قاعدة إسرائيل في صحراء النجف .. العراق يتحول إلى منصة الحرب القادمة


صالح الشرّاب العبادي

لم يعد الحديث عن وجود قاعدة إسرائيلية في صحراء النجف مجرد تسريبات إعلامية أو تحليلات أمنية عابرة، بل أصبح جزءاً من مشهد إقليمي بالغ الخطورة تتكشف ملامحه تدريجياً، وسط صمت عراقي مرتبك، وتصريحات أمريكية لافتة، وتحركات إيرانية متسارعة لكشف شبكات الموساد داخل الأراضي الإيرانية.

ما يجري اليوم يتجاوز فكرة إنشاء قاعدة عسكرية تقليدية، فنحن أمام تحول استراتيجي عميق في طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، حيث تنتقل إسرائيل من مرحلة الضربات الجوية البعيدة والعمل الاستخباراتي المحدود، إلى مرحلة التموضع داخل العمق الجغرافي العربي، وعلى مقربة مباشرة من إيران.

صحراء النجف ليست مجرد مساحة جغرافية معزولة كما قد تبدو على الخرائط، بل تمثل موقعاً بالغ الأهمية عسكرياً واستخباراتياً ، فهي تمتد على مساحة صحراوية واسعة قليلة الرقابة، وتوفر بيئة مثالية للحركة الجوية والعمليات الخاصة، إضافة إلى قربها النسبي من الحدود الإيرانية وارتباطها بممرات لوجستية تمتد نحو الأنبار والبادية السورية ، ولهذا فإن الحديث عن وجود قاعدة إسرائيلية في هذه المنطقة لا يمكن فصله عن مشروع أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا العسكرية في المنطقة.

الأخطر من وجود القاعدة نفسها هو طبيعة المهام المرتبطة بها. فالتسريبات التي تحدثت عن انتشار وحدات نخبوية إسرائيلية متخصصة بإنقاذ الطيارين والعمليات الخاصة تعني أن إسرائيل تستعد فعلياً لاحتمال سقوط طائرات لها داخل إيران أو العراق في أي مواجهة قادمة. وهذا يكشف أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لم تعد تتعامل مع المواجهة مع إيران باعتبارها مجرد حرب صواريخ أو ضربات جوية محدودة، بل كحرب مفتوحة متعددة المستويات قد تشمل عمليات تسلل وإنقاذ واشتباكات خلف خطوط الخصم.

وفي هذا السياق، يصبح العراق تدريجياً ساحة خلفية للحرب القادمة على إيران، لا مجرد دولة مجاورة للصراع. وهذا التحول لم يأتِ فجأة، بل نتيجة سنوات طويلة من التفكك السيادي وتعدد مراكز النفوذ داخل العراق، حيث تحولت الجغرافيا العراقية إلى مساحة مفتوحة للتنافس الأمريكي والإيراني والتركي، والآن الإسرائيلي أيضاً.

لكن الانتقال الإسرائيلي من شمال العراق إلى عمقه الجنوبي يحمل دلالة أكثر خطورة. ففي السنوات الماضية ارتبط الحديث عن النشاط الإسرائيلي في العراق بالعلاقة القديمة والمعقدة مع بعض الأطراف الكردية في شمال البلاد، حيث بنت إسرائيل عبر عقود طويلة شبكات استخباراتية وأمنية ضمن ما عرف بعقيدة “تحالف الأطراف”. واستفادت من الطبيعة الجغرافية والسياسية الخاصة لإقليم كردستان، ومن قربه المباشر من إيران، لبناء بيئة مراقبة واختراق استخباراتي متقدمة.

كما أن العلاقة بين إسرائيل وبعض الدوائر الكردية لم تعد سراً سياسياً، بل وصلت في مراحل مختلفة إلى مستويات من التعاون الأمني والعسكري والتدريب وتبادل الخبرات، وسط اتهامات إيرانية متكررة باستخدام شمال العراق كنقطة انطلاق لعمليات الموساد داخل الأراضي الإيرانية.

غير أن النجف ليست كردستان، وهذه هي النقطة الأخطر. فوجود قاعدة إسرائيلية في جنوب العراق يعني أن إسرائيل لم تعد تتحرك عند الأطراف فقط، بل أصبحت تقترب من قلب الجغرافيا العراقية نفسها، وهو تحول استراتيجي يعكس انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر عمقاً وتعقيداً.

التصريحات الأمريكية زادت المشهد غموضاً وخطورة، خصوصاً مع الحديث عن اعتبار صحراء النجف “منطقة أمنية يجب عدم الاقتراب منها”. فمثل هذه التصريحات لا تُقرأ دبلوماسياً فقط، بل تحمل أبعاداً عسكرية واضحة، وكأن واشنطن ترسم مظلة حماية لمنطقة عمليات خاصة داخل العراق. فالولايات المتحدة لا تغلق مناطق صحراوية واسعة في الشرق الأوسط إلا عندما تكون هناك قواعد متقدمة أو مراكز عمليات مرتبطة بملفات شديدة الحساسية.

وهنا تبدو المفارقة العراقية صادمة؛ فبينما تتحدث تقارير عن قواعد وتحركات عسكرية واستخباراتية بهذا الحجم، تعلن بغداد أنها لا تمتلك معلومات واضحة حول حقيقة ما يجري. وهذه ليست مجرد أزمة أمنية، بل أزمة سيادة كاملة، لأن أخطر ما قد تصل إليه الدول ليس وجود اختراق أمني فقط، بل وجود مناطق كاملة تتحرك فيها قوى خارجية دون قدرة الدولة على السيطرة أو حتى المعرفة.

في المقابل، تبدو إيران وكأنها تستشعر حجم التحولات الجارية حولها. فالإعلان المتكرر عن اكتشاف خلايا للموساد في أذربيجان الإيرانية والبرز وكرمان يعكس إدراكاً إيرانياً بأن الاختراق الإسرائيلي لم يعد محصوراً بالأطراف الخارجية، بل بات يمتد إلى الداخل الإيراني نفسه.

وهنا تظهر الورقة الأكثر حساسية بالنسبة لطهران، وهي الورقة الكردية داخل إيران. فإسرائيل تدرك أن أي مواجهة كبرى مع إيران لن تعتمد فقط على الضربات العسكرية المباشرة، بل على استنزاف الدولة الإيرانية من الداخل أيضاً، عبر القوميات والأطراف الحدودية. ولهذا فإن أي تحرك كردي شمال إيران، بالتزامن مع ضربات عسكرية واختراقات استخباراتية، يمكن أن يفتح جبهة استنزاف داخلية شديدة الخطورة على الدولة الإيرانية.

كل ذلك يكشف أن المنطقة لم تعد تقف أمام مواجهة تقليدية بين دولتين، بل أمام مشروع إعادة تشكيل كامل لموازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط. فإسرائيل لا تسعى فقط إلى ردع إيران، بل إلى تطويقها واختراقها وإرباكها من الداخل، بينما يتحول العراق تدريجياً إلى ساحة مركزية في هذا الصراع المفتوح.

اذا ، تم تدشين قاعدة إسرائيلية في النجف وبهذا ، وصلت عملية تحويل العراق إلى منصة للحروب الإقليمية القادمة ذروتها ، و ما نشهده حتماً هو تمهيد لمواجهة مقبلة مع إيران وما هذه الهدنة الهشة والانتظار الطويل إلا من اجل الاستعداد لمواجهة جديدة مع ايران ، وبداية مرحلة جديدة يُعاد فيها رسم الشرق الأوسط بالكامل من داخل أراضيه؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات