الفنان التشكيلي محمد نصر الله .. عندما ينبثق "الوطن" من خربشات الروح / تفرد إبداعي بين مفهومي "الوطن" و "الهوية"
جراسا -
خاص- رائده الشلالفه - في مداخلات أقرب الى البوح، كشف الفنان محمد نصر الله الكثير الشفيف من دواخل روحه التي لا زال يسكنها هاجس الانسان في تعالقه مع مفردة "الوطن" كمفهوم، سعى إزائها نصر الله جاهدا ليضمنّها رتوشٍ عبّرت عن تساؤلاته وعالمه الجواني في حراك تحار أمامه حيال سؤال "الانتماء" ومن ينتمي للآخر.. الوطن ينتمي اليه.. أم هو المنتمي للوطن بافتنان؟؟
في حرفية لوحاته تشهد نموذجا يعكس حالة متقدمة من الوعي والاندماج لقضايا تبنتها ريشته وقبلا احاسيسه الناضجة ، ليحقق حراكه الفني إضافة في المشهد الفني التشكيلي الاردني الى جانب ما تمثّله اعماله لترجمةٍ فاعلة وحقيقية نجح خلالها بتصوير المشهدية الكاملة لمحتوى "الوطن" كما تراه الذات الجمعية في اكثر من مكان .
ولد الفنان التشكيلي محمد نصرالله عام 1963 في مخيّم الوحدات في العاصمة الأردنيّة عمان، بدأ اهتمامه بالرّسم منذ الطفولة في "خربشات" ابداعية بدأها بتخطيطات حملتها دفاتره وأسوار بيته، وليلتهم شغف الحنين الى الوطن في ابداعات واكبت نضوج تجربته التي قال فيها الاديب الكبير الراحل جبرا ابراهيم جبرا " الفنان محمد نصر الله هذا الفنان يحوك كل سنتمتر من لوحته حياكة عاشق لما تصنعه يده، وتراه عينه الداخلية، والدقة في تفاصيله عارمة بما تطلقه من ايحاءات، فهو واضح وغامض معاً، محب وغاضب معاً، هامس وصارخ في وقت واحد، ... اعماله تذكرنا برعب الإنسان... وفي الوقت نفسه بقدرته على اختراق الرعب.
محمد نصرالله فنان جميل بروحه المعذبة، معذبة بحس الجمال في الحياة وحس الرعب فيها الذي لن يتغلب عليه إلا بحبه الهائل.. ان أعمال محمد نصرالله ليست اضافة للحركة التشكيلية الأردنية فقط، انها اضافة للحركةالتشكيلية العربية المعاصرة.
وفي مساحة آذارية دافئة دار الحوار التالي مع المبدع الفلسطيني الفنان التشكيلي محمد نصر الله :
* في قراءة سريعة لمجمل اعمالك الفنية يستطيع المتلقي المتخصص إدراك التنوع الموضوعي والبصري الذي تحملها لوحاتك للأرث السياسي والاجتماعي الفلسطيني، قال بشأنها نقاد متابعون انها موزعة ما بين الواقعية التعبيرية، والتعبيرية الرمزية، والسريالية المنفتحة على التراث حيناَ والمقاومة الشعبية الفلسطينية في كثير من الأحوال، ما هي الاسباب التي دفعت باتجاه توظيفك لمفهوم "أيدلوجيا الوطن" في تجربتك الفنية التشكيلية ؟
- بداية استذكر قول الفيلسوف مايكل انجلو بقوله "نافذة واحدة للجمال والحرية" إن الذي أريد أن أريه في عملي هو الفكرة التي تكمن وراء ما يسمى بالحقيقة فأنا أبحث عن الجسر الذي يصل المرئي باللامرئي)، في مخيم الوحدات، عندما كنت في السادسة من عمري، كنت أحلم أن أحمل بندقية خشبية مثل أولاد حارتنا، الذين يلعبون عسكر وحرامية، فطلبت من شقيقي أن يصنع لي واحدة، فوعدني بذلك، فلم أنم تلك الليلة، وفي صباح اليوم التالي أحضرت له خشبا وسلكا ومسامير وماسورة وفلين… وجلست بجانبه وبدأت أتأمل وبكل دهشة جميع الاتجاهات التي تتحرك بها يده فرحا… وبعدها تحقق الحلم، ولم أكن أدرك ما يدور فيّ من أحاسيس، أخذت البندقية واتجهت نحو بستان، وقررت وقتها أن أجتاز الأسلاك الشائكة ونتيجة ذلك جرحت وبدأ الدم يتدفق من ذراعي وكان الوقت ظهرا، ولم أكد استريح قليلا حتى شعرت بالألم أكثر فأكثر يتسرب في كل أنحاء جسمي، وفجأة ودون أن أدري من أين أتى صاحب البستان وألقى القبض عليّ .. وعلى ما يبدو أن الأمر لم يعجبه.. فتناول يدي ولواها خلف ظهري ثم سحب البندقية الخشبية من يدي الثانية وحطمها … وأخذ يدفعني بقوة، فلمحت الكلب الأسود الذي جئت لأطلق عليه طلقات الفلين.
في تلك الأيام كنت أكتشف اسم فلسطين، وأشعر كأنني أسير وسط جوقة موسيقية تغني اسم ذلك الغائب القريب: الوطن.
وهكذا كانت هذه هي الإشراقة الأولى والبداية الحقيقية في تجربتي، فكلما نظرت إلى ذراعي منحتني الحياة نافذة أخرى إلى الحرية التي تختفي وراءها كل الأحداث والأشياء في عملية الخلق والتطور والتحول.
فهل أقول : إن ذلك الذي صنع لي البندقية الخشبية أيام طفولتي هو الذي دفعني إلى معرفة معنى اللون…وهل أقول إنه أيضا ذلك الذي حطمها حين رآها في يدي.
كان عليّ أن أكسّر الدبش الأبيض الطباشيري وأخربش على جدران بيوت حارتنا… لأرسم شجرة وأجردها من هيئتها وأن أجرد المرئيات من واقعيتها بطريقتي.. ولكن الذي نلته من جراء ذلك من أهل تلك الجدران أن أضرب بالعصا وألاحق… فكانت النتيجة ردة فعل شخصية.. لأُقبلَ على اللون برغبة أشد.. وأنا طفل لم يتجاوز السابعة من عمره يومها. في حياة مخيم الوحدات الباكي بإشراقته.. وقسوة الحياة فيه ومرارتها.. دخلت تجربتي مع الرسم.. وعلى الرغم من هذا لا أستطيع القول إن ثمة شيئا واحدا لعب الدور الحاسم في ذلك، فأنا لا أعرف كيف يتجمع العالم في إنسان. لأن مخيم الوحدات كان أكبر من قصة، أكبر من رواية، كان تغييرا، وإنسانا جديدا يصهر، في واقع حياة الطفولة المليئة بكل ألوان القهر…
* بعيدا عن البيئة الخصبة التي مهدت لولادة الفنان التشكيلي بدواخلك، هل ثمة موهبة اشتغلت عليها لمواكبة بزوغ الفنان لديك ؟
- لا شك أن البيئة والمناخ الاجتماعي يشكلان عنصرا جاذبا باتجاه ولادة المكنون الابداعي لدى الفرد، حيث تعد البيئة من العوامل المحيطة المهمة التي تؤثر بالفرد بشكل أو بآخر في تعزيز مدركاته الحسية ، في بعض الاحيان يتحرك المرء فينا بدافع الذات الجمعية، يحمل العام منها ويؤطره في قناة الخاص، الارث النضالي الفلسطيني واكب مجاميع هائلة من الجماهير في تعاطيها الايدلوجي والسياسي تجاه القضية، ولم يكن بعيدا علي وانا ابن بيئة شأنها شأن اي بقاع عربية اخذ الايقاع النضالي الفلسطيني حيزا في تقويمها من ان اكون احد تلك المجاميع، عندما كنت طالبا في المرحلة الإعدادية، لم تسلم كتبي من تخطيطاتي لشعارات تمجّد الشكل والنضال الفلسطيني، لهذا كان الرسم هوايتي الأساسية، وكان مدرس مادة الجغرافية يكلفني برسم الخرائط المدرسية ومجلة الحائط، وكان أكثر ما يميز هذه المجلة هو تكرار رسم خريطة فلسطين بانسيابها الجميل لدرجة أن كثيرين من زملائي الطلاب كانوا يُحضرون دفاترهم ويطلبون مني رسمها.
* متى ظهر محمد نصر الله بوصفه الفنان التشكيلي في شخصيتك ؟
- كان ذلك في أول نشاط فني لي في المرحلة الثانوية بمدرسة حسن البرقاوي التجارية عام 1979، وقتها عرضت أعمالي وأشترى مدرس اللغة الإنكليزية لوحتين بقيمة 3 دنانير، وفرحت كثيرا، وقبل نهاية المرحلة الثانوية طلب مني مدير المدرسة إبراهيم الجرابعة أن أقيم معرضا فنيا بمناسبة يوم النشاط المدرسي ومنحني مكافأة مالية قدرها 50 دينارا، وقد أحب الطلاب الأعمال إلى درجة أن نصف اللوحات قد سرقت خلال ثلاثة أيام.
بعد نهاية المرحلة الثانوية التحقت بكلية مجتمع لأدرس إدارة أعمال، وفي تلك الفترة كنت أوظف قصائد المقاومة داخل أعمالي وأرسم باللون الأبيض والأسود، وكنت أتعامل مع كلماتها حين أكتبها داخل الأشكال من دون نقاط.
وطوال السنوات اللاحقة كنتُ أعاني وأرسم معاناتي… فالمعاناة هي التي علمتني من الفن أكثر مما تعلمته من المدارس الفنية.
وباعتقادي أن الدور الحقيقي للفن هو تغلغله في النفس البشرية والتأثير عليها لتغيير قيمها المستهلكة تدريجيا، وبذلك يفتح الفن في داخلها نافذة للتطلع إلى الجمال والحرية، وهما قيمتان لا بد منهما لكي يدرك الإنسان وجوده.
* تقع تجربتك في منطقة مغايرة للمشهد الفنّي الأردني لما تعكسه أعمالك من تفردية حملت انعكاسات الشخصي/والمهني، هناك اشارات للعزلة والصمت واخرى تعكس مساحات ثورية خجولة، أين / وما هو عنوان مشروعك الفني التشكيلي ؟
- كان همي هو الأساس فيما صنعته حتى الآن… وأنا كغيري أشعر أنني مطالب أكثر من أي وقت مضى في تجربتي بتقديم رؤيتي لما أعيشه من تجارب على المستويين الخاص والعام… ومنذ أن وجدت أسلوبي منذ معرضي الأول (أناشيد التراب)، والمشاهد المتتبع لأعمالي يستطيع التعرف على الخيط الأسلوبي الواصل بينها بسهولة، ويمكن أن أشير هنا إلى أن عدم تأثري بفنان بعينه، يعود ربما بالدرجة الأولى إلى أنني لم أدرس الفن أكاديميا، وكثيرا ما يقع الطالب تحت تأثير أستاذه، أو أحد الفنانين الذين يدرس تجاربهم، أما السبب الثاني، ربما، فأعيده إلى انفتاحي بشكل عام على متابعة الأعمال التشكيلية بمجملها ومنذ البداية، ولذا لم أقع أسير فنان ما… فهذا الاطلاع ساعدني على أن أهضم ما أراه من أعمال فنية، وأن أكون حرا منها.
أما فيما يتعلق بالتحول نحو التجارب الجديدة في أعمالي … فما هو إلا محاولة وسعي للوصول إلى لغة تشكيلية أكثر اتساعا وشفافية لتطوير تجربتي التي ابتدأت منذ أكثر من عشرين سنة ولكنها بدأت تأخذ شكلها المعقول قبل خمسة عشر عاما.
ففي تلك الأيام، وقبل عام ونصف من المعرض الأول (أناشيد التراب)، كنت قد بدأت التحضير لمعرض، وكان لدي حوالي 30 لوحة.. إلا أنه أثناء الرسم ظهرت نتائج جديدة في تجربتي فنسيت ما كنت أنجزته تماما، أي نسيت الثلاثين لوحة، وبدأت بالعمل على اللون البني وملامس اللون، وساعدني في ذلك التفرغ الإجباري للرسم أيامها، حيث لم أكن أعمل، ومنذ أن بدأت النتائج الجديدة بالظهور حتى أحسست أن أفضل طريقة للتعامل مع الفن أن تتحرر من كل القوانين، لأن الفن نفسه أعظم من أي قانون أو دستور… والقوانين الجديدة يجب أن يبتكرها الفنان نفسه، في سعيه لابتكار عوالم مختلفة وغير مألوفة من قبل، ولم يكن قيام أمي بافتتاح معرضي الأول الذي أقيم في المركز الثقافي الفرنسي ـ عمان، إلا محاولة لتجسيد فكرة علاقة الفن بالبشر، علاقته بالحياة، وعلاقته بقضايا الإنسان بعيدا عن أي شكليات.
في عام 1990 أقمتُ معرضي الثاني (أناشيد التراب 2)، وحينها كانت قد بدأت حرب الخليج، وأشار بعض الأصدقاء عليّ بتأجيل موعد افتتاح المعرض، إلى وقت لاحق، تكون (الأوضاع) فيه قد أسفرت عما هو واضح.
ولكنني في النهاية توصلت إلى الحقيقة البسيطة التي تقول: إن كل هذه الأساطيل والجيوش القادمة من وراء المحيطات، لم تأت إلى هنا إلا لتحرمنا من كل شيء جميل، تحرمنا من الوطن، من الأغنية من اللوحة والنشيد الذي يليق بنا وبأرواحنا.
وتذكرت الحقيقة الأبسط: إن للعمل الفني زمنه الجميل، والزمن الجميل هو زمن تحدٍ.
ولذا وجهت رسالة إلى الأصدقاء قلت فيها: يسعدني توجيه التحية إليكم ودعوتكم لنغني معا (أناشيد التراب).
* باعتقادك، ما هو دور الفنان التشكيلي في اختزال مقاربات الواقع وتقديمها كوجبة جاهزة تثري مدارك المتلقي؟
- أود أن أشير هنا إلى أننا إذا كنّا كفنانين لا نقدم قراءات إنسانية لما نعيشه ونحس به… فمن نحن إزاء قضايا الإنسان وقضايا الفن؟
والصحيح، وبكل اعتزاز، أستطيع القول إنني ابن للانتفاضة، ابن مناخها العام وما حدث فيه من تغيرات، فأهم ما أنجزته كان في زمنها وكان عنها ولها وحدها… ولم يكن هذا قرارا مني… بل لان الانتفاضة استطاعت بعظمتها أن تكوّن الجانب الإبداعي داخلي… بعظمتها وقوة روحها.
فالانتفاضة باعتقادي لم تؤثر على الفنان فقط، بل إنها الإنسان وأعادت صياغته من جديد بقدر أو بآخر… بوعي أو بدون وعي. ولذا رأيت أن الانتفاضة تتويج لعملية خلق الإنسان الفلسطيني، وكان عليّ أن أتعامل معها كما أفهمها وأقدمها للآخر -المعني بدوره أيضا بها - .. حيث عاد الإنسان الفلسطيني ليجمع دمه وتاريخه ليشكل شخصيته من العناصر الموجودة في وطنه والتي هي هدفه: التراب.
وأعترف أنني حاولت دائما أن أترك المجال للمشاهد ليبحث هو ويكتشف بنفسه الحياة داخل أعمالي، واكتشاف الناس في أعماق اللوحة وزواياها... هؤلاء الناس الذين شيدوا هذه الأناشيد ورفعوا راية في وجه الموت، وحين رسمت لم يكن في ذهني أن أعبّر عن الانتفاضة بصورة مباشرة، كان بودي أن أعبّر عن روحها وظلال هذه الروح.. وقد استخدمت لذلك مفردات فنية كثيرة..
لذلك أحرص على ضرورة الخطاب الفني – الإنساني في اللوحة.. وعلى مقولة حمدي خميس (الفن لا يخرج إلا من إنسان ملتزم وعليه واجبات).. فمثلا الذي يجعل من غرنيكا صورة عظيمة ليس كون المدينة قد ضربت بالقنابل بل لان الذي أوجد الصورة هو فن بيكاسو.. وهنا كان لا بدّ أن تتحد القضية مع الإنسان.
ولذلك أريد أن أقول إن الانتفاضة قادتني للتعبير عنها، لأنها كانت صورة للروح. ولكن هذه الأعمال بقدر ما هي طالعة من أجواء الانتفاضة أو روحها فهي في الحقيقة تمتد دائما إلى الجذور البعيدة لحياتي وطفولتي وأظن أن كل عمل فني بقدر ما هو محصور بالتعبير عن حالة معينة بقدر ما هو طليق ويعبر عن الماضي المخزون والمستقبل أيضا.
*كيف زاوج الفنان نصرالله بين الفن المرئي مع فعل الشعر
- مثلما عبرتُ عن روح الانتفاضة وليس عن حرفيتها.. فكذلك حدث مع القصيدة... إذ أنني قريب من الأدب، الشعر بشكل خاص... ولكن في النهاية أنا مدرك أن اللوحة لها خصوصيتها ويجب أن تختلف عن الشعر.. وحتى حينما تستوحي من قصيدة فيجب أن تضيف إلى القصيدة معان جديدة. أو تخرج معانيها المجهولة.. أو ما لم يره الناس فيها.. وأن تكون في النهاية كائنا مستقلا له خصوصيته.
* كيف تنظر الى تجربتك الفنية، وهل انت راضٍ عنها ؟
- في عام 1992 حين التقيت الكاتب الكبير جبرا إبراهيم جبرا للمرة الأولى، دار حوار بيني وبينه وكنت خجولا ومرتبكا كثيرا، وبالرغم من ذلك كان قد سبق وشاهد أعمالي من قبل، وأنا أقف أمام هذا الكاتب الكبير وهو يسأل وبكل شفافيته: أين درست الفن؟ وأسئلة أخرى حول التقنية التي استخدمها، كان هذا في افتتاح معرض الفن التشكيلي الأردني المعاصر في مركز صدام للفنون ببغداد، وكان معه النحات محمد غني حكمت وحينها أبدى جبرا إعجابه بأعمالي وبكل تواضع، بالتكنيك وبضربات السكين وبالألوان وبساطتها المدروسة على سطح اللوحة، وفي الوقت نفسه دعاني لزيارة بيته في شارع الأميرات فذهبت أنا وصديقي محمود عيسى موسى واحتفى كثيرا بقدومي وأخذ يطلعني على مكتبته وأعماله الفنية في الطابق الأول والثاني، وقبل أن نجلس قال لي هذا الإنسان المتأمل والمرهف الحس جملة لا أنساها : أنت من عائلة مبدعة وإنك حقا فنان مبدع وتملك خصوصية في عملك تختلف عن الآخرين، وأجد من خلال أعمالك كأنك تقوم بتأسيس قاعدة خاصة بك، والذي أريده منك هو أن لا تنظر إلى كل ما يكتب عنك، المهم هو أن تبقى دائما ترسم.
وبعد شهور التقيت جبرا للمرة الثانية في عمان وكان وقتها من المشاركين في مهرجان جرش، وقد تصادف أن معرضي الثالث (طيور وفزاعات) كان يقام في الفترة ذاتها بالمركز الثقافي الملكي، وكان جبرا من بين الكتاب الذين حضروا معرضي، وقد غمرني بمحبته حين صرح لمندوب وكالة رويتر، عن حسه ب (طيور وفزاعات)، لذا فأنا مدين له بالوفاء لأنه منحني هذه الشهادة وحررني أكثر كي أبصر الأشياء التي حولي بشكل أوضح وأعمق وأغنى.
* في معرضك "طيور وفزاعات".. بدت علاقتك جلية وواضحة بأثر "الفزاعات" على مخيلة الفنان والانسان لديك، كيف تحرك هذا الاثر كأداة في مجمل صنع اللوحة ؟؟
- في معرض طيور وفزاعات.. وهي فيما تعرف بناطورة الخضرة، فقد أدخلتها في أعمالي كمخلوق إنساني.. فني.. يثير الرعب ليس في الطيور والعصافير، وإنما في أرواح البشر، فكم أخافتني هذه الفزاعات أيام طفولتي حين كان يقودني شقيقي للحقول ليصطاد العصافير، والآن وضمن المراحل والظروف الراهنة والاسقاطات.. فرضت نفسها عليّ لأدرك في النهاية وبشكل من العفوية المتسمة بالبراءة البدائية أن الفن في النهاية هو الواقع الذي يستخدم دائما في السعي لتحقيق حلم تكامل إنساني. فالإنسان أينما كان وفي أي عصر يعيش يمتلك الشعور بالاتحاد مع الطبيعة وتجمعه وحدة سحرية مع أرضه، والفن أحد الوسائط التعبيرية السحرية عن هذا الشعور.. وكان ذلك يراودني وبشكل قوي، ولهذا أستطيع القول بأن الفزاعة منحتني حرية تامة في اختيار الشكل الفني؛ وأعتقد أيضا بأن الاختزال ضرورة مهمة في تجربتي وفي تكوين بنية فنية لأعمالي.. وبالتالي أنا أرسم عالما لا أراه إلا في داخلي..
وفي رأيي أن اللوحة التي لا تفيض حريةً.. فاشلةٌ إنسانيا على مستوى الفن ومستوى الرؤية في أي بقعة من بقاع العالم.
بعد أثر "الفزاعات" يلمس المشاهد للوحاتك ما هو قريب لمبدأ "التشييء"، هل تتفق مع هذا الطرح ؟
- اعتقد بأن العمل الابداعي وبكل اشكاله وصنوفه يُخضِع ما هو "فكرة" او "تصور" الى ما هو مادي وملموس في نتاجه الابداعي، في معرض (فضاء آخر) ومعرض (أرض أخرى) ومعرض (نوافذ) كان الموضوع مركبا، يبنى على ما هو ملموس، ويذهب نحو ما هو حلم وأسطورة، فكان عليّ أن أعمل على تعادل الألوان والأشكال فوق سطح اللوحة، وأن أستخرج رموزاً موجودة في داخل كل منا، لذا حاولت أن أعطي بعدا ثالثا للطير أو الكرسي أو أي شيء آخر، من خلال صياغتها في جوها الغريب.. ليبدو اللون وكأنه موسيقى.. والحياة في بداية تشكلها.. وأعترف هنا أن روح القصيدة هي الأم الشرعية للوحة لدي، وعندما ألتقي معها في لحظة نقاء الروح.. تهزني وتحرضني على الرسم.
* اجتراء الفعل الابداعي في ديمومته يؤكد ويواكب المبدع باتجاه ما هو متفرد وجديد.. ما القادم لديك في معترك حلمك كفنان تشكيلي ؟
- الجديد قادم لا محالة طالما هناك يوم جديد آخر آتٍ تحت المجرة الكونية .. وأجدني استحضر قولا جميلا لرسول حمزاتوف اختم فيه مداخلاتي وهو " العالم يبدأ من عتبة بيتي، والوطن من قلبي" !.
* يشار الى أن الفنان محمد نصر الله درس الفن في معهد الفنون الجميلة وحاز على دبلوم فنون من المركز الثقافي الإسباني بعمان، وأقام أكثر من أحد عشر معرضا وشارك كذلك في عدد كبير من المعارض العربية والدولية سواء في صالات العرض أو في البناليات الدولية !
خاص- رائده الشلالفه - في مداخلات أقرب الى البوح، كشف الفنان محمد نصر الله الكثير الشفيف من دواخل روحه التي لا زال يسكنها هاجس الانسان في تعالقه مع مفردة "الوطن" كمفهوم، سعى إزائها نصر الله جاهدا ليضمنّها رتوشٍ عبّرت عن تساؤلاته وعالمه الجواني في حراك تحار أمامه حيال سؤال "الانتماء" ومن ينتمي للآخر.. الوطن ينتمي اليه.. أم هو المنتمي للوطن بافتنان؟؟
في حرفية لوحاته تشهد نموذجا يعكس حالة متقدمة من الوعي والاندماج لقضايا تبنتها ريشته وقبلا احاسيسه الناضجة ، ليحقق حراكه الفني إضافة في المشهد الفني التشكيلي الاردني الى جانب ما تمثّله اعماله لترجمةٍ فاعلة وحقيقية نجح خلالها بتصوير المشهدية الكاملة لمحتوى "الوطن" كما تراه الذات الجمعية في اكثر من مكان .
ولد الفنان التشكيلي محمد نصرالله عام 1963 في مخيّم الوحدات في العاصمة الأردنيّة عمان، بدأ اهتمامه بالرّسم منذ الطفولة في "خربشات" ابداعية بدأها بتخطيطات حملتها دفاتره وأسوار بيته، وليلتهم شغف الحنين الى الوطن في ابداعات واكبت نضوج تجربته التي قال فيها الاديب الكبير الراحل جبرا ابراهيم جبرا " الفنان محمد نصر الله هذا الفنان يحوك كل سنتمتر من لوحته حياكة عاشق لما تصنعه يده، وتراه عينه الداخلية، والدقة في تفاصيله عارمة بما تطلقه من ايحاءات، فهو واضح وغامض معاً، محب وغاضب معاً، هامس وصارخ في وقت واحد، ... اعماله تذكرنا برعب الإنسان... وفي الوقت نفسه بقدرته على اختراق الرعب.
محمد نصرالله فنان جميل بروحه المعذبة، معذبة بحس الجمال في الحياة وحس الرعب فيها الذي لن يتغلب عليه إلا بحبه الهائل.. ان أعمال محمد نصرالله ليست اضافة للحركة التشكيلية الأردنية فقط، انها اضافة للحركةالتشكيلية العربية المعاصرة.
وفي مساحة آذارية دافئة دار الحوار التالي مع المبدع الفلسطيني الفنان التشكيلي محمد نصر الله :
* في قراءة سريعة لمجمل اعمالك الفنية يستطيع المتلقي المتخصص إدراك التنوع الموضوعي والبصري الذي تحملها لوحاتك للأرث السياسي والاجتماعي الفلسطيني، قال بشأنها نقاد متابعون انها موزعة ما بين الواقعية التعبيرية، والتعبيرية الرمزية، والسريالية المنفتحة على التراث حيناَ والمقاومة الشعبية الفلسطينية في كثير من الأحوال، ما هي الاسباب التي دفعت باتجاه توظيفك لمفهوم "أيدلوجيا الوطن" في تجربتك الفنية التشكيلية ؟
- بداية استذكر قول الفيلسوف مايكل انجلو بقوله "نافذة واحدة للجمال والحرية" إن الذي أريد أن أريه في عملي هو الفكرة التي تكمن وراء ما يسمى بالحقيقة فأنا أبحث عن الجسر الذي يصل المرئي باللامرئي)، في مخيم الوحدات، عندما كنت في السادسة من عمري، كنت أحلم أن أحمل بندقية خشبية مثل أولاد حارتنا، الذين يلعبون عسكر وحرامية، فطلبت من شقيقي أن يصنع لي واحدة، فوعدني بذلك، فلم أنم تلك الليلة، وفي صباح اليوم التالي أحضرت له خشبا وسلكا ومسامير وماسورة وفلين… وجلست بجانبه وبدأت أتأمل وبكل دهشة جميع الاتجاهات التي تتحرك بها يده فرحا… وبعدها تحقق الحلم، ولم أكن أدرك ما يدور فيّ من أحاسيس، أخذت البندقية واتجهت نحو بستان، وقررت وقتها أن أجتاز الأسلاك الشائكة ونتيجة ذلك جرحت وبدأ الدم يتدفق من ذراعي وكان الوقت ظهرا، ولم أكد استريح قليلا حتى شعرت بالألم أكثر فأكثر يتسرب في كل أنحاء جسمي، وفجأة ودون أن أدري من أين أتى صاحب البستان وألقى القبض عليّ .. وعلى ما يبدو أن الأمر لم يعجبه.. فتناول يدي ولواها خلف ظهري ثم سحب البندقية الخشبية من يدي الثانية وحطمها … وأخذ يدفعني بقوة، فلمحت الكلب الأسود الذي جئت لأطلق عليه طلقات الفلين.
في تلك الأيام كنت أكتشف اسم فلسطين، وأشعر كأنني أسير وسط جوقة موسيقية تغني اسم ذلك الغائب القريب: الوطن.
وهكذا كانت هذه هي الإشراقة الأولى والبداية الحقيقية في تجربتي، فكلما نظرت إلى ذراعي منحتني الحياة نافذة أخرى إلى الحرية التي تختفي وراءها كل الأحداث والأشياء في عملية الخلق والتطور والتحول.
فهل أقول : إن ذلك الذي صنع لي البندقية الخشبية أيام طفولتي هو الذي دفعني إلى معرفة معنى اللون…وهل أقول إنه أيضا ذلك الذي حطمها حين رآها في يدي.
كان عليّ أن أكسّر الدبش الأبيض الطباشيري وأخربش على جدران بيوت حارتنا… لأرسم شجرة وأجردها من هيئتها وأن أجرد المرئيات من واقعيتها بطريقتي.. ولكن الذي نلته من جراء ذلك من أهل تلك الجدران أن أضرب بالعصا وألاحق… فكانت النتيجة ردة فعل شخصية.. لأُقبلَ على اللون برغبة أشد.. وأنا طفل لم يتجاوز السابعة من عمره يومها. في حياة مخيم الوحدات الباكي بإشراقته.. وقسوة الحياة فيه ومرارتها.. دخلت تجربتي مع الرسم.. وعلى الرغم من هذا لا أستطيع القول إن ثمة شيئا واحدا لعب الدور الحاسم في ذلك، فأنا لا أعرف كيف يتجمع العالم في إنسان. لأن مخيم الوحدات كان أكبر من قصة، أكبر من رواية، كان تغييرا، وإنسانا جديدا يصهر، في واقع حياة الطفولة المليئة بكل ألوان القهر…
* بعيدا عن البيئة الخصبة التي مهدت لولادة الفنان التشكيلي بدواخلك، هل ثمة موهبة اشتغلت عليها لمواكبة بزوغ الفنان لديك ؟
- لا شك أن البيئة والمناخ الاجتماعي يشكلان عنصرا جاذبا باتجاه ولادة المكنون الابداعي لدى الفرد، حيث تعد البيئة من العوامل المحيطة المهمة التي تؤثر بالفرد بشكل أو بآخر في تعزيز مدركاته الحسية ، في بعض الاحيان يتحرك المرء فينا بدافع الذات الجمعية، يحمل العام منها ويؤطره في قناة الخاص، الارث النضالي الفلسطيني واكب مجاميع هائلة من الجماهير في تعاطيها الايدلوجي والسياسي تجاه القضية، ولم يكن بعيدا علي وانا ابن بيئة شأنها شأن اي بقاع عربية اخذ الايقاع النضالي الفلسطيني حيزا في تقويمها من ان اكون احد تلك المجاميع، عندما كنت طالبا في المرحلة الإعدادية، لم تسلم كتبي من تخطيطاتي لشعارات تمجّد الشكل والنضال الفلسطيني، لهذا كان الرسم هوايتي الأساسية، وكان مدرس مادة الجغرافية يكلفني برسم الخرائط المدرسية ومجلة الحائط، وكان أكثر ما يميز هذه المجلة هو تكرار رسم خريطة فلسطين بانسيابها الجميل لدرجة أن كثيرين من زملائي الطلاب كانوا يُحضرون دفاترهم ويطلبون مني رسمها.
* متى ظهر محمد نصر الله بوصفه الفنان التشكيلي في شخصيتك ؟
- كان ذلك في أول نشاط فني لي في المرحلة الثانوية بمدرسة حسن البرقاوي التجارية عام 1979، وقتها عرضت أعمالي وأشترى مدرس اللغة الإنكليزية لوحتين بقيمة 3 دنانير، وفرحت كثيرا، وقبل نهاية المرحلة الثانوية طلب مني مدير المدرسة إبراهيم الجرابعة أن أقيم معرضا فنيا بمناسبة يوم النشاط المدرسي ومنحني مكافأة مالية قدرها 50 دينارا، وقد أحب الطلاب الأعمال إلى درجة أن نصف اللوحات قد سرقت خلال ثلاثة أيام.
بعد نهاية المرحلة الثانوية التحقت بكلية مجتمع لأدرس إدارة أعمال، وفي تلك الفترة كنت أوظف قصائد المقاومة داخل أعمالي وأرسم باللون الأبيض والأسود، وكنت أتعامل مع كلماتها حين أكتبها داخل الأشكال من دون نقاط.
وطوال السنوات اللاحقة كنتُ أعاني وأرسم معاناتي… فالمعاناة هي التي علمتني من الفن أكثر مما تعلمته من المدارس الفنية.
وباعتقادي أن الدور الحقيقي للفن هو تغلغله في النفس البشرية والتأثير عليها لتغيير قيمها المستهلكة تدريجيا، وبذلك يفتح الفن في داخلها نافذة للتطلع إلى الجمال والحرية، وهما قيمتان لا بد منهما لكي يدرك الإنسان وجوده.
* تقع تجربتك في منطقة مغايرة للمشهد الفنّي الأردني لما تعكسه أعمالك من تفردية حملت انعكاسات الشخصي/والمهني، هناك اشارات للعزلة والصمت واخرى تعكس مساحات ثورية خجولة، أين / وما هو عنوان مشروعك الفني التشكيلي ؟
- كان همي هو الأساس فيما صنعته حتى الآن… وأنا كغيري أشعر أنني مطالب أكثر من أي وقت مضى في تجربتي بتقديم رؤيتي لما أعيشه من تجارب على المستويين الخاص والعام… ومنذ أن وجدت أسلوبي منذ معرضي الأول (أناشيد التراب)، والمشاهد المتتبع لأعمالي يستطيع التعرف على الخيط الأسلوبي الواصل بينها بسهولة، ويمكن أن أشير هنا إلى أن عدم تأثري بفنان بعينه، يعود ربما بالدرجة الأولى إلى أنني لم أدرس الفن أكاديميا، وكثيرا ما يقع الطالب تحت تأثير أستاذه، أو أحد الفنانين الذين يدرس تجاربهم، أما السبب الثاني، ربما، فأعيده إلى انفتاحي بشكل عام على متابعة الأعمال التشكيلية بمجملها ومنذ البداية، ولذا لم أقع أسير فنان ما… فهذا الاطلاع ساعدني على أن أهضم ما أراه من أعمال فنية، وأن أكون حرا منها.
أما فيما يتعلق بالتحول نحو التجارب الجديدة في أعمالي … فما هو إلا محاولة وسعي للوصول إلى لغة تشكيلية أكثر اتساعا وشفافية لتطوير تجربتي التي ابتدأت منذ أكثر من عشرين سنة ولكنها بدأت تأخذ شكلها المعقول قبل خمسة عشر عاما.
ففي تلك الأيام، وقبل عام ونصف من المعرض الأول (أناشيد التراب)، كنت قد بدأت التحضير لمعرض، وكان لدي حوالي 30 لوحة.. إلا أنه أثناء الرسم ظهرت نتائج جديدة في تجربتي فنسيت ما كنت أنجزته تماما، أي نسيت الثلاثين لوحة، وبدأت بالعمل على اللون البني وملامس اللون، وساعدني في ذلك التفرغ الإجباري للرسم أيامها، حيث لم أكن أعمل، ومنذ أن بدأت النتائج الجديدة بالظهور حتى أحسست أن أفضل طريقة للتعامل مع الفن أن تتحرر من كل القوانين، لأن الفن نفسه أعظم من أي قانون أو دستور… والقوانين الجديدة يجب أن يبتكرها الفنان نفسه، في سعيه لابتكار عوالم مختلفة وغير مألوفة من قبل، ولم يكن قيام أمي بافتتاح معرضي الأول الذي أقيم في المركز الثقافي الفرنسي ـ عمان، إلا محاولة لتجسيد فكرة علاقة الفن بالبشر، علاقته بالحياة، وعلاقته بقضايا الإنسان بعيدا عن أي شكليات.
في عام 1990 أقمتُ معرضي الثاني (أناشيد التراب 2)، وحينها كانت قد بدأت حرب الخليج، وأشار بعض الأصدقاء عليّ بتأجيل موعد افتتاح المعرض، إلى وقت لاحق، تكون (الأوضاع) فيه قد أسفرت عما هو واضح.
ولكنني في النهاية توصلت إلى الحقيقة البسيطة التي تقول: إن كل هذه الأساطيل والجيوش القادمة من وراء المحيطات، لم تأت إلى هنا إلا لتحرمنا من كل شيء جميل، تحرمنا من الوطن، من الأغنية من اللوحة والنشيد الذي يليق بنا وبأرواحنا.
وتذكرت الحقيقة الأبسط: إن للعمل الفني زمنه الجميل، والزمن الجميل هو زمن تحدٍ.
ولذا وجهت رسالة إلى الأصدقاء قلت فيها: يسعدني توجيه التحية إليكم ودعوتكم لنغني معا (أناشيد التراب).
* باعتقادك، ما هو دور الفنان التشكيلي في اختزال مقاربات الواقع وتقديمها كوجبة جاهزة تثري مدارك المتلقي؟
- أود أن أشير هنا إلى أننا إذا كنّا كفنانين لا نقدم قراءات إنسانية لما نعيشه ونحس به… فمن نحن إزاء قضايا الإنسان وقضايا الفن؟
والصحيح، وبكل اعتزاز، أستطيع القول إنني ابن للانتفاضة، ابن مناخها العام وما حدث فيه من تغيرات، فأهم ما أنجزته كان في زمنها وكان عنها ولها وحدها… ولم يكن هذا قرارا مني… بل لان الانتفاضة استطاعت بعظمتها أن تكوّن الجانب الإبداعي داخلي… بعظمتها وقوة روحها.
فالانتفاضة باعتقادي لم تؤثر على الفنان فقط، بل إنها الإنسان وأعادت صياغته من جديد بقدر أو بآخر… بوعي أو بدون وعي. ولذا رأيت أن الانتفاضة تتويج لعملية خلق الإنسان الفلسطيني، وكان عليّ أن أتعامل معها كما أفهمها وأقدمها للآخر -المعني بدوره أيضا بها - .. حيث عاد الإنسان الفلسطيني ليجمع دمه وتاريخه ليشكل شخصيته من العناصر الموجودة في وطنه والتي هي هدفه: التراب.
وأعترف أنني حاولت دائما أن أترك المجال للمشاهد ليبحث هو ويكتشف بنفسه الحياة داخل أعمالي، واكتشاف الناس في أعماق اللوحة وزواياها... هؤلاء الناس الذين شيدوا هذه الأناشيد ورفعوا راية في وجه الموت، وحين رسمت لم يكن في ذهني أن أعبّر عن الانتفاضة بصورة مباشرة، كان بودي أن أعبّر عن روحها وظلال هذه الروح.. وقد استخدمت لذلك مفردات فنية كثيرة..
لذلك أحرص على ضرورة الخطاب الفني – الإنساني في اللوحة.. وعلى مقولة حمدي خميس (الفن لا يخرج إلا من إنسان ملتزم وعليه واجبات).. فمثلا الذي يجعل من غرنيكا صورة عظيمة ليس كون المدينة قد ضربت بالقنابل بل لان الذي أوجد الصورة هو فن بيكاسو.. وهنا كان لا بدّ أن تتحد القضية مع الإنسان.
ولذلك أريد أن أقول إن الانتفاضة قادتني للتعبير عنها، لأنها كانت صورة للروح. ولكن هذه الأعمال بقدر ما هي طالعة من أجواء الانتفاضة أو روحها فهي في الحقيقة تمتد دائما إلى الجذور البعيدة لحياتي وطفولتي وأظن أن كل عمل فني بقدر ما هو محصور بالتعبير عن حالة معينة بقدر ما هو طليق ويعبر عن الماضي المخزون والمستقبل أيضا.
*كيف زاوج الفنان نصرالله بين الفن المرئي مع فعل الشعر
- مثلما عبرتُ عن روح الانتفاضة وليس عن حرفيتها.. فكذلك حدث مع القصيدة... إذ أنني قريب من الأدب، الشعر بشكل خاص... ولكن في النهاية أنا مدرك أن اللوحة لها خصوصيتها ويجب أن تختلف عن الشعر.. وحتى حينما تستوحي من قصيدة فيجب أن تضيف إلى القصيدة معان جديدة. أو تخرج معانيها المجهولة.. أو ما لم يره الناس فيها.. وأن تكون في النهاية كائنا مستقلا له خصوصيته.
* كيف تنظر الى تجربتك الفنية، وهل انت راضٍ عنها ؟
- في عام 1992 حين التقيت الكاتب الكبير جبرا إبراهيم جبرا للمرة الأولى، دار حوار بيني وبينه وكنت خجولا ومرتبكا كثيرا، وبالرغم من ذلك كان قد سبق وشاهد أعمالي من قبل، وأنا أقف أمام هذا الكاتب الكبير وهو يسأل وبكل شفافيته: أين درست الفن؟ وأسئلة أخرى حول التقنية التي استخدمها، كان هذا في افتتاح معرض الفن التشكيلي الأردني المعاصر في مركز صدام للفنون ببغداد، وكان معه النحات محمد غني حكمت وحينها أبدى جبرا إعجابه بأعمالي وبكل تواضع، بالتكنيك وبضربات السكين وبالألوان وبساطتها المدروسة على سطح اللوحة، وفي الوقت نفسه دعاني لزيارة بيته في شارع الأميرات فذهبت أنا وصديقي محمود عيسى موسى واحتفى كثيرا بقدومي وأخذ يطلعني على مكتبته وأعماله الفنية في الطابق الأول والثاني، وقبل أن نجلس قال لي هذا الإنسان المتأمل والمرهف الحس جملة لا أنساها : أنت من عائلة مبدعة وإنك حقا فنان مبدع وتملك خصوصية في عملك تختلف عن الآخرين، وأجد من خلال أعمالك كأنك تقوم بتأسيس قاعدة خاصة بك، والذي أريده منك هو أن لا تنظر إلى كل ما يكتب عنك، المهم هو أن تبقى دائما ترسم.
وبعد شهور التقيت جبرا للمرة الثانية في عمان وكان وقتها من المشاركين في مهرجان جرش، وقد تصادف أن معرضي الثالث (طيور وفزاعات) كان يقام في الفترة ذاتها بالمركز الثقافي الملكي، وكان جبرا من بين الكتاب الذين حضروا معرضي، وقد غمرني بمحبته حين صرح لمندوب وكالة رويتر، عن حسه ب (طيور وفزاعات)، لذا فأنا مدين له بالوفاء لأنه منحني هذه الشهادة وحررني أكثر كي أبصر الأشياء التي حولي بشكل أوضح وأعمق وأغنى.
* في معرضك "طيور وفزاعات".. بدت علاقتك جلية وواضحة بأثر "الفزاعات" على مخيلة الفنان والانسان لديك، كيف تحرك هذا الاثر كأداة في مجمل صنع اللوحة ؟؟
- في معرض طيور وفزاعات.. وهي فيما تعرف بناطورة الخضرة، فقد أدخلتها في أعمالي كمخلوق إنساني.. فني.. يثير الرعب ليس في الطيور والعصافير، وإنما في أرواح البشر، فكم أخافتني هذه الفزاعات أيام طفولتي حين كان يقودني شقيقي للحقول ليصطاد العصافير، والآن وضمن المراحل والظروف الراهنة والاسقاطات.. فرضت نفسها عليّ لأدرك في النهاية وبشكل من العفوية المتسمة بالبراءة البدائية أن الفن في النهاية هو الواقع الذي يستخدم دائما في السعي لتحقيق حلم تكامل إنساني. فالإنسان أينما كان وفي أي عصر يعيش يمتلك الشعور بالاتحاد مع الطبيعة وتجمعه وحدة سحرية مع أرضه، والفن أحد الوسائط التعبيرية السحرية عن هذا الشعور.. وكان ذلك يراودني وبشكل قوي، ولهذا أستطيع القول بأن الفزاعة منحتني حرية تامة في اختيار الشكل الفني؛ وأعتقد أيضا بأن الاختزال ضرورة مهمة في تجربتي وفي تكوين بنية فنية لأعمالي.. وبالتالي أنا أرسم عالما لا أراه إلا في داخلي..
وفي رأيي أن اللوحة التي لا تفيض حريةً.. فاشلةٌ إنسانيا على مستوى الفن ومستوى الرؤية في أي بقعة من بقاع العالم.
بعد أثر "الفزاعات" يلمس المشاهد للوحاتك ما هو قريب لمبدأ "التشييء"، هل تتفق مع هذا الطرح ؟
- اعتقد بأن العمل الابداعي وبكل اشكاله وصنوفه يُخضِع ما هو "فكرة" او "تصور" الى ما هو مادي وملموس في نتاجه الابداعي، في معرض (فضاء آخر) ومعرض (أرض أخرى) ومعرض (نوافذ) كان الموضوع مركبا، يبنى على ما هو ملموس، ويذهب نحو ما هو حلم وأسطورة، فكان عليّ أن أعمل على تعادل الألوان والأشكال فوق سطح اللوحة، وأن أستخرج رموزاً موجودة في داخل كل منا، لذا حاولت أن أعطي بعدا ثالثا للطير أو الكرسي أو أي شيء آخر، من خلال صياغتها في جوها الغريب.. ليبدو اللون وكأنه موسيقى.. والحياة في بداية تشكلها.. وأعترف هنا أن روح القصيدة هي الأم الشرعية للوحة لدي، وعندما ألتقي معها في لحظة نقاء الروح.. تهزني وتحرضني على الرسم.
* اجتراء الفعل الابداعي في ديمومته يؤكد ويواكب المبدع باتجاه ما هو متفرد وجديد.. ما القادم لديك في معترك حلمك كفنان تشكيلي ؟
- الجديد قادم لا محالة طالما هناك يوم جديد آخر آتٍ تحت المجرة الكونية .. وأجدني استحضر قولا جميلا لرسول حمزاتوف اختم فيه مداخلاتي وهو " العالم يبدأ من عتبة بيتي، والوطن من قلبي" !.
* يشار الى أن الفنان محمد نصر الله درس الفن في معهد الفنون الجميلة وحاز على دبلوم فنون من المركز الثقافي الإسباني بعمان، وأقام أكثر من أحد عشر معرضا وشارك كذلك في عدد كبير من المعارض العربية والدولية سواء في صالات العرض أو في البناليات الدولية !
تعليقات القراء
لفتة غريبة وجدا رائعة ان يقوم الفنان محمد نصرالله بمشاركة بمشاركة امه لافتتاح معرضه
اعتقد انها سابقة عالمية
الى الامام وشكرا جراسا القلب
وألف تحية لأمهاتنا
والف الف الف تحية لأمهات الشهداء
اتفق مع الاخت منال من ان نشارك من نحب نجاحاتنا
والى جراسا
دائما متألقين بتقاريركم
فيه لوعة وحب فيه شجون ومثابرة
نعم
الفن بكل صورة ادوات للرقي
وليس ارقى من ابداعنا الفلسطيني وعلى رأسهم الراحل محمود درويش
واعتقد ان كل مبدع واديب ورسام هو ثروة لوطنه
وعاشت فلسطين
ولم احضر اي معرض في حياتي
لكن لو كنت اعرفك يا استاذ محمد ووجهت الدعوة لي لحضور احد معارضك سوف أأتي
اجمل ما في المقال هو ذلك الثوب المطرز بتراثنا الذي سيبقى شوكة في حلق الصهاينة الذين يحاولون سرقة تراثنا
تحية من القلب الى جراسا
لقد بحثت عنه في الانترنت ووجدت لوحات معبرة ومضمونها حقيقي فيه من الروعة الكثير
وشكرا للنشر
ام انجبت الرائعين المبدعين
والى جراسا
تصرون دائما على التفرد
وجراسا نيوز موفقة في تسليط الضوء على ذلك الفن
لان اخبار الفن التشكيلي الاردني محصورة على بعض جهات تكتب فقط ما تريده ان يظهر
شكرا
واجمل الخربشات تلك التي لم (تخربش) بعد
تحية مودة ومحبة وتقدير للفنان نصرالله
يني في خارطة العالم
السياسة لم تعد تجدي نفعا
فليكن القلم والريشة سلاحنا المتأهب لفرض المشهد الفلسطيني على العالم قاطبة
وللفنان الرائع ابن المعاناة الفلسطينية التي نفتخر بنسبتنا لها كل التقدير
ولجراسا نيوز المحبة والوعد
انظرو الى نظرة الافتخار بعين الام
انها تستحق ذلك
وشكرا يا جراسا على هذا الموضوع
والكنز الاكثر اهمية ان توجه الموهبة لخدمة القضية التي يؤمن بها الفرد
انجازات رائعة للفنان نحترمها
ولجراسا نيوز الشكر
ارجو النشر
وتحية اصيلة لهذا الشاب الاصيل الذي خرج الى حيز الابداع بجهده
والحمد لله الذي خلقني فلسطينا
هل نهمش المبدعين من اجل ان لا نقول هناك اهتمام مقصود
يا اخي تعودنا في الاردن ان لا نكتب عن المبدعين الا بعد رحيلهم
هل ننتظر ذلك لنكتب عنهم
اتقي الله
ولجراسا كل الحب والتقدير
جميلون يا جراسا
بس بدنا نوكل جعانيين وطنية وخبز
ومسالة (التلميع) نحن لسنا في حملة انتخابية .. واهلا بك
وتلك الام بثوبها الملائكي هي رمز الام الفلسطينية
وكل مبدع فلسطيني
بطل
بطل
ومعا على طريق كل ما هو حر وجميل
وكل الحب لأمهاتنا
والى امهات الشهداء
كل ابناء القضية ابنائكن
أكتب تعليقا
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. - يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |


الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...
تحية للفنان نصرالله مثال الرموز الابداعية الفلسطينية