هل ننتظر الجريمة حتى تقع
بقلم المهندس : انس سعيد عبيدات
ان مفهوم كلمة الامن الوقائي ليس للترف الاداري بل خط الدفاع الأول عن المجتمع والدولة
هناك سؤال يجب أن يطرح أمام الرأي العام وأصحاب القرار: هل مهمة الامن العام هي ملاحقة الجريمة بعد وقوعها فقط أم منعها قبل أن تقع ؟
في كل مرة نسمع بها عن جريمة تحصل في مجتمعنا تتكرر المشاهد نفسها حيث تبدأ التحقيقات وتجمع الأدلة وتصدر البيانات ثم ننشغل بالبحث عن المسؤوليات والأسباب . لكن وسط كل ذلك يضيع اهم سؤال لا يتم طرحه ولا يقل أهمية عن الجريمة نفسها : هل كان بإمكان المسؤولين في الامن العام منع الجريمة قبل أن تحدث ؟
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الجريمة لا تأتي فجأة وانما هي تبدأ بفكرة ثم تخطيط ثم استعداد ثم سلسلة من الخطوات والمؤشرات التي تسبق وقوعها. القاتل لا يصبح قاتلا في لحظة واحدة والمحتال لا يستولي على أموال ضحاياه في ثانية واحدة ، والمجرم لا ينفذ جريمته دون مقدمات أو إشارات أو سلوكيات تثير الريبة .
كل جريمة تسبقها علامات وتحذيرات ومؤشرات كان من الممكن التقاطها لو وجدت آليات فعالة للمتابعة والتحليل والاستجابة ، والمؤلم هو أن الجميع يرى تلك المؤشرات بوضوح بعد وقوع الكارثة بينما يتم تجاهلها أو التقليل من شأنها قبل وقوعها .
كم مرة سمعنا بعد وقوع جريمة عبارة "كانت هناك إشارات تدل على ذلك"
وكم مرة اكتشفنا أن هناك من حذر مسبقا أو أبلغ عن مخاوفه أو نقل معلومات كان يمكن أن تساعد في منع الضرر ؟
إن فلسفة الأمن الحديثة في الدول المتقدمة لم تعد قائمة فقط على ملاحقة المجرمين بعد ارتكاب الجرائم ، بل على استباق الخطر ومنع الجريمة قبل حصولها ، ولذلك تعتبر هذه الدول متقدمة لانها تدرك أن حماية المجتمع لا تبدأ من مسرح الجريمة بل من اللحظة الأولى التي تظهر فيها الدلائل والمؤشرات التي تستدعي الانتباه .
ولهذا فإن مفهوم الأمن الوقائي لم يعد رفاهية إدارية أو خيارا إضافيا ، بل ضرورة وطنية لحماية الاقتصاد والمجتمع والأفراد. فنظام الامن العام بالمجتمع لا يقاس فقط على ملاحقة الجريمة بعد وقوعها بل بقدرته على استشعار الخطر قبل أن يتحول إلى واقع مؤلم يدفع الجميع ثمنه .
إن اسوأ ما يمكن أن يشعر به المواطن هو أن تحذيره لا يجد من يسمعه وأن البلاغ الذي يقدمه لا يجد من يتعامل معه بالجدية اللازمة. فحينها يفقد الناس الثقة بأهمية الإبلاغ وبذلك يخسر المجتمع أحد أهم خطوط الدفاع المبكر ضد الجريمة وتضيع معلومات قد تكون قادرة على منع خسائر فادحة أو حماية أبرياء أو إحباط جريمة قبل اكتمالها .
إن المواطن الواعي هو شريك في حماية الوطن. وكل معلومة صادقة وكل بلاغ حسن النية يجب أن ينظر إليه باعتباره فرصة للوقاية لا مجرد كلمات يتم سماعها فقط دون الاخذ بها من الجهة المسؤولة .
صحيح أن دولة القانون لا تعاقب الناس على النوايا أو الشكوك المجردة ، وهذه من أهم الضمانات القانونية التي تحمي الحقوق والحريات. لكن هناك فرقا كبيرا بين معاقبة شخص على نية لم تتحول إلى فعل ، وبين دراسة المعلومات والتحقق من المؤشرات قبل أن تتحول إلى جرائم مكتملة الأركان .
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس الجريمة وحدها بل هو فكرة ان الجهات المسؤولة لا تتحرك الا بعد وقوع تلك الجريمة أي ان نقطة البداية هو وجود ضحية وبالتالي نكون قد خسرنا أهم ما يميز العمل الأمني الحديث وهو القدرة على الوقاية والاستباق .
المواطن لا يريد ان يرى بطولات متأخرة ، ولا يريد أن يسمع بعد حدوث الجريمة أن الإجراءات قد اتخذت وأن التحقيقات قد بدأت وأن المسؤولين يتحركون ، ان ما يريده المواطن هو أن يشعر أن أمنه أولوية قبل وقوع الضرر، لا بعده ، ويريد أن يعلم أن صوته مسموع ، وأن تحذيراته تجد من ينظر إليها بعين المسؤولية .
إن الأمن الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المجرمين الذين تم القبض عليهم ، بل بعدد الجرائم التي لم تقع أصلا ، ولا يقاس بعدد الملفات التي تم فتحها بعد الكارثة بل بعدد الكوارث التي تم منعها قبل أن تحدث .
إن حماية المجتمع لا تبدأ عند وقوع الجريمة ، بل عند أول إشارة إليها ، ولا تبدأ عند وصول الضحية إلى مركز الشرطة ، بل عند وصول المعلومة التي قد تمنع وصول الضحية الى ذلك المركز الأمني .
ولهذا فإن الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل صاحب قرار واضحة وصريحة :
لا تنتظروا الضحية الأولى حتى تتحرك كوادركم .
ولا تنتظروا أن تضيع الأموال أو تهدر الحقوق أو تزهق الأرواح حتى يصبح الخطر جديرا بالاهتمام .
فالناس تذكر ذلك المسؤول الذي امتلك الشجاعة والرؤية لمنع حدوث الجريمة وليس فقط المسؤول الذي اكتشف خيوط الجريمة بعد حدوثها .
والمجتمع لا يبني ثقته بالمؤسسات لأنها حضرت بعد وقوع الكارثة ، بل لأنها كانت حاضرة قبل وقوعها .
إن أعظم إنجاز يمكن أن تحققه أي دولة ليس القبض على المجرم بعد ارتكاب الجريمة ، بل أن تجعل الجريمة تفشل قبل أن تولد .
بقلم المهندس : انس سعيد عبيدات
ان مفهوم كلمة الامن الوقائي ليس للترف الاداري بل خط الدفاع الأول عن المجتمع والدولة
هناك سؤال يجب أن يطرح أمام الرأي العام وأصحاب القرار: هل مهمة الامن العام هي ملاحقة الجريمة بعد وقوعها فقط أم منعها قبل أن تقع ؟
في كل مرة نسمع بها عن جريمة تحصل في مجتمعنا تتكرر المشاهد نفسها حيث تبدأ التحقيقات وتجمع الأدلة وتصدر البيانات ثم ننشغل بالبحث عن المسؤوليات والأسباب . لكن وسط كل ذلك يضيع اهم سؤال لا يتم طرحه ولا يقل أهمية عن الجريمة نفسها : هل كان بإمكان المسؤولين في الامن العام منع الجريمة قبل أن تحدث ؟
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الجريمة لا تأتي فجأة وانما هي تبدأ بفكرة ثم تخطيط ثم استعداد ثم سلسلة من الخطوات والمؤشرات التي تسبق وقوعها. القاتل لا يصبح قاتلا في لحظة واحدة والمحتال لا يستولي على أموال ضحاياه في ثانية واحدة ، والمجرم لا ينفذ جريمته دون مقدمات أو إشارات أو سلوكيات تثير الريبة .
كل جريمة تسبقها علامات وتحذيرات ومؤشرات كان من الممكن التقاطها لو وجدت آليات فعالة للمتابعة والتحليل والاستجابة ، والمؤلم هو أن الجميع يرى تلك المؤشرات بوضوح بعد وقوع الكارثة بينما يتم تجاهلها أو التقليل من شأنها قبل وقوعها .
كم مرة سمعنا بعد وقوع جريمة عبارة "كانت هناك إشارات تدل على ذلك"
وكم مرة اكتشفنا أن هناك من حذر مسبقا أو أبلغ عن مخاوفه أو نقل معلومات كان يمكن أن تساعد في منع الضرر ؟
إن فلسفة الأمن الحديثة في الدول المتقدمة لم تعد قائمة فقط على ملاحقة المجرمين بعد ارتكاب الجرائم ، بل على استباق الخطر ومنع الجريمة قبل حصولها ، ولذلك تعتبر هذه الدول متقدمة لانها تدرك أن حماية المجتمع لا تبدأ من مسرح الجريمة بل من اللحظة الأولى التي تظهر فيها الدلائل والمؤشرات التي تستدعي الانتباه .
ولهذا فإن مفهوم الأمن الوقائي لم يعد رفاهية إدارية أو خيارا إضافيا ، بل ضرورة وطنية لحماية الاقتصاد والمجتمع والأفراد. فنظام الامن العام بالمجتمع لا يقاس فقط على ملاحقة الجريمة بعد وقوعها بل بقدرته على استشعار الخطر قبل أن يتحول إلى واقع مؤلم يدفع الجميع ثمنه .
إن اسوأ ما يمكن أن يشعر به المواطن هو أن تحذيره لا يجد من يسمعه وأن البلاغ الذي يقدمه لا يجد من يتعامل معه بالجدية اللازمة. فحينها يفقد الناس الثقة بأهمية الإبلاغ وبذلك يخسر المجتمع أحد أهم خطوط الدفاع المبكر ضد الجريمة وتضيع معلومات قد تكون قادرة على منع خسائر فادحة أو حماية أبرياء أو إحباط جريمة قبل اكتمالها .
إن المواطن الواعي هو شريك في حماية الوطن. وكل معلومة صادقة وكل بلاغ حسن النية يجب أن ينظر إليه باعتباره فرصة للوقاية لا مجرد كلمات يتم سماعها فقط دون الاخذ بها من الجهة المسؤولة .
صحيح أن دولة القانون لا تعاقب الناس على النوايا أو الشكوك المجردة ، وهذه من أهم الضمانات القانونية التي تحمي الحقوق والحريات. لكن هناك فرقا كبيرا بين معاقبة شخص على نية لم تتحول إلى فعل ، وبين دراسة المعلومات والتحقق من المؤشرات قبل أن تتحول إلى جرائم مكتملة الأركان .
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس الجريمة وحدها بل هو فكرة ان الجهات المسؤولة لا تتحرك الا بعد وقوع تلك الجريمة أي ان نقطة البداية هو وجود ضحية وبالتالي نكون قد خسرنا أهم ما يميز العمل الأمني الحديث وهو القدرة على الوقاية والاستباق .
المواطن لا يريد ان يرى بطولات متأخرة ، ولا يريد أن يسمع بعد حدوث الجريمة أن الإجراءات قد اتخذت وأن التحقيقات قد بدأت وأن المسؤولين يتحركون ، ان ما يريده المواطن هو أن يشعر أن أمنه أولوية قبل وقوع الضرر، لا بعده ، ويريد أن يعلم أن صوته مسموع ، وأن تحذيراته تجد من ينظر إليها بعين المسؤولية .
إن الأمن الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المجرمين الذين تم القبض عليهم ، بل بعدد الجرائم التي لم تقع أصلا ، ولا يقاس بعدد الملفات التي تم فتحها بعد الكارثة بل بعدد الكوارث التي تم منعها قبل أن تحدث .
إن حماية المجتمع لا تبدأ عند وقوع الجريمة ، بل عند أول إشارة إليها ، ولا تبدأ عند وصول الضحية إلى مركز الشرطة ، بل عند وصول المعلومة التي قد تمنع وصول الضحية الى ذلك المركز الأمني .
ولهذا فإن الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل صاحب قرار واضحة وصريحة :
لا تنتظروا الضحية الأولى حتى تتحرك كوادركم .
ولا تنتظروا أن تضيع الأموال أو تهدر الحقوق أو تزهق الأرواح حتى يصبح الخطر جديرا بالاهتمام .
فالناس تذكر ذلك المسؤول الذي امتلك الشجاعة والرؤية لمنع حدوث الجريمة وليس فقط المسؤول الذي اكتشف خيوط الجريمة بعد حدوثها .
والمجتمع لا يبني ثقته بالمؤسسات لأنها حضرت بعد وقوع الكارثة ، بل لأنها كانت حاضرة قبل وقوعها .
إن أعظم إنجاز يمكن أن تحققه أي دولة ليس القبض على المجرم بعد ارتكاب الجريمة ، بل أن تجعل الجريمة تفشل قبل أن تولد .
تعليقات القراء
أكتب تعليقا
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. - يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |


الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...