الثقافة المؤسسية .. شيفرة النجاح الصامتة؟
د. علي الدرابكة
- الأمين العام السابق للهيئة المستقلة للانتخاب
- الأمين العام الأسبق لوزارة تطوير القطاع العام
تُعد الثقافة المؤسسية من أهم العوامل التي تحدد نجاح المؤسسات الحكومية لا بل والخاصة ، فهي التي تشكل القيم والمعتقدات والعادات والتقاليد التي تميز المنظمة وطريقة تفكير الموظفين والعاملين ونمط تعاملهم واسلوب اتخاذ القرار ، ومدى تقبلهم للتغيير ونظرتهم الى المسؤولية والمواطن والمصلحة العامة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه : كيف نعرف ان جهود تطوير هذا المكون (الثقافة المؤسسية) قد نجحت ؟ وهل يمكن قياس نتائجها فعلا؟ الاجابة بالتأكيد نعم، ولكن شريطة أن نتعامل مع الثقافة المؤسسية باعتبارها سلوكا وممارسة ونتائج وليس قيم ومبادىء مكتوبة على جدران المؤسسة ،ولا لوحة تعلق على مدخل المؤسسة أو برامج تدريبية وورش عمل وإجتماعات محصورة بالنخب، لا بل ليس مجرد شعارات ترفع ويتم التغني بها.
فالاستبيان مثلا الذي يُسأل الموظف فيه هل تثق بالإدارة ؟ وهل تشعر بالعدالة ؟ وهل تشجع مؤسستك المبادرة والإبتكار ؟ مهم لكنه وسيلة غير كافية لوحدها ،فقد يحصل المدير وفق مقياس ( ليكرت) الثلاثي أو الخماسي على نسبة مرتفعة جدا في مؤشرات الرضا والثقة ، بينما تظل القرارات مركزية ، والمبادرات محدودة والمعاملات تستغرق وقتا طويلا لإنجازها، والموظفون يخشون تحمل المسؤولية او يخشون الإفصاح الحقيقي عما يشعرون به.
هنا تظهر أهمية الإنتقال من قياس ما يقوله الموظفون الى قياس ما يحدث فعلا داخل المؤسسة، فاذا كنا نتحدث عن ثقافة تشجع المبادرة فعلينا أن نسأل ، كم مبادرة قدمها الموظفون في هذه المؤسسة أو تلك؟ وكم منها تحول الى ممارسة فعلية ؟ واذا كنا نتحدث عن ثقافة العمل الجماعي ،فعلينا أن نقيس حجم التعاون بين المديريات والوحدات الإدارية المختلفة ، وعدد المشاريع التي أنجزت بروح الفريق، لا أن نكتفي بسؤال الموظف ان كان يحب العمل الجماعي من عدمه، وإذا كانت الثقافة المؤسسية المرغوبة أو المخطط لها هي التركيز على أو التوجه للمواطن فإن المقياس الحقيقي لا يكون في العبارات الجميلة الممنقة وإنما في نتائج ملموسة ، وهنا تبرز الاسئلة التالية:
هل انخفض زمن تقديم الخدمة ؟
هل قلت عدد الشكاوى؟
هل تراجع حجم الخطأ ؟
هل ارتفعت درجة رضا المواطن او المتعامل مع المؤسسة قياسا بسنة الأساس؟
هل أصبحت الاجراءات اكثر سهولة ووضوح؟
وهل تقدم الخدمة بطريقة حضارية تحترم إنسانية المواطن والمراجع؟
اما اذا كنا نتطلع الى ثقافة قائمة على المساءلة ، فعلينا ان نبحث عن المسؤوليات والصلاحيات وتحديدها بشكل واضح لا تداخل فيه ولا تعارض، وهل أصبحت كذلك، وهل تتم محاسبة المقصر ومكأفاة المجتهد؟ وهل اصبحت النتائج هي اساس التقييم؟ فنحن " لا يهمنا كم يحرك الطائر جناحيه ، بل ما هي المسافة التي قطعها طيرانا".
نعم ، الثقافة المؤسسية لا تقاس بما تقوله المؤسسة وتعلنه عن نفسها، وإنما بما يمارسه الموظفون فيها ويترجمونه سلوكا عندما لا يكون أحد يراقبهم.
نقطة اخرى متعلقة بالقيادة وهذا هو المحور الاساس بالثقافة المؤسسية ، فلا يمكن ان ننتظر من الموظف والمرؤوس المبادرة فيما تعاقبه الإدارة على الخطأ عن مجرد المحاولة ، كيف له أن يبادر وهو يعيش في " فوبيا" الوقوع في الخطأ !!
ولا يمكن أن نطالب الموظف بالشفافية بينما تحتكر الإدارة المعلومة،ولا مكان للحديث عن التمكين وتفويض الصلاحيات بينما تظل القرارات الروتينية بحاجة الى سلسلة من الموافقات والتواقيع.
نعم لا يمكن أن نطالب الموظف بالالتزام والإنضباط اذا كانت الإدارة ذاتها لا تلتزم بذات المعايير.
من الضروي ان تطور المؤسسات الحكومية مؤشرا متعدد الاوجة او قل مركبا للثقافة المؤسسية يقيس على سبيل المثال ( الثقة والعدالة والقيادة والعمل الجماعي والمبادرة والابتكاروالتعلم والتكيف والتركيز / التوجه للمواطن..)
والأهم من الحصول على ارقام ونسب ماذا تغير بسبب جهود تطوير الثقافة المؤسسية؟
اذا ادت هذه الجهود الى مزيد من الثقة والعدالة والشفافية والمساءلة والتعاون والعمل بروح الفريق ، والى مزيد من تفويض الصلاحيات والى سرعة في اتخاذ القرار والى تقليل زمن انجاز المعاملات وارتفعت درجة رضا الموظف والمواطن ومزود الخدمة، واذ ادت الى صناعة بيئة عمل يتمنى الموظفون الانضمام اليها ويتمسكون باستمراية العمل بها وتحول المؤسسة الى بيئة جاذبة ومغناطيس للنجاح، فاننا نكون ازاء ثقافة مؤسسية احدثت اثرا حقيقيا ملموسا .
اما اذا انتهينا فقط الى دورات تدريبية ( انا لا اقلل من جهود التدريب والتوعية ، فهي امور غاية في الأهمية الا انها لا تمثل كامل الحكاية) واستبيانات توزع وصور جماعية ، ثم عادت المؤسسة الى ممارساتها القديمة فاننا لم نطور الثقافة المؤسسية وإنما نفذنا حزمة من الأنشطة والفعاليات تحت عنوان تطوير الثقافة المؤسسية وهنا ينطبق عليها المثل الشعبي " كأنك يا بو زيد ما غزيت" .
وأخيرا يمكن القول ان هذا المكون لاقى إهتماما واضحا في جهود إصلاح القطاع العام بل هو إحد المكونات السبعة لخارطة تطوير القطاع العام ، ولكن هذا لا يمنع ان تؤشر هذه المقالة على بعض المرتكزات والملاحظات التي من شأنها تجويد عملية تطوير هذا المكون ، فهو ليس مشروعا قصير الاجل ينتهي بانتهاء التمويل ، ولا حملة علاقات عامة او برنامج تدريبي ينتهي بانتهاء الورشة، انه تحول تدريجي في طريقة التفكير والعمل والخدمة وإتخاذ القرار والتعامل مع المواطن باعتباره قطب الرحى في العملية الاصلاحية ، وتمكين الموظف وحسن التعامل معه وتقديم المصلحة العامة على الخاصة، واعتماد استراتيجيات تعزيز هذه الثقافة كالبرامج التدريبية والتوعوية والتواصل الفعال والمبادرات التحفيزية ، والنجاح الحقيقي في ذلك يمكن اختصاره في سؤال واحد هل أصبحت المؤسسة بعد جهود تطوير ثقافتها المؤسسية تعمل بطريقة أفضل وتحقق نتائج افضل، هل يشعر المواطن بذلك؟
فاذا كانت الاجابة لا ، فعلينا ان نعيد النظرباستراتيجياتنا و ومقارباتنا ومؤشراتنا التي نقيس بها الثقافة المؤسسية،وان نراجع تحديات تعزيز الثقافة المؤسسية ومناقشتها واختيار الحلول لمعالجتها والحد منها.
ناهيك عن ضرورة تنويع ادوات قياس الثقافة المؤسسية كالاستبيانات واجراء المقابلات ودراسة الحالة والملاحظة التي يقوم بها غالبا ملاحظون او مقيمون خارجيون لضمان حيدتهم، ويجب ادراك حقيقة ان قياس الثقافة المؤسسية يتطلب فهما عميقا لطبيعة المؤسسة واهدافها الاستراتيجية.
والله من وراء القصد
د. علي الدرابكة
- الأمين العام السابق للهيئة المستقلة للانتخاب
- الأمين العام الأسبق لوزارة تطوير القطاع العام
تُعد الثقافة المؤسسية من أهم العوامل التي تحدد نجاح المؤسسات الحكومية لا بل والخاصة ، فهي التي تشكل القيم والمعتقدات والعادات والتقاليد التي تميز المنظمة وطريقة تفكير الموظفين والعاملين ونمط تعاملهم واسلوب اتخاذ القرار ، ومدى تقبلهم للتغيير ونظرتهم الى المسؤولية والمواطن والمصلحة العامة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه : كيف نعرف ان جهود تطوير هذا المكون (الثقافة المؤسسية) قد نجحت ؟ وهل يمكن قياس نتائجها فعلا؟ الاجابة بالتأكيد نعم، ولكن شريطة أن نتعامل مع الثقافة المؤسسية باعتبارها سلوكا وممارسة ونتائج وليس قيم ومبادىء مكتوبة على جدران المؤسسة ،ولا لوحة تعلق على مدخل المؤسسة أو برامج تدريبية وورش عمل وإجتماعات محصورة بالنخب، لا بل ليس مجرد شعارات ترفع ويتم التغني بها.
فالاستبيان مثلا الذي يُسأل الموظف فيه هل تثق بالإدارة ؟ وهل تشعر بالعدالة ؟ وهل تشجع مؤسستك المبادرة والإبتكار ؟ مهم لكنه وسيلة غير كافية لوحدها ،فقد يحصل المدير وفق مقياس ( ليكرت) الثلاثي أو الخماسي على نسبة مرتفعة جدا في مؤشرات الرضا والثقة ، بينما تظل القرارات مركزية ، والمبادرات محدودة والمعاملات تستغرق وقتا طويلا لإنجازها، والموظفون يخشون تحمل المسؤولية او يخشون الإفصاح الحقيقي عما يشعرون به.
هنا تظهر أهمية الإنتقال من قياس ما يقوله الموظفون الى قياس ما يحدث فعلا داخل المؤسسة، فاذا كنا نتحدث عن ثقافة تشجع المبادرة فعلينا أن نسأل ، كم مبادرة قدمها الموظفون في هذه المؤسسة أو تلك؟ وكم منها تحول الى ممارسة فعلية ؟ واذا كنا نتحدث عن ثقافة العمل الجماعي ،فعلينا أن نقيس حجم التعاون بين المديريات والوحدات الإدارية المختلفة ، وعدد المشاريع التي أنجزت بروح الفريق، لا أن نكتفي بسؤال الموظف ان كان يحب العمل الجماعي من عدمه، وإذا كانت الثقافة المؤسسية المرغوبة أو المخطط لها هي التركيز على أو التوجه للمواطن فإن المقياس الحقيقي لا يكون في العبارات الجميلة الممنقة وإنما في نتائج ملموسة ، وهنا تبرز الاسئلة التالية:
هل انخفض زمن تقديم الخدمة ؟
هل قلت عدد الشكاوى؟
هل تراجع حجم الخطأ ؟
هل ارتفعت درجة رضا المواطن او المتعامل مع المؤسسة قياسا بسنة الأساس؟
هل أصبحت الاجراءات اكثر سهولة ووضوح؟
وهل تقدم الخدمة بطريقة حضارية تحترم إنسانية المواطن والمراجع؟
اما اذا كنا نتطلع الى ثقافة قائمة على المساءلة ، فعلينا ان نبحث عن المسؤوليات والصلاحيات وتحديدها بشكل واضح لا تداخل فيه ولا تعارض، وهل أصبحت كذلك، وهل تتم محاسبة المقصر ومكأفاة المجتهد؟ وهل اصبحت النتائج هي اساس التقييم؟ فنحن " لا يهمنا كم يحرك الطائر جناحيه ، بل ما هي المسافة التي قطعها طيرانا".
نعم ، الثقافة المؤسسية لا تقاس بما تقوله المؤسسة وتعلنه عن نفسها، وإنما بما يمارسه الموظفون فيها ويترجمونه سلوكا عندما لا يكون أحد يراقبهم.
نقطة اخرى متعلقة بالقيادة وهذا هو المحور الاساس بالثقافة المؤسسية ، فلا يمكن ان ننتظر من الموظف والمرؤوس المبادرة فيما تعاقبه الإدارة على الخطأ عن مجرد المحاولة ، كيف له أن يبادر وهو يعيش في " فوبيا" الوقوع في الخطأ !!
ولا يمكن أن نطالب الموظف بالشفافية بينما تحتكر الإدارة المعلومة،ولا مكان للحديث عن التمكين وتفويض الصلاحيات بينما تظل القرارات الروتينية بحاجة الى سلسلة من الموافقات والتواقيع.
نعم لا يمكن أن نطالب الموظف بالالتزام والإنضباط اذا كانت الإدارة ذاتها لا تلتزم بذات المعايير.
من الضروي ان تطور المؤسسات الحكومية مؤشرا متعدد الاوجة او قل مركبا للثقافة المؤسسية يقيس على سبيل المثال ( الثقة والعدالة والقيادة والعمل الجماعي والمبادرة والابتكاروالتعلم والتكيف والتركيز / التوجه للمواطن..)
والأهم من الحصول على ارقام ونسب ماذا تغير بسبب جهود تطوير الثقافة المؤسسية؟
اذا ادت هذه الجهود الى مزيد من الثقة والعدالة والشفافية والمساءلة والتعاون والعمل بروح الفريق ، والى مزيد من تفويض الصلاحيات والى سرعة في اتخاذ القرار والى تقليل زمن انجاز المعاملات وارتفعت درجة رضا الموظف والمواطن ومزود الخدمة، واذ ادت الى صناعة بيئة عمل يتمنى الموظفون الانضمام اليها ويتمسكون باستمراية العمل بها وتحول المؤسسة الى بيئة جاذبة ومغناطيس للنجاح، فاننا نكون ازاء ثقافة مؤسسية احدثت اثرا حقيقيا ملموسا .
اما اذا انتهينا فقط الى دورات تدريبية ( انا لا اقلل من جهود التدريب والتوعية ، فهي امور غاية في الأهمية الا انها لا تمثل كامل الحكاية) واستبيانات توزع وصور جماعية ، ثم عادت المؤسسة الى ممارساتها القديمة فاننا لم نطور الثقافة المؤسسية وإنما نفذنا حزمة من الأنشطة والفعاليات تحت عنوان تطوير الثقافة المؤسسية وهنا ينطبق عليها المثل الشعبي " كأنك يا بو زيد ما غزيت" .
وأخيرا يمكن القول ان هذا المكون لاقى إهتماما واضحا في جهود إصلاح القطاع العام بل هو إحد المكونات السبعة لخارطة تطوير القطاع العام ، ولكن هذا لا يمنع ان تؤشر هذه المقالة على بعض المرتكزات والملاحظات التي من شأنها تجويد عملية تطوير هذا المكون ، فهو ليس مشروعا قصير الاجل ينتهي بانتهاء التمويل ، ولا حملة علاقات عامة او برنامج تدريبي ينتهي بانتهاء الورشة، انه تحول تدريجي في طريقة التفكير والعمل والخدمة وإتخاذ القرار والتعامل مع المواطن باعتباره قطب الرحى في العملية الاصلاحية ، وتمكين الموظف وحسن التعامل معه وتقديم المصلحة العامة على الخاصة، واعتماد استراتيجيات تعزيز هذه الثقافة كالبرامج التدريبية والتوعوية والتواصل الفعال والمبادرات التحفيزية ، والنجاح الحقيقي في ذلك يمكن اختصاره في سؤال واحد هل أصبحت المؤسسة بعد جهود تطوير ثقافتها المؤسسية تعمل بطريقة أفضل وتحقق نتائج افضل، هل يشعر المواطن بذلك؟
فاذا كانت الاجابة لا ، فعلينا ان نعيد النظرباستراتيجياتنا و ومقارباتنا ومؤشراتنا التي نقيس بها الثقافة المؤسسية،وان نراجع تحديات تعزيز الثقافة المؤسسية ومناقشتها واختيار الحلول لمعالجتها والحد منها.
ناهيك عن ضرورة تنويع ادوات قياس الثقافة المؤسسية كالاستبيانات واجراء المقابلات ودراسة الحالة والملاحظة التي يقوم بها غالبا ملاحظون او مقيمون خارجيون لضمان حيدتهم، ويجب ادراك حقيقة ان قياس الثقافة المؤسسية يتطلب فهما عميقا لطبيعة المؤسسة واهدافها الاستراتيجية.
والله من وراء القصد
تعليقات القراء
أكتب تعليقا
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. - يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |


الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...