جدلية السلام المستحيل


م. سعيد المصري

* التحول الأيديولوجي للصهيونية وإعادة تشكيل وظيفة إسرائيل في النظام الإقليمي والدولي

ليست الإشكالية في الشرق الأوسط اليوم أن السلام غائب، بل أن معناه نفسه أصبح موضع خلاف عميق، يتجاوز حدود السياسة إلى بنية التفكير التي تُعرّف الدولة والأمن والآخر. ففي الوقت الذي ما تزال فيه أطراف تنظر إلى السلام بوصفه أفقاً سياسياً قابلاً للتحقق عبر التفاهم والتسويات، يتشكل في المقابل نموذج مختلف يرى في القوة شرطاً أولياً للوجود، وفي التفوق العسكري الضمانة الوحيدة للاستقرار. عند هذه النقطة، لا يعود الصراع مجرد نزاع سياسي، بل يتحول إلى تصادم بين تصورين متناقضين لطبيعة الدولة ووظيفتها وحدود أمنها.

في محاولة لفهم هذا التحول، تبرز أهمية العودة إلى قراءات نقدية من داخل الحقل الأكاديمي الإسرائيلي نفسه، ومن بينها أعمال المؤرخ الإسرائيلي Omer Bartov، أحد أبرز الباحثين في دراسات الإبادة الجماعية وتاريخ العنف في القرن العشرين، والذي كرّس جزءاً مهماً من أبحاثه لتحليل العلاقة بين الذاكرة التاريخية والعنف وبنية الدولة. لا يكتفي بارتوف بوصف الوقائع، بل يتجه إلى تفكيك الكيفية التي يمكن أن تتحول فيها ذاكرة الاضطهاد، تحت شروط معينة، من رادع أخلاقي إلى عنصر تعبئة يُغذّي منطق القوة. ومن هذا المنظور، لا تُفهم إسرائيل كحالة سياسية ظرفية، بل كنموذج يعكس تحولات أعمق في العلاقة بين الهوية والأمن، وبين التاريخ والسياسة.

من هنا، لا يعود السؤال عن السلام مجرد تساؤل سياسي تقليدي، بل يصبح سؤالاً عن البنية التي تُنتج هذا السلام وتُعرّفه. فهل يمكن أن يُبنى سلام بين نموذج أعاد تشكيل ذاته على أساس التعبئة الدائمة، ونموذج آخر ما يزال يرى في التفاهم أساساً للاستقرار؟ أم أن هذا التباين في التعريف سيبقي الصراع مفتوحاً، مهما تعددت المبادرات؟

لفهم ذلك، لا بد من العودة إلى النقطة التي يبدأ منها كل شيء: إعادة تشكيل الإنسان نفسه. ففي بدايات المشروع الصهيوني، لم يكن الهدف مقتصراً على إقامة كيان سياسي، بل امتد ليشمل إنتاج نموذج إنساني جديد يقطع مع صورة “اليهودي في المنفى”. ومن هنا ظهر مفهوم “الصابرا”، وهو مصطلح مشتق من نبات الصبار، ذلك النبات الذي يتميز بصلابته الخارجية وقدرته على التكيف مع البيئات القاسية، بينما يخفي داخله نواة لينة. لم تكن هذه التسمية مجرد وصف، بل رمزاً لهوية مُراد بناؤها: إنسان قاسٍ، متجذر، قادر على المواجهة، لكنه يحتفظ في داخله بعمق تاريخي وهوياتي.

هذا التحول في تشكيل الإنسان لم يكن معزولاً عن الذاكرة، بل ارتبط بها ارتباطاً وثيقاً. وهنا تتقاطع هذه العملية مع ما يطرحه Omer Bartov، الذي يشير إلى أن الذاكرة، حين تُستدعى ضمن سياق تعبوي، يمكن أن تتحول من عنصر ردع أخلاقي إلى مصدر دائم لإعادة إنتاج الخوف، ومن ثم تبرير القوة. وبذلك، لم تعد الذاكرة مجرد ماضٍ يُستحضر، بل أصبحت أداة فاعلة في تشكيل الحاضر.

ومع انتقال هذا التحول إلى مستوى الدولة، تبدأ ملامح نموذج آخر في الظهور، يمكن مقاربته تشبيهياً بنموذج سبارتا التاريخي. فقد عُرفت سبارتا في اليونان القديمة ببنيتها العسكرية الصارمة، حيث لم يكن الجيش مؤسسة داخل الدولة، بل كانت الدولة نفسها مكرّسة لخدمة الوظيفة العسكرية. التعليم، والتنظيم الاجتماعي، وحتى الحياة اليومية، كانت موجّهة لإنتاج مقاتلين. لا يُقصد بهذا التشبيه إسقاط نموذج تاريخي بشكل حرفي، بل توضيح كيف يمكن لدولة أن تُعاد هيكلتها حول منطق أمني شامل، بحيث يصبح الأمن الإطار الناظم لكل وظائفها.

وفي هذا الامتداد التاريخي لفكرة التعبئة العامة، يمكن ملاحظة تحوّل نوعي في بنية “المقاتل” نفسه عبر العصور. فبينما ارتكزت النماذج القديمة، مثل سبارتا، على القوة الجسدية الصلبة والانضباط العسكري المباشر، شهدت الأزمنة الحديثة انتقالاً تدريجياً نحو نموذج مختلف، حيث لم تعد القدرة القتالية تُقاس فقط باللياقة البدنية، بل بالقدرات الذهنية، والتفوق المعرفي، والقدرة على استخدام أدوات معقدة تحتمي بدروع تقنية وأنظمة ذكية. وفي هذا السياق، أصبح الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاستشعار، والحوسبة المتقدمة، عناصر مساندة تعاضد الذكاء البشري وتوسّع من قدرته على التحكم في ميدان المعركة. وبهذا، لم تختفِ فكرة “التعبئة”، بل أعادت تشكيل نفسها، منتقلة من تعبئة الجسد إلى تعبئة العقل، ومن المقاتل الفرد إلى منظومة قتالية هجينة تجمع بين الإنسان والتقنية.

إن الجمع بين “الصابرا” كنموذج لإعادة تشكيل الإنسان، و”الدولة المعبأة” كنموذج لإعادة تشكيل المؤسسات، يكشف عن تحول بنيوي عميق، حيث لا تعود العسكرة مجرد سياسة، بل تصبح جزءاً من الهوية الجماعية. وفي هذا السياق، يصبح ما أشار إليه Omer Bartov من تحول في استخدام الذاكرة مدخلاً لفهم أعمق: كيف تتحول تجربة تاريخية قائمة على المعاناة إلى عنصر يُعيد إنتاج القوة ويمنحها شرعية مستمرة.

ومن هذه النقطة تحديداً، يبدأ التحول الأكثر حساسية: إعادة تعريف السلام نفسه. ففي ظل بنية تقوم على التعبئة المستمرة، لا يعود السلام عملية تفاوضية تُبنى عبر التفاهم، بل يُعاد تعريفه كحالة استقرار تُفرض نتيجة اختلال ميزان القوة. وكما يوضح Omer Bartov، فإن توظيف الذاكرة في تبرير القوة يؤدي إلى إعادة صياغة المفاهيم، بحيث يصبح السلام امتداداً لهذه القوة، لا بديلاً عنها.

في هذا الإطار، لا يعود التفاوض وسيلة لإنهاء الصراع، بل أداة لإدارته ضمن شروط التفوق. ويصبح السلام صيغة مرحلية تُستخدم عندما تخدم استقرار هذا التفوق، لا عندما تؤدي إلى توازن حقيقي. وفي المقابل، تستمر أطراف أخرى في تعريف السلام بوصفه عملية قائمة على التفاهم، ما يخلق فجوة مفاهيمية عميقة لا يمكن تجاوزها بسهولة.

وعندما يُعاد تعريف السلام بهذه الطريقة، فإنه لا يبقى مسألة داخلية، بل يتحول إلى عامل يؤثر في البيئة الإقليمية بأكملها. فالدولة التي ترى في التفوق شرطاً للاستقرار، لا تتعامل مع محيطها كشريك، بل كبيئة يجب ضبطها. وهنا تتحول إلى فاعل وظيفي داخل نظام إقليمي مضطرب، حيث لا يقتصر دورها على حماية نفسها، بل يمتد إلى إعادة تشكيل التوازنات من خلال الردع أو التصعيد.

هذا السلوك، الذي يراه Omer Bartov جزءاً من بنية أعمق، لا يمكن فصله عن امتداداته الخارجية. فشبكات التأثير السياسي والإعلامي تعمل على إعادة إنتاج السردية الداخلية ضمن خطاب دولي يقدّم القوة بوصفها دفاعاً مشروعاً، ما يسمح باستمرار هذا النموذج ضمن غطاء شرعي.

ومع التحول في النظام الدولي نحو تعددية قطبية، يتعقد هذا الدور أكثر، حيث تصبح إسرائيل جزءاً من شبكة توازنات أوسع، يتقاطع فيها المحلي مع الدولي، وتُعاد فيها صياغة الأدوار باستمرار.

في ضوء ذلك، لا يعود السؤال عن السلام سؤالاً مثالياً، بل عملياً: كيف يمكن التعامل مع نموذج لا يرى السلام كما يراه الآخرون؟ هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة واقعية، لا تقوم على افتراض تحول سريع، بل على إدارة الصراع وتقليل كلفه، مع العمل التدريجي على تغيير الشروط التي تعيد إنتاجه. ويتطلب ذلك إعادة تعريف الهدف، والتعامل مع منطق القوة بواقعية، وتفكيك السرديات، وبناء مساحات تواصل ومصالح مشتركة، دون الوقوع في وهم الحلول السريعة.

وفي هذا السياق، يبرز مسار إضافي يتجاوز إدارة الصراع إلى محاولة إعادة توجيه منطق القوة نفسه عبر إدخاله في أطر وظيفية مختلفة. فبدلاً من التعامل مع نموذج قائم على الردع والتفوق بوصفه معطىً خارجياً معزولاً، يمكن التفكير في كيفية إدماجه تدريجياً ضمن منظومات اقتصادية إقليمية قائمة على المصالح المشتركة. فالمجتمعات التي اعتمدت خطط تطوير اقتصادي إقليمي—القائمة على الترابط في مجالات الطاقة، والبنية التحتية، والتجارة، والتكنولوجيا—توفر بيئة يمكن أن تعيد تعريف الحوافز، بحيث يصبح الاستقرار شرطاً لازماً للاستفادة من هذه المنظومات. وفي مثل هذا الإطار، لا يُطلب من نموذج القوة أن يتخلى عن منطقه دفعة واحدة، بل يُدفع—بفعل المصالح—إلى التكيف مع بيئة تجعل من الاندماج الاقتصادي مساراً أكثر جدوى من العزلة أو التصعيد.

وفي النهاية، تكشف هذه القراءة أن جدلية السلام في الشرق الأوسط ليست مجرد تعارض في المصالح، بل انعكاس لتباين عميق في تعريف الدولة والأمن والآخر. وبين نموذج يرى في القوة شرطاً للوجود، وآخر ما يزال يؤمن بإمكانية التفاهم، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن بناء سلام بين هذين التصورين، أم أن هذا التباين سيبقي الصراع إطاراً دائماً يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات