أمريكا وإيران بعد الانتخابات .. هل تبدأ ساعة الحرب أم تنضج صفقة اللحظة الأخيرة ؟
تقف الولايات المتحدة وإيران أمام واحدة من أخطر لحظات المواجهة منذ اندلاع الحرب في الثامن والعشرين من شباط الماضي خاصة وان المفاوضات التي كان يفترض أن تفتح نافذة للخروج من الحرب لم تنجح حتى الآن في إنتاج اتفاق واضح بينما تتحرك القطع العسكرية في الخليج وتتعرض الملاحة في مضيق هرمز لمخاطر متزايدة وتتصاعد التحذيرات من جولة جديدة قد تكون أوسع وأشد كلفة وبينما يتوجه الأمريكيون اليوم إلى صناديق الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس فإن السؤال الذي يتجاوز نتائج الانتخابات هو ما إذا كان دونالد ترامب سيختار التصعيد العسكري لفرض شروطه أم سيبحث عن صفقة سياسية تحفظ ماء الوجه وتمنحه مخرجاً من حرب باتت أعباؤها تتسع داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ما يجعل هذه اللحظة شديدة الحساسية أن واشنطن وطهران لا تتحركان على أرضية تفاوضية مستقرة بل من موقع انعدام ثقة عميق تراكم بفعل الضربات العسكرية والحصار البحري والتهديدات المتبادلة حيث انتهت جولة المحادثات غير المباشرة في الدوحة دون اختراق حاسم رغم استمرار الوساطة القطرية وعودة الوسطاء إلى طهران لمناقشة مسودة اتفاق يجري تداولها وفي الوقت نفسه تحدث ترامب عن إمكانية التوصل إلى تسوية بينما أعلن نائبه جي دي فانس وجود تقدم في الاتصالات كما أكدت طهران أن كل شيء يتوقف على استجابة واشنطن لشروطها وهذا التباين الواضح لا يعني أن الاتفاق أصبح قريباً بقدر ما يكشف أن الطرفين يريدان إبقاء باب التفاوض مفتوحاً دون التخلي عن أوراق الضغط المتبادلة .
العقدة الأساسية في المسار تكمن بأن إيران تريد اتفاقاً يبدأ بإنهاء الحصار الأمريكي على موانئها وتخفيف القيود على صادراتها النفطية وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة ثم الانتقال لاحقاً إلى الملفات الأخرى وقد أعادت طهران طرح خطتها ذات الخطوات السبع بعد اختصار آلية تنفيذها إلى يومين بما يسمح ببدء إجراءات متبادلة وسريعة إذا وافقت واشنطن على الشروط الأساسية لكنها في ذات الوقت ترفض العودة إلى المفاوضات النووية قبل التحقق من تنفيذ التفاهمات المتعلقة بالحصار والعقوبات كما ترفض نقل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج وهنا يظهر جوهر الخلاف فواشنطن تريد معالجة الملف النووي وضمانات أمنية طويلة الأمد بينما تريد طهران وقف الضغوط أولاً والحصول على ضمانات تمنع تكرار الحرب قبل الدخول في مفاوضات جديدة.
على الجانب الاخر يجد ترامب نفسه أمام معادلة لا تخلو من التناقض فهو لا يريد أن يظهر أمام الداخل الأمريكي بمظهر الرئيس الذي عجز عن إخضاع إيران بعد أشهر من الحرب والحصار والتهديدات لكنه يدرك في المقابل أن توسيع العمليات العسكرية لن يضمن تحقيق الأهداف السياسية التي أعلنتها واشنطن خصوصا وان الضربات قد تدمر منشآت إضافية وتستنزف قدرات عسكرية إيرانية لكنها لا تستطيع وحدها في النهاية فرض استسلام سياسي أو ضمان فتح المضيق بصورة دائمة أو منع إيران من إعادة بناء قدراتها والأخطر أن أي مواجهة واسعة قد تفتح جبهات متزامنة ومساندة تضع القوات الأمريكية وقواعدها ومصالح حلفائها أمام مخاطر لا يمكن حصرها بسهولة.
وفق هذا التصور لا يجوز التعامل مع الانتخابات النصفية باعتبارها تفصيلاً داخلياً منفصلاً عن قرار الحرب لأن نتائجها ستحدد طبيعة البيئة السياسية التي سيتحرك فيها ترامب خلال المرحلة المقبلة ومدى قدرته على تمرير سياساته وسط تصاعد الاعتراضات على كلفة الحرب وتأثيرها المباشر في أسعار الطاقة والتجارة والاقتصاد الأمريكي وإذا فقد الجمهوريون السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما فقد يجد البيت الأبيض نفسه أمام رقابة أشد ومساءلة أوسع وضغوط متزايدة لتفسير أهداف الحرب وتبرير نفقاتها وحدودها وأما احتفاظهم بالأغلبية فلن يمنح الرئيس بالضرورة تفويضاً مفتوحاً لمواصلة حرب طويلة لا يعرف الأمريكيون متى تنتهي ولا ما الثمن الذي سيدفعونه من أجلها.
في المقابل لا تبدو إيران مستعدة لتقديم أي تنازلات تحت ضغط التهديد العسكري خاصة وانها تدرك أن قدرتها على التأثير في مضيق هرمز تمنحها ورقة استراتيجية تتجاوز حدود المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة لان المضيق ليس ممراً إيرانياً داخلياً فقط بل شريان حيوي للطاقة والتجارة العالمية ويمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية في الظروف الطبيعية وأي تعطيل طويل لحركة الملاحة لا ينعكس على واشنطن وطهران وحدهما بل يمتد إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية وإلى الدول الخليجية التي تعتمد اقتصاداتها على التصدير والاستقرار البحري ولهذا فإن طهران تراهن على أن كلفة إغلاق المضيق أو تهديد الملاحة به ستدفع أطرافاً دولية وإقليمية إلى مواصلة الضغط باتجاه تسوية مقبولة لا تقوم على فرض الشروط الأمريكية وحدها.
الخطر الأكبر الذي يتهدد المنطقة هو أن تتحول المواجهة من حرب أمريكية إيرانية إلى صراع إقليمي واسع سيما وان إسرائيل بقيادة نتنياهو تدفع باتجاه استئناف الضربات وتوسيعها ضد إيران بينما تحاول واشنطن الموازنة بين مطالب حليفها الإسرائيلي ومخاطر الانجرار إلى حرب جديدة ولا يعني ذلك بالطبع أن القرار الأمريكي بات خاضعاً بالكامل للرغبة الإسرائيلية وحسابات الولايات المتحدة تبقى أوسع من رغبات حكومة نتنياهو حيث تشمل أمن القوات الأمريكية ومصالح الطاقة وحركة التجارة ومواقف الحلفاء ومع كل ذلك فإن أي ضربة واسعة قد تستدعي رداً إيرانياً عنيفا على أهداف أمريكية أو إسرائيلية أو مصالح لدول اخرى في المنطقة تفتح المجال أمام انطلاق جبهات أخرى في لبنان واليمن والعراق وبما يجعل احتواء التصعيد أكثر صعوبة وتعقيد .
الدول الخليجية قد تجد نفسها في قلب هذه المعادلة رغم أنها ليست صاحبة القرار في إشعال الحرب أو إنهائها وهي تتحمل مخاطر استهداف منشآتها النفطية وموانئها ومحطات الطاقة والتحلية فضلاً عن اضطراب الملاحة وارتفاع كلفة التأمين والشحن وتراجع الثقة الاقتصادية وقد بدأت بعض هذه الدول رفع مستوى التأهب والاستعداد الأمني وتوجه تحذيرات إلى طهران من استهداف بنيتها التحتية بينما بموازاة ذلك تواصل قطر وباكستان وساطاتهما لتقريب وجهات النظر والمطلوب خليجياً ليس الانحياز إلى حرب جديدة ولا ترك المنطقة رهينة للتهديدات المتبادلة بل بناء موقف دبلوماسي جماعي يضغط لوقف العمليات العسكرية ويحمي أمن الدول والممرات البحرية ويرفض تحويل أراضي الخليج إلى منصات للصراعات وتصفية الحسابات.
عمليا هنالك ثمة عقدة أخرى قد تكون أكثر صعوبة من صياغة الاتفاق نفسه وهي مسألة الضمانات وآليات التنفيذ والتحقق لان إيران لا تريد أن تفتح مضيق هرمز وتخفف أوراق ضغطها ثم تكتشف أن الحصار يمكن أن يعود بقرار أمريكي جديد وأن الوعود بتخفيف العقوبات لا تتجاوز حدود التصريحات السياسية وواشنطن من جهتها لا تريد أن تقدم تنازلات اقتصادية وأمنية قبل التأكد من أن طهران ستلتزم بما تتعهد به في الملف النووي وأمن الملاحة وهنا تبرز أهمية وجود آلية تنفيذ متزامنة ومتدرجة تراقبها أطراف وسيطة قادرة على توثيق الالتزامات وتحديد المسؤولية عند الإخلال بها لان المشكلة تبقى ليست في امكانية الوصول إلى ورقة تحمل توقيع الطرفين بقدر ما هي في منع كل طرف من تفسيرها وفق مصالحه أو الانسحاب منها عندما تتغير حساباته ومن دون ضمانات متبادلة وجدول زمني واضح وآلية رقابة موثوقة ستظل أي تسوية معرضة للانهيار عند أول اختبار ميداني كما حدث في السابق .
بمتابعة التحليل الدقيق نلاحظ ان المشهد الراهن يفتح الباب امام ثلاثة مسارات لا يمكن الجزم مسبقاً بأيها سيتقدم الاخر الأول التوصل إلى تفاهم مرحلي يعيد فتح مضيق هرمز وينهي الحصار ويؤسس لبحث الملفات الأكثر تعقيداً في مرحلة لاحقة والثاني استمرار سياسة الاستنزاف من خلال الحصار والضربات المحدودة والتهديدات المتبادلة دون حرب شاملة أو اتفاق نهائي أما الثالث فهو انهيار المسار الدبلوماسي والانتقال إلى حملة عسكرية أوسع قد تبدأ بضربات أمريكية وإسرائيلية جديدة لكنها لن تضمن نهاية سريعة للصراع وما يزيد المشهد تعقيداً أن الضربات الأمريكية المحدودة التي استهدفت مؤخرا مواقع إيرانية في جزيرة قشم ومحيط مضيق هرمز والتلويح باستهداف حبل الفأس مع اقتراب موعد الانتخابات تكشف أن خطر الاحتكاك العسكري لم يعد افتراضاً بعيداً حتى مع استمرار الحديث عن تقدم في المفاوضات.
ختاما : إن توقعات ما بعد الانتخابات لن يكون بالضرورة بداية حرب جديدة ولا إعلاناً تلقائياً عن تسوية تاريخية بل مرحلة اختبار حقيقية لقدرة الطرفين على الانتقال من لغة التهديد إلى حسابات المصالح ولا شك بان ترامب يستطيع إصدار أوامر الضرب لكنه لا يستطيع ضمان النتائج السياسية والاقتصادية والعسكرية لكل ما قد يليها وإيران في نفس الوقت تستطيع إيلام خصومها وتعطيل مصالحهم لكنها لا تستطيع تجاهل الكلفة الهائلة لاستمرار الحرب على شعبها واقتصادها ومستقبلها وبين هذين الحدين تقف المنطقة أمام لحظة لا تحتمل المغامرات ولا تقبل أن تتحول إلى رهينة لمعادلات القوة لان الحرب التي لا تملك طريقاً واضحاً إلى نهاية سياسية ليست انتصاراً مهما بلغت قوة ضرباتها والصفقة التي لا تعالج جذور الأزمة لا تعتبر سلاماً بل هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار الى حين والسؤال الذي سيحكم الأيام المقبلة ليس من يملك القدرة على إطلاق الصاروخ الأول بل من يملك الشجاعة السياسية لمنع الصاروخ الأخير من إشعال المنطقة بأسرها.
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com
تقف الولايات المتحدة وإيران أمام واحدة من أخطر لحظات المواجهة منذ اندلاع الحرب في الثامن والعشرين من شباط الماضي خاصة وان المفاوضات التي كان يفترض أن تفتح نافذة للخروج من الحرب لم تنجح حتى الآن في إنتاج اتفاق واضح بينما تتحرك القطع العسكرية في الخليج وتتعرض الملاحة في مضيق هرمز لمخاطر متزايدة وتتصاعد التحذيرات من جولة جديدة قد تكون أوسع وأشد كلفة وبينما يتوجه الأمريكيون اليوم إلى صناديق الاقتراع في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس فإن السؤال الذي يتجاوز نتائج الانتخابات هو ما إذا كان دونالد ترامب سيختار التصعيد العسكري لفرض شروطه أم سيبحث عن صفقة سياسية تحفظ ماء الوجه وتمنحه مخرجاً من حرب باتت أعباؤها تتسع داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ما يجعل هذه اللحظة شديدة الحساسية أن واشنطن وطهران لا تتحركان على أرضية تفاوضية مستقرة بل من موقع انعدام ثقة عميق تراكم بفعل الضربات العسكرية والحصار البحري والتهديدات المتبادلة حيث انتهت جولة المحادثات غير المباشرة في الدوحة دون اختراق حاسم رغم استمرار الوساطة القطرية وعودة الوسطاء إلى طهران لمناقشة مسودة اتفاق يجري تداولها وفي الوقت نفسه تحدث ترامب عن إمكانية التوصل إلى تسوية بينما أعلن نائبه جي دي فانس وجود تقدم في الاتصالات كما أكدت طهران أن كل شيء يتوقف على استجابة واشنطن لشروطها وهذا التباين الواضح لا يعني أن الاتفاق أصبح قريباً بقدر ما يكشف أن الطرفين يريدان إبقاء باب التفاوض مفتوحاً دون التخلي عن أوراق الضغط المتبادلة .
العقدة الأساسية في المسار تكمن بأن إيران تريد اتفاقاً يبدأ بإنهاء الحصار الأمريكي على موانئها وتخفيف القيود على صادراتها النفطية وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة ثم الانتقال لاحقاً إلى الملفات الأخرى وقد أعادت طهران طرح خطتها ذات الخطوات السبع بعد اختصار آلية تنفيذها إلى يومين بما يسمح ببدء إجراءات متبادلة وسريعة إذا وافقت واشنطن على الشروط الأساسية لكنها في ذات الوقت ترفض العودة إلى المفاوضات النووية قبل التحقق من تنفيذ التفاهمات المتعلقة بالحصار والعقوبات كما ترفض نقل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج وهنا يظهر جوهر الخلاف فواشنطن تريد معالجة الملف النووي وضمانات أمنية طويلة الأمد بينما تريد طهران وقف الضغوط أولاً والحصول على ضمانات تمنع تكرار الحرب قبل الدخول في مفاوضات جديدة.
على الجانب الاخر يجد ترامب نفسه أمام معادلة لا تخلو من التناقض فهو لا يريد أن يظهر أمام الداخل الأمريكي بمظهر الرئيس الذي عجز عن إخضاع إيران بعد أشهر من الحرب والحصار والتهديدات لكنه يدرك في المقابل أن توسيع العمليات العسكرية لن يضمن تحقيق الأهداف السياسية التي أعلنتها واشنطن خصوصا وان الضربات قد تدمر منشآت إضافية وتستنزف قدرات عسكرية إيرانية لكنها لا تستطيع وحدها في النهاية فرض استسلام سياسي أو ضمان فتح المضيق بصورة دائمة أو منع إيران من إعادة بناء قدراتها والأخطر أن أي مواجهة واسعة قد تفتح جبهات متزامنة ومساندة تضع القوات الأمريكية وقواعدها ومصالح حلفائها أمام مخاطر لا يمكن حصرها بسهولة.
وفق هذا التصور لا يجوز التعامل مع الانتخابات النصفية باعتبارها تفصيلاً داخلياً منفصلاً عن قرار الحرب لأن نتائجها ستحدد طبيعة البيئة السياسية التي سيتحرك فيها ترامب خلال المرحلة المقبلة ومدى قدرته على تمرير سياساته وسط تصاعد الاعتراضات على كلفة الحرب وتأثيرها المباشر في أسعار الطاقة والتجارة والاقتصاد الأمريكي وإذا فقد الجمهوريون السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما فقد يجد البيت الأبيض نفسه أمام رقابة أشد ومساءلة أوسع وضغوط متزايدة لتفسير أهداف الحرب وتبرير نفقاتها وحدودها وأما احتفاظهم بالأغلبية فلن يمنح الرئيس بالضرورة تفويضاً مفتوحاً لمواصلة حرب طويلة لا يعرف الأمريكيون متى تنتهي ولا ما الثمن الذي سيدفعونه من أجلها.
في المقابل لا تبدو إيران مستعدة لتقديم أي تنازلات تحت ضغط التهديد العسكري خاصة وانها تدرك أن قدرتها على التأثير في مضيق هرمز تمنحها ورقة استراتيجية تتجاوز حدود المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة لان المضيق ليس ممراً إيرانياً داخلياً فقط بل شريان حيوي للطاقة والتجارة العالمية ويمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية في الظروف الطبيعية وأي تعطيل طويل لحركة الملاحة لا ينعكس على واشنطن وطهران وحدهما بل يمتد إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية وإلى الدول الخليجية التي تعتمد اقتصاداتها على التصدير والاستقرار البحري ولهذا فإن طهران تراهن على أن كلفة إغلاق المضيق أو تهديد الملاحة به ستدفع أطرافاً دولية وإقليمية إلى مواصلة الضغط باتجاه تسوية مقبولة لا تقوم على فرض الشروط الأمريكية وحدها.
الخطر الأكبر الذي يتهدد المنطقة هو أن تتحول المواجهة من حرب أمريكية إيرانية إلى صراع إقليمي واسع سيما وان إسرائيل بقيادة نتنياهو تدفع باتجاه استئناف الضربات وتوسيعها ضد إيران بينما تحاول واشنطن الموازنة بين مطالب حليفها الإسرائيلي ومخاطر الانجرار إلى حرب جديدة ولا يعني ذلك بالطبع أن القرار الأمريكي بات خاضعاً بالكامل للرغبة الإسرائيلية وحسابات الولايات المتحدة تبقى أوسع من رغبات حكومة نتنياهو حيث تشمل أمن القوات الأمريكية ومصالح الطاقة وحركة التجارة ومواقف الحلفاء ومع كل ذلك فإن أي ضربة واسعة قد تستدعي رداً إيرانياً عنيفا على أهداف أمريكية أو إسرائيلية أو مصالح لدول اخرى في المنطقة تفتح المجال أمام انطلاق جبهات أخرى في لبنان واليمن والعراق وبما يجعل احتواء التصعيد أكثر صعوبة وتعقيد .
الدول الخليجية قد تجد نفسها في قلب هذه المعادلة رغم أنها ليست صاحبة القرار في إشعال الحرب أو إنهائها وهي تتحمل مخاطر استهداف منشآتها النفطية وموانئها ومحطات الطاقة والتحلية فضلاً عن اضطراب الملاحة وارتفاع كلفة التأمين والشحن وتراجع الثقة الاقتصادية وقد بدأت بعض هذه الدول رفع مستوى التأهب والاستعداد الأمني وتوجه تحذيرات إلى طهران من استهداف بنيتها التحتية بينما بموازاة ذلك تواصل قطر وباكستان وساطاتهما لتقريب وجهات النظر والمطلوب خليجياً ليس الانحياز إلى حرب جديدة ولا ترك المنطقة رهينة للتهديدات المتبادلة بل بناء موقف دبلوماسي جماعي يضغط لوقف العمليات العسكرية ويحمي أمن الدول والممرات البحرية ويرفض تحويل أراضي الخليج إلى منصات للصراعات وتصفية الحسابات.
عمليا هنالك ثمة عقدة أخرى قد تكون أكثر صعوبة من صياغة الاتفاق نفسه وهي مسألة الضمانات وآليات التنفيذ والتحقق لان إيران لا تريد أن تفتح مضيق هرمز وتخفف أوراق ضغطها ثم تكتشف أن الحصار يمكن أن يعود بقرار أمريكي جديد وأن الوعود بتخفيف العقوبات لا تتجاوز حدود التصريحات السياسية وواشنطن من جهتها لا تريد أن تقدم تنازلات اقتصادية وأمنية قبل التأكد من أن طهران ستلتزم بما تتعهد به في الملف النووي وأمن الملاحة وهنا تبرز أهمية وجود آلية تنفيذ متزامنة ومتدرجة تراقبها أطراف وسيطة قادرة على توثيق الالتزامات وتحديد المسؤولية عند الإخلال بها لان المشكلة تبقى ليست في امكانية الوصول إلى ورقة تحمل توقيع الطرفين بقدر ما هي في منع كل طرف من تفسيرها وفق مصالحه أو الانسحاب منها عندما تتغير حساباته ومن دون ضمانات متبادلة وجدول زمني واضح وآلية رقابة موثوقة ستظل أي تسوية معرضة للانهيار عند أول اختبار ميداني كما حدث في السابق .
بمتابعة التحليل الدقيق نلاحظ ان المشهد الراهن يفتح الباب امام ثلاثة مسارات لا يمكن الجزم مسبقاً بأيها سيتقدم الاخر الأول التوصل إلى تفاهم مرحلي يعيد فتح مضيق هرمز وينهي الحصار ويؤسس لبحث الملفات الأكثر تعقيداً في مرحلة لاحقة والثاني استمرار سياسة الاستنزاف من خلال الحصار والضربات المحدودة والتهديدات المتبادلة دون حرب شاملة أو اتفاق نهائي أما الثالث فهو انهيار المسار الدبلوماسي والانتقال إلى حملة عسكرية أوسع قد تبدأ بضربات أمريكية وإسرائيلية جديدة لكنها لن تضمن نهاية سريعة للصراع وما يزيد المشهد تعقيداً أن الضربات الأمريكية المحدودة التي استهدفت مؤخرا مواقع إيرانية في جزيرة قشم ومحيط مضيق هرمز والتلويح باستهداف حبل الفأس مع اقتراب موعد الانتخابات تكشف أن خطر الاحتكاك العسكري لم يعد افتراضاً بعيداً حتى مع استمرار الحديث عن تقدم في المفاوضات.
ختاما : إن توقعات ما بعد الانتخابات لن يكون بالضرورة بداية حرب جديدة ولا إعلاناً تلقائياً عن تسوية تاريخية بل مرحلة اختبار حقيقية لقدرة الطرفين على الانتقال من لغة التهديد إلى حسابات المصالح ولا شك بان ترامب يستطيع إصدار أوامر الضرب لكنه لا يستطيع ضمان النتائج السياسية والاقتصادية والعسكرية لكل ما قد يليها وإيران في نفس الوقت تستطيع إيلام خصومها وتعطيل مصالحهم لكنها لا تستطيع تجاهل الكلفة الهائلة لاستمرار الحرب على شعبها واقتصادها ومستقبلها وبين هذين الحدين تقف المنطقة أمام لحظة لا تحتمل المغامرات ولا تقبل أن تتحول إلى رهينة لمعادلات القوة لان الحرب التي لا تملك طريقاً واضحاً إلى نهاية سياسية ليست انتصاراً مهما بلغت قوة ضرباتها والصفقة التي لا تعالج جذور الأزمة لا تعتبر سلاماً بل هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار الى حين والسؤال الذي سيحكم الأيام المقبلة ليس من يملك القدرة على إطلاق الصاروخ الأول بل من يملك الشجاعة السياسية لمنع الصاروخ الأخير من إشعال المنطقة بأسرها.
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com
تعليقات القراء
أكتب تعليقا
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. - يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |


الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...