المرافي وقصته مع الأفعى الكبيرة .. !


قصة اليوم التي سوف أرويها لكم حقيقية حدثت معي شخصيًا قبل زهاء (٢٥) عاماً في أول أيام إلتحاقي بالجامعة، وكان عمري ١٧ سنة و خمسة أشهر عندما كنت أسلك طريقًا وعرًا خاليًا من المارة ؛ لكي أذهب لزميلي الذي يسكن في غرفة بجانب المسجد في منطقة مهجورة .

بدأت القصة عندما اقتربت من أحد المزارع المليئة بالأعشاب، وعندما غُصتُ بالأعشاب، كنت في حالة خوف وارتجاف؛ لأنني شاهدت في المرة الماضية أفعى كبيرة سوداء لم أرَ في حياتي مثلها ، وقتها ركضت بسرعة وأخبرت زميلي وبعض الذين يعملون في المزارع المجاورة، فلم يصدقوني وقالوا:" كأنك تتخيل..!! فهذه المنطقة لا يوجد فيها أفاعٍ كبيرة مثل التي شاهدتها ، وقتها اقتنعت بكلامهم ، وقلت في نفسي لعلي كنت أتخيل فسيطر علي الخوف .

بعدها بأسبوع سرت من الطريق نفسها والخوف يعتريني ، وما أن وصلت بداية المزرعة حتى خرجت لي أفعى كبيرة سوداء، وقفت بشكل عامودي ، وكأنها تريد الانقضاض عليَّ، عندها شعرتُ بالصدمة والخوف الشديد ، وما هي إلا لحظات حتى شاهدني رجل عجوز من بعيد ، وبدأ يصرخ علي: " لا تخف يا ابني ،أظهر للثعبان أنك شجاع وغير خائف ، ولا تركض حتى لا يلحقك ، اذكر الله يا ابني" .

وبدأ يكرر عباراته ، وقتها تلعثم لساني ، فلم أستجب لدعوات العجوز ، وبدأتُ أركض في المزرعة، والأفعى الكبيرة تلاحقني وهي ترفع رأسها للسماء ، غُصتُ بين الأغصان والعجوز في حالة ضحك ساخر ، كان يعتليني على جبل ، وقتها كنت أستغيث و أبكي وأصيح ، حيث اختبأت وراء خزان ماء في المزرعة ، والأفعى ما زالت واقفة تنظر إليَّ ،وتحرك رأسها يمينًا وشمالاً، وكنت أصرخ من البكاء .

صرخت بصوت عالٍ: " يا شيخ يا عم ساعدني" وكنت في لحظة أصيح مثل الطفل الصغير ، اقترب مني العجوز ، ووقف بكل شجاعة أمام الأفعى الكبيرة، وبدأ يخاطبها بأدعية دينية وأحاديث ، و كأنه يخاطب إنسانًا، ويلوح بعصاه حتى تذهب الأفعى، وفجأة اختفت لا أعرف أين ذهبت !!! فنادى عليّ:" اقترب يا بني، لقد ذهبت الأفعى ، فاقتربت منه، وأنا ارتعد من الخوف ورجليّ تتراقصان، ولا أستطيع الوقوف عليهما ، والعرق يتصبب من جسدي، وكأن أحدهم رش الماء على ملابسي ، فطمأنني العجوز وقال:" لا تخف يا ابني ، يجب أن تكون شجاعًا ، فلو كنت جريئًا وشجاعًا ، وتذكر الله وغير خائف ما كان الحنيش أن يلحق بك" ، فأمسكني من يدي حتى يزول خوفي، وذهب بي إلى مزرعته المجاورة ، وبدأ يغير في كلامه ويقول :" سوف أعرفك على مملكة النحل، وكيفية عملها ،وطبيعة شكلها ، وقتها أصابني فضول كبير في كشف حقيقتها حتى أنسى موقف الأفعى .

وما أن اقتربت من النحل حتى غطى النحل رأسي، و غطى جميع جسمي، فصحت بأعلى صوتي طالباً منه النجدة مرة أخرى ، لكنه لم يحرك ساكناً ،واكتفى بالنظر إلي بعينيه اللتين كانتا تقدحان شراراً ، وبكلمة منه:" لاتخف يا بني ." وإن كانت تلك الكلمات التي قالها، جعلتني أشعر تجاهه بغضبٍ شديدِ ،إلا أنه استدرك و قام بعد فترة قصيرة بإشعال النيران ،وجعلها تحيط بي من كل جانب مكثرًا من أدخنتها حولي ، وبقي كذلك حتى ذهب النحل .

ليست هذه القصة فحسب ، بل انسحب ذلك الموقف إلى العجوز صاحب (٩٠) سنة تقريبا الذي عادت به ذاكرته للوراء قبل زهاء (٧٠) سنة ، حيث بدأ يقص الكلام وعيناه مغروقتان بالدمع ،يحدق بي ، وكأنه يريد أن يقول لي شيئا مهما ، فجلست بالقرب منه ،و بدأ وكأنه يعيد شريط حياته الى الوراء ، وأنا أتأمل في عينيه ...وما هي لحظات إلا وبدأ الكلام ... وأنا أستمع ..وأترقب..ماذا سيقول ذلك العجوز لي ؟ فاستبقني بالحديث، وقال :إن ماحدث معك اليوم حدث معي قبل عقود طويلة من الزمن ،حيث أنني في إحدى المرات وبينما كنت في مزرعة أبي ذلك الرجل الطاعن بالسن ،ألتفتُ يمينًا وشمالاً ، وكأنني أحسست بخطرٍ محدق بي، وكم كانت دهشتي عندما شاهدت أفعى كبيرة لم أرَ في حياتي مثلها، تلتفّ على جذع شجرة كبيرة ، وكأنها تحاول أن تقطعها من جذورها ، و كنت في تلك اللحظة ،أسمع صوت فحيحها المدوي الذي يختلف عن أصوات الأفاعي الأخرى التي كنت أسمعها سابقاً ، فقد كان صوتا مخيفا !! فما كان مني إلا الصراخ إلى أبي الذي كان يعتني بخلية نحل طبيعية وعلى وجه السرعة حضر أبي ، وقلت له :انظر يا أبي ،لكنه لم يحرك ساكنا، بل اكتفى بالنظر لتلك الأفعى ،و قال لي: لا تخف يا بني ، كن أشجع من تلك الأفعى، وبعدها ذهب لإكمال عمله ،وكأن شيئًا لم يحدث ! عرفت بعدها أنه يريدني أن أصل إلى معلومة معينة !!! .

ويضيف العجوز قائلا :" للأمانة لم أكن أفكر في كلامه في تلك اللحظات ، وما الذي قصده من ذلك التجاهل ؟؟! وبعد لحظات ليست بالبعيدة اقتربت الأفعى مني شيئا فشيئاً ،وكأنها تريد الانقضاض عليَّ ، عرفت بعدها أنها شممت رائحة الخوف التي أحاطت بي من كل جانب ، فما كان من أبي غير المرة الأولى فقد جاء مسرعًا على غير العادة ، ومسك تلك الأفعى من ذيلها، وطرحها أرضًا ثلاث مرات كانت كفيلة بجعلها تفقد الوعي ، وسارعت برميها بالحجارة ، وأنا أرتجف خوفًا ورعبًا من ذلك المشهد ،حتى تيقنت بموتها ، بعدها خجلت من أبي الذي ذهب ليصلي ، وانتهزت الفرصة بالذهاب إلى عمي في الحقل المجاور لمزرعة أبي ،الذي كان يحتوي على خلايا نحل كثيرة ...

وعندما اقتربت..حدث معي ما حدث معك اليوم ، فقد اقتربت طرود النحل مني كثيرا مع أنني لم أكن خائفاً منها ، فتجاهلني عمي في المرة الأولى كما فعلت معك ،وفي المرة الثانية عندما أحس أنني بحاجة لمساعدتها ، أشعل النيران من حولي، وأكثر من الأدخنة لإبعاد النحل الذي لم ترهبه صرخات عمي ، واختبأت بأشجار الحقل .

بعد ذلك سألني عمي عن سبب خوفي ؟ فقلت: لم أكن خائفاً ،فقال:كيف والنحل شم رائحة خوفك بمجرد دخولك الحقل!! فقصصت له قصتي مع الأفعى، فعرف ذلك .وقال لي :إعلم يا بني ، إذا ساورك الخوف من أي حيوان ستصبح مطمعاً له ، بل عود نفسك أو حتى متظاهراً على عدم الخوف منه، وفعلا كان كلام أبي وعمي حقيقية ..وها أنا لا أخشى شيئا إلا الله عزو جل ...و بعدها نظر إلي بإبتسامة وقال: ها هو نفس الموقف يحدث معك يا بني !! وأريدك أن تصبح كما أصبحت الآن من شجاعة وجرأة لا تخشَ إلا الله ، فقلت له بصريح العبارة: ولهذا السبب كنت تضحك وتجاهلتني في المرة الأولى، فقال:" كنت أريد أن أعلمك دروس في الحياة ، وهو أن الحيوان إذا شمَ رائحة الخوف المنبعثة من جسدك ، فلا يحسب لك حساباً ،وسوف يلاحقك وهذا ما حصل معك" ، دائما اجعل نفسك جريئاً وشجاعاً وتظاهر بالجرأة وعدم الخوف إذا سرت من هذه الطريق مرة أخرى حتى لا يلحقك الثعبان" ، وقتها قلت له:" يا عم لماذا لم تقتل الأفعى؟ لماذا لا تطلق عليها النار ،" فأجاب: انسى يوم يقترب تخرجك بحكيلك سبب عدم قتلها ، بعدها جلست معه وشربت الشاي، وأكملت طريقي إلى صديقي ،وأنا أتعجب مما فعله الختيار ، بعدها بأسابيع أصبحت مشيتُ من نفس الطريق بكل شجاعة ، وأنا أذكر الله وأدعية دينية ولحسن الحظ لم يصادفني ذلك الثعبان الكبير ،ثم مررت على المزرعة لأسأل عن الختيار الذي كنت صادفته في المرة الماضية، وأعطاني درساً في الشجاعة ، فلم أجده وعندما بحثت عنه قالوا:" أنه سافر إلى السعودية عند ابنه المقيم هنالك ولاحقاً بعد سنوات علمت أنه انتقل إلى رحمة الله عن عمر ناهز ( ٩٥ ) سنة .

وقصصت القصة التي حدثت معي لكبير في السن كان متواجدًا في المزرعة ، فقال :إن ما شاهدته ليس ثعبانا ولا حنيشاً أنه جن على شكل أفعى يظهر بشكل نادر في هذه المنطقة، ولا نستطيع قتله لمجرد أن تقرأ أحاديث دينية وأدعية يذهب ولا يخرج ، فقلت له:" يا عم لماذا لم يخبرني ذلك الشيخ بذلك ، فقال :" لأنك صغير في السن وطالب ولا يريد أن تعرف ذلك ؛ حتى لا تخف ويلحقك مرة أخرى؛ لذلك قال لك كن شجاعاً وجريئاً، واذكر الله لأنه كفيلٌ بحمايتك.

وقتها تعلمت درسًا وحكمة في حياتي، أصبحت أكررها لطلابي من ذلك العجوز مفادها :" إن الإنسان لا يخاف إلا من الله ، وإن العدو وغيرهم لو شمّوا رائحة الخوف منا لأستضعفونا لهذا يجب علينا أن نكون أقوياء حتى تهابنا الأعداء .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات