«أَعدِم… وتوكّل على الله» قراءة في الردع وهيبة القانون


بقلم المحامي محمد بشير الرواشدة

تتعامل المنظومة القانونية مع الجريمة بوصفها اعتداءً على الحق العام قبل أن تكون نزاعاً بين أطراف. ومن هذا المنطلق، فإن وظيفة القانون لا تقف عند حدود تفسير السلوك الإجرامي، بل تمتد إلى حماية المجتمع وضمان استقراره.

في التشريع الأردني، وتحديداً في قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته، يظهر بوضوح مبدأ التدرج في العقوبات، بما يعكس تفاوت خطورة الأفعال الإجرامية. ويصل هذا التدرج في بعض الجرائم إلى أشد العقوبات، عندما يتعلق الأمر بأفعال تمس أمن المجتمع وسلامته بشكل مباشر.

ويستند هذا التوجه إلى فلسفة قانونية مفادها أن الردع، بشقيه العام والخاص، يشكل أحد أدوات السياسة الجنائية في مواجهة الجرائم الجسيمة، لا سيما تلك التي يترتب عليها أثر واسع يتجاوز الضحية إلى المجتمع بأكمله.

كما أن قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني يرسخ مجموعة من الضمانات الأساسية، وفي مقدمتها حق الدفاع ودرجات التقاضي والمحاكمة العادلة، باعتبارها ضمانات جوهرية لا غنى عنها في أي نظام عدلي حديث. غير أن هذه الضمانات، في المقابل، تفترض أن تكون منظومة التنفيذ قادرة على إنفاذ الأحكام بعد اكتسابها الدرجة القطعية، ضمن إطار منضبط يحقق العدالة في وقتها المناسب.

ومن زاوية دستورية، يؤكد الدستور الأردني على مبدأ سيادة القانون، وعلى أن الدولة تقوم على احترام الحقوق والحريات في إطار يحفظ الأمن والنظام العام، بما يكرس التوازن بين حماية الفرد وحماية المجتمع.

وفي هذا السياق، فإن عقوبة الإعدام، المنصوص عليها في التشريع الأردني ضمن نطاق محدد من الجرائم، تبقى محل نقاش قانوني مستمر، إلا أن الإطار التشريعي القائم يعكس رؤية تعتبر أن بعض الجرائم تستوجب استجابة عقابية استثنائية، تتناسب مع جسامة الفعل وأثره على المجتمع.

ولا ينفصل ذلك عن النهج العام للدولة الأردنية في ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، حيث يشكل تعزيز العدالة وسيادة القانون أحد ثوابت التحديث السياسي والقانوني.

ويظل النص القرآني الكريم ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾ تعبيراً عن فكرة قانونية عميقة، تقوم على أن الردع ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لحماية المجتمع ومنع امتداد الجريمة.

وفي المحصلة، فإن قوة القانون لا تقاس بصرامة النصوص وحدها، بل بقدرة الدولة على تطبيقها بعدالة وفاعلية، بما يضمن حماية المجتمع وصون الحقوق في آن واحد.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات