأن السياسة الخارجية، فيما ضخت لجان عمل سياسي مؤيدة لإسرائيل ملايين الدولارات في الولاية بهدف هزيمته.

وشنّ ترامب هجمات معادية للإسلام، واصفا السيد بـ”الجهادي”.

وقال أولسن: “يمثل السيد أكبر اختبار للتقدميين؛ فإذا فاز في ولاية صناعية رئيسية مثل ميشيغان، فسيجادل التقدميون بأنهم يمتلكون اليد العليا قبل انتخابات عام 2028”.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات