خريف الغضب .. أوروبا فوق صفيح ساخن
جراسا - يشير مصطلح "خريف الغضب" إلى موجة واسعة من الاحتجاجات التي اجتاحت أوروبا في أكتوبر 2026، واتخذت في بعض الأحيان طابعا عنيفا.
اندلعت هذه الاحتجاجات الكبرى بسبب تفاقم أزمة تكلفة المعيشة، حيث خرج مئات الآلاف من المواطنين إلى الشوارع للتعبير عن إحباطهم إزاء ارتفاع الأسعار، وتراجع كفاءة الخدمات العامة، وتزايد أزمة القدرة على تحمل تكاليف الإسكان.
تعد أزمة تكلفة المعيشة القضية الأكثر إلحاحًا على المستوى العالمي للعام الخامس على التوالي، وفقًا لاستطلاع "FII PRIORITY Compass" الذي شمل 61.200 شخص في 32 دولة. تجلى هذا القلق الأوروبي في موجة احتجاجات واسعة عُرفت إعلاميا بـ"خريف الغضب"، ما يعكس عمق الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الأسر في القارة.
تكمن جذور هذه الاحتجاجات في الضغط الاقتصادي الشديد الواقع على الأسر الأوروبية، والذي تصاعد خلال السنوات الأخيرة. رغم أن مؤشرات الاقتصاد الكلي قد تشير إلى بعض التحسن، إلا أن الجمهور لم يشعر بتحسن ملموس في مستوى معيشته، ولا يزال ارتفاع الأسعار يثقل كاهله ويقوّض قدرته الشرائية.
ارتفع التضخم السنوي في منطقة اليورو إلى 3.8% في سبتمبر 2026، بعد أن كان 3.2% في أغسطس من العام نفسه. ولا يزال هذا الرقم أعلى بكثير من هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2%، ما يعني أن الضغوط السعرية لم تتراجع بالدرجة التي تسمح بعودة الشعور بالاستقرار المعيشي.
تشير المعطيات إلى أن أسعار الطاقة كانت المحرك الرئيس لهذه الاحتجاجات، إذ ارتفعت بنسبة 18.9% على أساس سنوي. في فرنسا كان الوضع أكثر حدة، حيث ارتفعت أسعار الطاقة بنسبة 21.3%، فيما قفز سعر الديزل وحده بنسبة 44%. ولم تقتصر الأزمة على الطاقة، بل امتدت إلى الغذاء والإسكان، ما جعل تكلفة المعيشة قضية مركزية تجمع بين مطالب متعددة.
من العوامل المهمة في تفاقم الغضب الشعبي انعدام الأمن الغذائي. فبحسب تحليل البنك المركزي الأوروبي، ظلت أسعار المواد الغذائية في منطقة اليورو أعلى بنحو 30% من مستوياتها في نهاية عام 2021، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية بشكل كبير. هكذا، وجدت الأسر نفسها مضطرة إلى تحمل نفقات أعلى للغذاء والطاقة، في وقت لا تنمو فيه الأجور بالوتيرة الكافية لمواكبة هذه الزيادات.
من جهة أخرى، أصبح ارتفاع الإيجارات ونقص المنازل بأسعار معقولة شكوى مركزية في جميع أنحاء أوروبا، وخاصة في إسبانيا والبرتغال. في البرتغال، ارتفعت أسعار المساكن بشكل خاص بنسبة 124% بين عامي 2015 و2024، أي ما يقارب ضعف متوسط الاتحاد الأوروبي. وقد أدى ذلك إلى تفاقم أزمة السكن، ودفع شرائح واسعة من المواطنين إلى المطالبة بتدخل عاجل من الحكومات.
لم تكن هذه الاضطرابات حركة واحدة منسقة، بل سلسلة من الاحتجاجات غير المترابطة إلى حد كبير، والتي تشترك في إحباطات مشتركة، وانتشرت بسرعة من بلد أوروبي إلى آخر. وقد منحت هذه الخاصية غير المركزية الاحتجاجات قدرة على الانتشار الأفقي، إذ انتقلت المطالب من قضية إلى أخرى، ومن فئة إلى أخرى، مع بقاء جوهر الغضب واحدا: تدهور القدرة على تحمل تكاليف الحياة اليومية.
في هذا السياق، كانت فرنسا مركز "الزلزال"، حيث شهدت أكبر احتجاجات لها منذ عقود. ففي 17 أكتوبر، تظاهر ما بين 410.000 و800.000 شخص في جميع أنحاء البلاد، وفقا لتقديرات الحكومة والنقابات على التوالي. بدأت الحركة باحتجاج طلاب المدارس الثانوية على نقص المعلمين وسوء ظروف المدارس، ثم اتسعت لتصبح احتجاجا أوسع ضد التضخم وتراجع الخدمات العامة، وجذبت إليها النقابات والعمال وحملة "السترات الصفراء". وفيما كانت العديد من المسيرات سلمية، اندلعت أعمال شغب في مدن مثل باريس ومرسيليا وليون، ما أدى إلى عمليات نهب واسعة، وحرائق متعمدة استهدفت المباني، واعتقال أكثر من 1400 شخص.
في إيطاليا، اجتاحت الاحتجاجات ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة الإنفاق العسكري العديد من المدن الكبرى، بما في ذلك روما وبولونيا وتورينو. وقد شهدت هذه الاحتجاجات اشتباكات مع الشرطة التي استخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه. كما نظمت النقابات مسيرات طالبت بزيادة الأجور والمعاشات التقاعدية، وبتمويل أفضل للمدارس والرعاية الصحية، وأُعلن عن إضراب عام في 20 نوفمبر.
في إسبانيا، كانت أزمة الإسكان هي الدافع الأساسي للاحتجاجات، حيث نصب المتظاهرون في مدريد الخيام ونظموا أكثر من 50 مظاهرة للمطالبة باتخاذ إجراءات بشأن ارتفاع الإيجارات وعمليات الإخلاء. أما في البرتغال المجاورة، فقد تظاهر عشرات الآلاف في لشبونة وبورتو، وظهرت مخيمات في عدة مناطق احتجاجًا على أزمة الإسكان.
في بلجيكا، بدأ طلاب المدارس الثانوية، على غرار أقرانهم الفرنسيين، الاحتجاج في أوائل أكتوبر على ظروف المدارس وسياسات التقشف. ثم توسعت هذه المظاهرات لاحقًا لتشمل احتجاجات على تكلفة المعيشة، واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه خلال اشتباكات في بروكسل.
اتخذت الحكومات في جميع أنحاء أوروبا إجراءات لاحتواء الاضطرابات، وغالبا ما أدانت العنف مع الاعتراف بشرعية المظالم. في فرنسا، على سبيل المثال، أدان الرئيس إيمانويل ماكرون العنف قائلا: "لا شيء يبرره"، مع اعترافه في الوقت نفسه بـ"القلق العميق" للمواطنين بشأن تكاليف المعيشة. كما تعهد بمحاسبة أولئك الذين نهبوا، وأعلن عن تدابير جديدة لمعالجة المخاوف المتعلقة بالقوة الشرائية.
أما رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني، فقد رسمت خطا أحمر، مؤكدة أن أعمال التخريب، وإضرام النيران في الممتلكات، واستهداف قوات الأمن ليست حقًا، بل ممارسات إجرامية يقوم بها "مخربون" ومثيرو شغب يستغلون الحراك الشعبي لزرع الفوضى واحتجاز المدن كرهائن.
يمكن القول إن "خريف الغضب" قد كشف عن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية العميقة في جميع أنحاء أوروبا. رغم أن الاحتجاجات قد تهدأ في نهاية المطاف، فإن القضايا الأساسية، من تكاليف الطاقة إلى نقص المساكن، لا تزال من دون حل. وقد جرت بالفعل الدعوة إلى مزيد من المظاهرات والاحتجاجات في نوفمبر، ما يعني أن "خريف الغضب" قد يتواصل في أوروبا حتى الشتاء، وربما إلى ما بعد ذلك.
يشير مصطلح "خريف الغضب" إلى موجة واسعة من الاحتجاجات التي اجتاحت أوروبا في أكتوبر 2026، واتخذت في بعض الأحيان طابعا عنيفا.
اندلعت هذه الاحتجاجات الكبرى بسبب تفاقم أزمة تكلفة المعيشة، حيث خرج مئات الآلاف من المواطنين إلى الشوارع للتعبير عن إحباطهم إزاء ارتفاع الأسعار، وتراجع كفاءة الخدمات العامة، وتزايد أزمة القدرة على تحمل تكاليف الإسكان.
تعد أزمة تكلفة المعيشة القضية الأكثر إلحاحًا على المستوى العالمي للعام الخامس على التوالي، وفقًا لاستطلاع "FII PRIORITY Compass" الذي شمل 61.200 شخص في 32 دولة. تجلى هذا القلق الأوروبي في موجة احتجاجات واسعة عُرفت إعلاميا بـ"خريف الغضب"، ما يعكس عمق الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الأسر في القارة.
تكمن جذور هذه الاحتجاجات في الضغط الاقتصادي الشديد الواقع على الأسر الأوروبية، والذي تصاعد خلال السنوات الأخيرة. رغم أن مؤشرات الاقتصاد الكلي قد تشير إلى بعض التحسن، إلا أن الجمهور لم يشعر بتحسن ملموس في مستوى معيشته، ولا يزال ارتفاع الأسعار يثقل كاهله ويقوّض قدرته الشرائية.
ارتفع التضخم السنوي في منطقة اليورو إلى 3.8% في سبتمبر 2026، بعد أن كان 3.2% في أغسطس من العام نفسه. ولا يزال هذا الرقم أعلى بكثير من هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2%، ما يعني أن الضغوط السعرية لم تتراجع بالدرجة التي تسمح بعودة الشعور بالاستقرار المعيشي.
تشير المعطيات إلى أن أسعار الطاقة كانت المحرك الرئيس لهذه الاحتجاجات، إذ ارتفعت بنسبة 18.9% على أساس سنوي. في فرنسا كان الوضع أكثر حدة، حيث ارتفعت أسعار الطاقة بنسبة 21.3%، فيما قفز سعر الديزل وحده بنسبة 44%. ولم تقتصر الأزمة على الطاقة، بل امتدت إلى الغذاء والإسكان، ما جعل تكلفة المعيشة قضية مركزية تجمع بين مطالب متعددة.
من العوامل المهمة في تفاقم الغضب الشعبي انعدام الأمن الغذائي. فبحسب تحليل البنك المركزي الأوروبي، ظلت أسعار المواد الغذائية في منطقة اليورو أعلى بنحو 30% من مستوياتها في نهاية عام 2021، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية بشكل كبير. هكذا، وجدت الأسر نفسها مضطرة إلى تحمل نفقات أعلى للغذاء والطاقة، في وقت لا تنمو فيه الأجور بالوتيرة الكافية لمواكبة هذه الزيادات.
من جهة أخرى، أصبح ارتفاع الإيجارات ونقص المنازل بأسعار معقولة شكوى مركزية في جميع أنحاء أوروبا، وخاصة في إسبانيا والبرتغال. في البرتغال، ارتفعت أسعار المساكن بشكل خاص بنسبة 124% بين عامي 2015 و2024، أي ما يقارب ضعف متوسط الاتحاد الأوروبي. وقد أدى ذلك إلى تفاقم أزمة السكن، ودفع شرائح واسعة من المواطنين إلى المطالبة بتدخل عاجل من الحكومات.
لم تكن هذه الاضطرابات حركة واحدة منسقة، بل سلسلة من الاحتجاجات غير المترابطة إلى حد كبير، والتي تشترك في إحباطات مشتركة، وانتشرت بسرعة من بلد أوروبي إلى آخر. وقد منحت هذه الخاصية غير المركزية الاحتجاجات قدرة على الانتشار الأفقي، إذ انتقلت المطالب من قضية إلى أخرى، ومن فئة إلى أخرى، مع بقاء جوهر الغضب واحدا: تدهور القدرة على تحمل تكاليف الحياة اليومية.
في هذا السياق، كانت فرنسا مركز "الزلزال"، حيث شهدت أكبر احتجاجات لها منذ عقود. ففي 17 أكتوبر، تظاهر ما بين 410.000 و800.000 شخص في جميع أنحاء البلاد، وفقا لتقديرات الحكومة والنقابات على التوالي. بدأت الحركة باحتجاج طلاب المدارس الثانوية على نقص المعلمين وسوء ظروف المدارس، ثم اتسعت لتصبح احتجاجا أوسع ضد التضخم وتراجع الخدمات العامة، وجذبت إليها النقابات والعمال وحملة "السترات الصفراء". وفيما كانت العديد من المسيرات سلمية، اندلعت أعمال شغب في مدن مثل باريس ومرسيليا وليون، ما أدى إلى عمليات نهب واسعة، وحرائق متعمدة استهدفت المباني، واعتقال أكثر من 1400 شخص.
في إيطاليا، اجتاحت الاحتجاجات ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة الإنفاق العسكري العديد من المدن الكبرى، بما في ذلك روما وبولونيا وتورينو. وقد شهدت هذه الاحتجاجات اشتباكات مع الشرطة التي استخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه. كما نظمت النقابات مسيرات طالبت بزيادة الأجور والمعاشات التقاعدية، وبتمويل أفضل للمدارس والرعاية الصحية، وأُعلن عن إضراب عام في 20 نوفمبر.
في إسبانيا، كانت أزمة الإسكان هي الدافع الأساسي للاحتجاجات، حيث نصب المتظاهرون في مدريد الخيام ونظموا أكثر من 50 مظاهرة للمطالبة باتخاذ إجراءات بشأن ارتفاع الإيجارات وعمليات الإخلاء. أما في البرتغال المجاورة، فقد تظاهر عشرات الآلاف في لشبونة وبورتو، وظهرت مخيمات في عدة مناطق احتجاجًا على أزمة الإسكان.
في بلجيكا، بدأ طلاب المدارس الثانوية، على غرار أقرانهم الفرنسيين، الاحتجاج في أوائل أكتوبر على ظروف المدارس وسياسات التقشف. ثم توسعت هذه المظاهرات لاحقًا لتشمل احتجاجات على تكلفة المعيشة، واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه خلال اشتباكات في بروكسل.
اتخذت الحكومات في جميع أنحاء أوروبا إجراءات لاحتواء الاضطرابات، وغالبا ما أدانت العنف مع الاعتراف بشرعية المظالم. في فرنسا، على سبيل المثال، أدان الرئيس إيمانويل ماكرون العنف قائلا: "لا شيء يبرره"، مع اعترافه في الوقت نفسه بـ"القلق العميق" للمواطنين بشأن تكاليف المعيشة. كما تعهد بمحاسبة أولئك الذين نهبوا، وأعلن عن تدابير جديدة لمعالجة المخاوف المتعلقة بالقوة الشرائية.
أما رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني، فقد رسمت خطا أحمر، مؤكدة أن أعمال التخريب، وإضرام النيران في الممتلكات، واستهداف قوات الأمن ليست حقًا، بل ممارسات إجرامية يقوم بها "مخربون" ومثيرو شغب يستغلون الحراك الشعبي لزرع الفوضى واحتجاز المدن كرهائن.
يمكن القول إن "خريف الغضب" قد كشف عن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية العميقة في جميع أنحاء أوروبا. رغم أن الاحتجاجات قد تهدأ في نهاية المطاف، فإن القضايا الأساسية، من تكاليف الطاقة إلى نقص المساكن، لا تزال من دون حل. وقد جرت بالفعل الدعوة إلى مزيد من المظاهرات والاحتجاجات في نوفمبر، ما يعني أن "خريف الغضب" قد يتواصل في أوروبا حتى الشتاء، وربما إلى ما بعد ذلك.
تعليقات القراء
أكتب تعليقا
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. - يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |


الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...