اغلاق

"حصة" لغة عربية .. سحّجَ يٌسَحجٌ !!


لقد استقر في وعيي منذ درجت على هذه الدنيا وفي البيئة القروية حيث ولدت وترعرعت، أن الكلمة المرادفة لفعل التصفيق باليدين والدالة عليه في لهجتنا المحلية البسيطة هي "التسحيج" وقد رسخت ذلك في ذهني حفلات السامر في الاعراس والتي كانت مادتها الرئيسية الدبكة و"السحجة" وما يرافقهما من طقوس البهجة والفرح في تلك الأيام الجميلة الخالية. 

ولما انتقلت إلى مدينة القدس الشريف حيث لهجة مدن وحواضر بلاد الشام هي السائدة، عرفت وأنا ابن السادسة ان لا احد هناك يستعمل كلمة "التسحيج" للدلالة على فعل ضرب راحة اليد براحة اليد الاخرى، وإنما كلمة "تزئيف" وان كلمة "زئفة" تقابل كلمة "سحجة" في لهجتنا القروية وفي اللهجة البدوية أيضا..... منذ ذلك الحين بدأت كلمة تسحيج بالإختفاء تدريجياً من قائمة المفردات التي استعملها ... واستمر ذلك على مدى عقود طويلة حتى اختفت هذه الكلمة تماماً ليس من قاموسي فقط وإنما من مجمل اللهجة المحلية المحكية لمعظم فئات المجتمع .... إلا أن كلمة "التسحيج" قد عادت منذ أكثر من عقد من الزمن وطفت على السطح مجدداً وغدت مصطلحاً مألوفاً ومتداولاً ليس للدلالة على فعل "التصفيق" وهي الحركة المعروفة للتعبير عن الإعجاب أو التحية أو التقدير أو الفعل المصاحب للرقص او الغناء ... وإنما كلمة تحتوي على تعريض أو إنتقاد ضمني قد يصل حد التحقير، يستعملها معارضون للحكومة لوصف تصرف أو موقف من يعرب عن دعمه او تأييده او حتى إتفاقه مع إجراء او قرار حكومي يناوؤه او يرفضه المعارضون .... 

يكفي ان يتفق رأيك مع رأي الحكومة في قضية مثار خلاف او جدل في الساحة المحلية، حتى يسارع المعارضون إلى وصفك "بالسحيج" للدلالة على "إنقيادك بوعي او بدون وعي بقناعة أو بدونها للترويج لرأي الحكومة طمعاً في مكسب شخصي مادي او معنوي"، وقد تطور معنى الكلمة ومفهومها في الأذهان بحيث أصبحت تعادل سبة أو شتيمة لا بل وصمة ينفر منها الكثيرون، وأصبحت بتكرار الإستعمال ومرور الوقت سلاحاً لإرهاب الخصوم وسيفاً مسلطاً على الرقاب يتجنبه الكثير من المتابعين والمهتمين بالشأن العام من خلال الحرص على الإبقاء على مسافة كافية من الإختلاف والتباين مع آراء الحكومة ومواقفها .... 

لا يحتاج خصومك إلى أدلة أو براهين ليخلعوا عليك لقب او صفة "السحيج"، يكفيهم التقاء رأيك مع رأي للحكومة أو موقف، كما أن مستواك العلمي او الثقافي أو رتبتك الوظيفية او الإجتماعية ولا الجندر أو الحالة الإجتماعية تحول بينك وبين أن يلصقوا هذه التهمة او الوصف بك، فالسحيج عندهم قد يكون متعلماً او نصف متعلم ذكراً أو انثى ... متزوج أو أعزب ... شاب كهل أو مسن.... 

والغريب أن تاريخاً حافلاً بالمعارضة للحكومة وسياساتها ... لن يشفع لك ولن يحميك او يجنبك هذه "الوصمة" في حال قادك حظك العاثر لتأييد ولو موقف او قرار حكومي واحد، كما أن إلصاق هذه التهمة بك لا يتطلب أبداً ان تكون قد حققت منفعة فعلية من موقفك المؤيد للحكومة، لأنك عندها لا تكون "سحيجاً" بل مأجور أو متكسب او عميل .... فاحذر يا صاحبي أن تقترب من هذه الخطوط .... لان مياه البحر الميت وأملاحه بأكملها لن تطهرك من هذا الرجس.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات