اتفاق مكة: عندما يقرّر السنّة إنهاء لعبة التطرف .. فمن سيكون التالي؟


جراسا -

اكثم الخريشة– في زمن تتداخل فيه الدماء بالسياسة، والقداسة بالبارود، تصبح التحالفات الإقليمية أشبه بلوحة فنية معقّدة، لا يفك رموزها إلا من عاش تفاصيلها. لكن ما جرى في مكة قبل أيام، حمل بين طياته أكثر من مجرد لقاء دبلوماسي، بل حمل مفاجأة غير متوقعة: إعلان ثلاث دول سنّية هي السعودية وتركيا وباكستان عن اتفاق دفاع مشترك، لا يقرأه المراقبون كتحالف طائفي، بل كإعلان نهاية مرحلة كاملة من الصراع المذهبي في الشرق الأوسط.

المشهد في قصر الصفا كان مختلفاً. لم تكن هناك خطابات نارية، ولا شعارات دينية تلوّح بالأيادي. كانت هناك ثلاث دول تدرك أن الوقت قد حان لتغيير قواعد اللعبة. في زوايا الغرفة، كان يتشكّل تحالف قد لا يغير خرائط المنطقة فحسب، بل قد يغيّر مفهوم "العدو" نفسه، ويفتح الباب لسيناريو لا تحبه تل أبيب ولا طهران: أن يأتي دور التطرف جميعاً، بكل مذاهبه.

هذا الاتفاق ليس مجرد رد فعل على الحرب الأخيرة التي قادها ترامب ونتنياهو على إيران. بل هو تتويج لمسار بدأ قبل شهور، أدركت خلاله الرياض وأنقرة وإسلام آباد أن استمرار لعبة "العدو المشترك" لم يعد مجدياً، وأن استقرار المنطقة يتطلب أكثر من مجرد مواجهة طرف ضد آخر.

لطالما راهنت إسرائيل على استمرار الانقسام السني-الشيعي كضمانة لتفوقها الإقليمي. وحقيقة الأمر، أن كثيراً من الصراعات في العقدين الماضيين كانت تغذّيها هذه الرؤية. لكنّ اتفاق مكة يحمل رسالة واضحة: مرحلة "السنة المتطرفة" التي جُنّدت في حروب بالوكالة قد انتهت، ولن تعود. الأدوات التي كانت تستخدمها إسرائيل لضرب الشيعة بدأت تنهار، واليوم، يتحدث القادة السنّة بلغة المصالح لا بلغة المذاهب.

اللافت في الموقف الإيراني أنه لم يكن عدائياً كما توقّع كثيرون. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خرج ليعلن ترحيب بلاده بالاتفاق، معتبراً أن وحدة المسلمين قادرة على حل مشاكلهم. هذا الموقف، الذي قد يبدو متناقضاً، وهو اعتراف صريح من طهران بأنها تفضّل التعامل مع كيان إقليمي واحد متعدد الأقطاب، بدلاً من التعامل مع تحالف صليبي-إسرائيلي مدعوم من واشنطن، وهو الخطر الذي كانت تراه في اتفاقيات أبراهام.

هنا تكمن المفارقة التي قد تغيّر وجه المنطقة. فالاتفاق يضع إسرائيل أمام اختبار حقيقي: إما أن تعيد حساباتها وتدرك أن تحالفاتها الخلفية مع القوى السنّية لم تعد مضمونة، أو أن تجد نفسها معزولة في مواجهة كتلة إقليمية جديدة لا تعتمد على الغرب. وبالنسبة لنتنياهو، الذي راهن طويلاً على استمرار الفوضى ليقدّم نفسه كحامٍ لإسرائيل، فإن هذا التحول قد ينسف استراتيجيته بأكملها.

لكن هل هذا يعني أن عصر التطرف قد انتهى فعلاً؟ بالطبع لا. المنطقة لا تزال تعج بالتناقضات، والاتفاق لا يخلو من الغموض. فالنص الكامل لم يُنشر، والمطالب العسكرية بين دول لا تتشارك بحدود برية، وكل منها منشغلة بصراعاتها الداخلية. باكستان مشغولة بالهند، تركيا في سوريا، والسعودية في اليمن. لكن المهم هنا ليس فعالية الحلف العسكري بقدر ما هو الرسالة السياسية التي يحملها.

هذا الاتفاق، كما يقرأه مراقبون، هو إعلان أن الشرق الأوسط بدأ يمارس "التعددية القطبية" بمحض إرادته، بعيداً عن الإملاءات الغربية. إنه يقول للعالم: لم نعد نريد أن نكون ساحة لصراعات الآخرين. والأهم، أنه يحمل تهديداً صامتاً بأن "اليهودية المتطرفة" التي راهنت على استمرار الانقسام، ستكون التالية في السقوط، بسيف تغير قواعد اللعبة لا بسيف خارجي.

ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط يشبه تحولاً جذرياً في بنية الصراع. لم يعد الأمر مجرد صراع بين سنة وشيعة، أو بين عرب وإسرائيليين، بل صراع بين منطقين: منطق الاستمرار في توظيف الدين لأغراض سياسية، ومنطق بناء نظام إقليمي جديد يقوم على المصالح المشتركة.

وفي هذا السياق، قد يكون اتفاق مكة هو البداية الحقيقية لنهاية عصر كامل من الحروب المذهبية. وإذا استمر هذا المسار، فسيكون دور "الشيعة المتطرفة" و"اليهودية المتطرفة" هو التالي في السقوط، ليس بفعل قوة خارجية، بل بفعل تغير القواعد من الداخل. ففي النهاية، من يزرع الريح يحصد العاصفة، لكن من يزرع المصالح قد يحصد السلام.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات