أوضح الأكاديمي الدكتور مهند صالح الطراونة، الضوابط الدستورية والقانونية للعلاقة بين الأمين العام للحزب وعمل الكتل النيابية في البرلمان.
وقال الطراونة في مقال خص به عمون:
يثور التساؤل عن الحدود القانونية للدور الذي يجوز للأمين العام للحزب السياسي أن يمارسه تجاه النواب المنتمين إلى حزبه، ولا سيما فيما يتصل بحضور اجتماعات الكتلة النيابية، وتوجيه مواقف أعضائها، والتأثير في انتخاب رئيس مجلس النواب وأعضاء المكتب الدائم. ومردّ هذا التساؤل أن العمل الحزبي، وإن كان إطاراً مشروعاً لتنسيق الإرادة السياسية، لا ينشئ بذاته اختصاصاً نيابياً، ولا يجيز تجاوز القواعد الدستورية والنظامية التي تحكم ممارسة الوظيفة البرلمانية.
ولما كان الدستور الأردني قد كفل، في المادة (2/16)، حق الأردنيين في تأليف الأحزاب السياسية وفق أحكام القانون، وأكد في المادة (83) استقلال المجلس في تنظيم إجراءاته بموجب نظامه الداخلي، فإن ممارسة العمل الحزبي داخل المؤسسة التشريعية تظل محكومة بحدود الاختصاص الذي قررته النصوص الناظمة لكل من الحزب والكتلة النيابية ومجلس النواب. ولا يترتب على الانتماء الحزبي، بمجرده، اندماج هذه الأطر في كيان قانوني واحد، أو انتقال اختصاصات أحدها إلى الآخر.
وفي هذا السياق، تناول النظام الداخلي لمجلس النواب الأردني، في فصله الخامس المعنون 'الكتل والائتلافات النيابية' ، أحكام تشكيل الكتل وآليات تنظيمها واختيار قياداتها وممارسة وظائفها؛ إذ نصت المادة (25/أ) على أنه: 'يحق لكل مجموعة من النواب لا يقل عددها عن (10%) من أعضاء المجلس تشكيل كتلة نيابية'، كما أجازت الفقرة (ب) من المادة ذاتها لكتلتين أو أكثر تشكيل ائتلاف نيابي. ومؤدى ذلك أن الكتلة النيابية تتكون من النواب أنفسهم، وتستمد صفتها من اجتماعهم وفق الشروط التي حددها النظام الداخلي، لا من قرار قيادة الحزب أو من مجرد وحدة الانتماء السياسي.
وتتأكد هذه الطبيعة التنظيمية بمقتضى المادة (26) من النظام الداخلي، التي أوجبت على كل كتلة أو ائتلاف نيابي وضع نظام خاص لتنظيم عمله وإيداعه لدى الأمانة العامة خلال أربعة عشر يوماً من بداية الدورة العادية. كما نصت المادة (27) على أن: 'تنتخب الكتلة أو الائتلاف النيابي رئيساً ونائباً للرئيس ومقرراً لها وناطقاً إعلامياً باسمها'. وتكشف هاتان المادتان عن أن للكتلة إطاراً تنظيمياً خاصاً، وقيادة تنتخبها، وآليات تحكم عملها؛ الأمر الذي لا يستقيم معه افتراض حلول الأمين العام للحزب محل رئيس الكتلة، أو تمتعه بصلاحيات داخلية لم يقررها النظام الداخلي أو النظام الخاص بالكتلة.
وحيث إن النظام الداخلي قد أسند إلى الكتلة ذاتها وضع نظامها الخاص وانتخاب رئيسها وممثليها، فإن تحديد الأشخاص الذين يحق لهم حضور اجتماعاتها والمشاركة في مداولاتها يتعين أن يستند إلى أحكام ذلك النظام الخاص، وإلى القواعد المنظمة للاجتماع وطبيعته. فلا يجوز الجزم بمنع الأمين العام للحزب من حضور أي اجتماع على الإطلاق، كما لا يصح القول إن صفته الحزبية تمنحه حقاً أصيلاً في الحضور والمشاركة؛ إذ يتوقف الحكم على وجود سند تنظيمي يجيز ذلك، وعلى حدود المشاركة التي يسمح بها هذا السند.
أما التشاور بين الأمين العام للحزب والنواب المنتمين إليه، أو بينه وبين رئيس الكتلة، فلا يتعارض في ذاته مع استقلال العمل النيابي؛ فالعمل الحزبي بطبيعته يقوم على الحوار وتنسيق المواقف وبناء التوافقات السياسية. غير أن المشروعية السياسية لهذا التشاور لا تعني تحوله إلى سلطة قانونية ملزمة للكتلة، ولا تخوّل الأمين العام للحزب مباشرة اختصاصاتها أو الحلول محل الهيئات التي أناط بها النظام الداخلي اتخاذ القرارات المتعلقة بعملها.
ويؤكد هذا المعنى ما قررته المادة (30/أ) من النظام الداخلي بشأن اختصاص رئيس الكتلة أو الائتلاف النيابي بالتنسيق مع رئيس المجلس في الشؤون السياسية والبرلمانية التي تقرها الكتلة، وغيرها من الأمور التي من شأنها تطوير العمل البرلماني. فقد ربط النص ممارسة هذا الاختصاص برئيس الكتلة، وجعل موضوع التنسيق متعلقاً بالشؤون التي تقرها الكتلة، بما يفيد أن رئيس الكتلة يمارس دوره التمثيلي في إطار إرادتها وقراراتها، لا بوصفه صاحب سلطة مستقلة عن أعضائها. ولا يجوز نقل هذا الاختصاص إلى الأمين العام للحزب لمجرد أنه يتولى قيادة التنظيم السياسي الذي ينتمي إليه أعضاء الكتلة.
ويمتد هذا التمييز إلى انتخاب رئيس مجلس النواب وأعضاء المكتب الدائم؛ إذ يجوز للأمين العام للحزب أن يتشاور مع نواب حزبه بشأن المرشحين، وأن يطرح رؤيته السياسية، وأن يسعى إلى توحيد المواقف أو بناء توافقات انتخابية، باعتبار ذلك من مظاهر النشاط الحزبي المشروع. بيد أن هذا الدور يظل في نطاق التأثير السياسي، ولا يتحول إلى اختصاص قانوني في إدارة عملية الانتخاب أو الحلول محل النواب في ممارسة صلاحياتهم المقررة دستورياً ونظامياً. فثمة فارق بين أن يقود الأمين العام للحزب مشاورات سياسية بقصد الوصول إلى موقف مشترك، وبين أن يدّعي سلطة ملزمة في تقرير كيفية ممارسة النواب لاختصاصاتهم.
ولا يغير من ذلك أن تتضمن الأنظمة الأساسية للأحزاب أو مواثيقها التنظيمية أحكاماً تتعلق بالتزام أعضائها بالتوجهات والقرارات الحزبية؛ إذ يتعين التمييز بين الالتزام الناشئ في نطاق العلاقة الحزبية، وبين الاختصاص النيابي الذي يستمد أساسه من الدستور والنظام الداخلي للمجلس. فليس كل التزام حزبي اختصاصاً نيابياً، كما أن وجود توجيه حزبي لا يكفي، بذاته، لإضفاء صفة القرار النيابي عليه أو ترتيب آثاره داخل المجلس.
وتثور المسألة ذاتها بشأن التصريحات الإعلامية الصادرة عن الأمين العام للحزب؛ إذ يتعين التمييز بين التعبير عن موقف الحزب السياسي والتحدث باسم الكتلة النيابية. فالأول يدخل في نطاق الدور السياسي والتنظيمي للأمين العام للحزب، أما الثاني فيقتضي أن يستند إلى قرار صادر عن الكتلة أو إلى صفة تمثيلية وتفويض معتبر وفق القواعد المنظمة لعملها. وقد أفرد النظام الداخلي للكتلة، بموجب المادة (27)، موقعاً للناطق الإعلامي باسمها، بما يؤكد ضرورة التمييز بين التعبير عن الموقف الحزبي والتعبير عن الموقف النيابي. ومن ثم، فإن وحدة الانتماء الحزبي لا تكفي، بذاتها، لاعتبار إرادة الحزب مطابقة لإرادة كتلته النيابية.
ولما كان ما تقدم، فإن تحديد حدود الدور المشروع للأمين العام للحزب يقتضي النظر إلى طبيعة التصرف الذي يباشره وسنده القانوني، لا إلى موقعه السياسي أو مقدار نفوذه داخل الحزب. فإذا اقتصر دوره على التشاور والتنسيق وبناء التوافقات والتعبير عن الموقف الحزبي، بقي في نطاق العمل السياسي المشروع؛ أما إذا امتد إلى مباشرة اختصاصات مقررة للكتلة أو للمجلس دون سند قانوني، فإن مشروعية ذلك التدخل تكون محل نظر في ضوء القواعد الدستورية والقانونية واجبة التطبيق.
وأخيراً، فإن سلامة العلاقة بين قيادة الحزب وأمينه العام وكتلته النيابية تقتضي مراجعة المشرّع لأحكام النظام الداخلي ذات الصلة، بالتوازي مع مراجعة الأحزاب لأنظمتها الأساسية، بما يكفل وضوح الاختصاصات، ويضبط العلاقة بين القيادة الحزبية والكتلة النيابية، ويحقق التوازن بين مقتضيات الانضباط الحزبي وضمانات استقلال العمل النيابي، اتساقاً مع أحكام الدستور وطبيعة النظام البرلماني.
Tarawneh.mohannad@yahoo.com
أوضح الأكاديمي الدكتور مهند صالح الطراونة، الضوابط الدستورية والقانونية للعلاقة بين الأمين العام للحزب وعمل الكتل النيابية في البرلمان.
وقال الطراونة في مقال خص به عمون:
يثور التساؤل عن الحدود القانونية للدور الذي يجوز للأمين العام للحزب السياسي أن يمارسه تجاه النواب المنتمين إلى حزبه، ولا سيما فيما يتصل بحضور اجتماعات الكتلة النيابية، وتوجيه مواقف أعضائها، والتأثير في انتخاب رئيس مجلس النواب وأعضاء المكتب الدائم. ومردّ هذا التساؤل أن العمل الحزبي، وإن كان إطاراً مشروعاً لتنسيق الإرادة السياسية، لا ينشئ بذاته اختصاصاً نيابياً، ولا يجيز تجاوز القواعد الدستورية والنظامية التي تحكم ممارسة الوظيفة البرلمانية.
ولما كان الدستور الأردني قد كفل، في المادة (2/16)، حق الأردنيين في تأليف الأحزاب السياسية وفق أحكام القانون، وأكد في المادة (83) استقلال المجلس في تنظيم إجراءاته بموجب نظامه الداخلي، فإن ممارسة العمل الحزبي داخل المؤسسة التشريعية تظل محكومة بحدود الاختصاص الذي قررته النصوص الناظمة لكل من الحزب والكتلة النيابية ومجلس النواب. ولا يترتب على الانتماء الحزبي، بمجرده، اندماج هذه الأطر في كيان قانوني واحد، أو انتقال اختصاصات أحدها إلى الآخر.
وفي هذا السياق، تناول النظام الداخلي لمجلس النواب الأردني، في فصله الخامس المعنون 'الكتل والائتلافات النيابية' ، أحكام تشكيل الكتل وآليات تنظيمها واختيار قياداتها وممارسة وظائفها؛ إذ نصت المادة (25/أ) على أنه: 'يحق لكل مجموعة من النواب لا يقل عددها عن (10%) من أعضاء المجلس تشكيل كتلة نيابية'، كما أجازت الفقرة (ب) من المادة ذاتها لكتلتين أو أكثر تشكيل ائتلاف نيابي. ومؤدى ذلك أن الكتلة النيابية تتكون من النواب أنفسهم، وتستمد صفتها من اجتماعهم وفق الشروط التي حددها النظام الداخلي، لا من قرار قيادة الحزب أو من مجرد وحدة الانتماء السياسي.
وتتأكد هذه الطبيعة التنظيمية بمقتضى المادة (26) من النظام الداخلي، التي أوجبت على كل كتلة أو ائتلاف نيابي وضع نظام خاص لتنظيم عمله وإيداعه لدى الأمانة العامة خلال أربعة عشر يوماً من بداية الدورة العادية. كما نصت المادة (27) على أن: 'تنتخب الكتلة أو الائتلاف النيابي رئيساً ونائباً للرئيس ومقرراً لها وناطقاً إعلامياً باسمها'. وتكشف هاتان المادتان عن أن للكتلة إطاراً تنظيمياً خاصاً، وقيادة تنتخبها، وآليات تحكم عملها؛ الأمر الذي لا يستقيم معه افتراض حلول الأمين العام للحزب محل رئيس الكتلة، أو تمتعه بصلاحيات داخلية لم يقررها النظام الداخلي أو النظام الخاص بالكتلة.
وحيث إن النظام الداخلي قد أسند إلى الكتلة ذاتها وضع نظامها الخاص وانتخاب رئيسها وممثليها، فإن تحديد الأشخاص الذين يحق لهم حضور اجتماعاتها والمشاركة في مداولاتها يتعين أن يستند إلى أحكام ذلك النظام الخاص، وإلى القواعد المنظمة للاجتماع وطبيعته. فلا يجوز الجزم بمنع الأمين العام للحزب من حضور أي اجتماع على الإطلاق، كما لا يصح القول إن صفته الحزبية تمنحه حقاً أصيلاً في الحضور والمشاركة؛ إذ يتوقف الحكم على وجود سند تنظيمي يجيز ذلك، وعلى حدود المشاركة التي يسمح بها هذا السند.
أما التشاور بين الأمين العام للحزب والنواب المنتمين إليه، أو بينه وبين رئيس الكتلة، فلا يتعارض في ذاته مع استقلال العمل النيابي؛ فالعمل الحزبي بطبيعته يقوم على الحوار وتنسيق المواقف وبناء التوافقات السياسية. غير أن المشروعية السياسية لهذا التشاور لا تعني تحوله إلى سلطة قانونية ملزمة للكتلة، ولا تخوّل الأمين العام للحزب مباشرة اختصاصاتها أو الحلول محل الهيئات التي أناط بها النظام الداخلي اتخاذ القرارات المتعلقة بعملها.
ويؤكد هذا المعنى ما قررته المادة (30/أ) من النظام الداخلي بشأن اختصاص رئيس الكتلة أو الائتلاف النيابي بالتنسيق مع رئيس المجلس في الشؤون السياسية والبرلمانية التي تقرها الكتلة، وغيرها من الأمور التي من شأنها تطوير العمل البرلماني. فقد ربط النص ممارسة هذا الاختصاص برئيس الكتلة، وجعل موضوع التنسيق متعلقاً بالشؤون التي تقرها الكتلة، بما يفيد أن رئيس الكتلة يمارس دوره التمثيلي في إطار إرادتها وقراراتها، لا بوصفه صاحب سلطة مستقلة عن أعضائها. ولا يجوز نقل هذا الاختصاص إلى الأمين العام للحزب لمجرد أنه يتولى قيادة التنظيم السياسي الذي ينتمي إليه أعضاء الكتلة.
ويمتد هذا التمييز إلى انتخاب رئيس مجلس النواب وأعضاء المكتب الدائم؛ إذ يجوز للأمين العام للحزب أن يتشاور مع نواب حزبه بشأن المرشحين، وأن يطرح رؤيته السياسية، وأن يسعى إلى توحيد المواقف أو بناء توافقات انتخابية، باعتبار ذلك من مظاهر النشاط الحزبي المشروع. بيد أن هذا الدور يظل في نطاق التأثير السياسي، ولا يتحول إلى اختصاص قانوني في إدارة عملية الانتخاب أو الحلول محل النواب في ممارسة صلاحياتهم المقررة دستورياً ونظامياً. فثمة فارق بين أن يقود الأمين العام للحزب مشاورات سياسية بقصد الوصول إلى موقف مشترك، وبين أن يدّعي سلطة ملزمة في تقرير كيفية ممارسة النواب لاختصاصاتهم.
ولا يغير من ذلك أن تتضمن الأنظمة الأساسية للأحزاب أو مواثيقها التنظيمية أحكاماً تتعلق بالتزام أعضائها بالتوجهات والقرارات الحزبية؛ إذ يتعين التمييز بين الالتزام الناشئ في نطاق العلاقة الحزبية، وبين الاختصاص النيابي الذي يستمد أساسه من الدستور والنظام الداخلي للمجلس. فليس كل التزام حزبي اختصاصاً نيابياً، كما أن وجود توجيه حزبي لا يكفي، بذاته، لإضفاء صفة القرار النيابي عليه أو ترتيب آثاره داخل المجلس.
وتثور المسألة ذاتها بشأن التصريحات الإعلامية الصادرة عن الأمين العام للحزب؛ إذ يتعين التمييز بين التعبير عن موقف الحزب السياسي والتحدث باسم الكتلة النيابية. فالأول يدخل في نطاق الدور السياسي والتنظيمي للأمين العام للحزب، أما الثاني فيقتضي أن يستند إلى قرار صادر عن الكتلة أو إلى صفة تمثيلية وتفويض معتبر وفق القواعد المنظمة لعملها. وقد أفرد النظام الداخلي للكتلة، بموجب المادة (27)، موقعاً للناطق الإعلامي باسمها، بما يؤكد ضرورة التمييز بين التعبير عن الموقف الحزبي والتعبير عن الموقف النيابي. ومن ثم، فإن وحدة الانتماء الحزبي لا تكفي، بذاتها، لاعتبار إرادة الحزب مطابقة لإرادة كتلته النيابية.
ولما كان ما تقدم، فإن تحديد حدود الدور المشروع للأمين العام للحزب يقتضي النظر إلى طبيعة التصرف الذي يباشره وسنده القانوني، لا إلى موقعه السياسي أو مقدار نفوذه داخل الحزب. فإذا اقتصر دوره على التشاور والتنسيق وبناء التوافقات والتعبير عن الموقف الحزبي، بقي في نطاق العمل السياسي المشروع؛ أما إذا امتد إلى مباشرة اختصاصات مقررة للكتلة أو للمجلس دون سند قانوني، فإن مشروعية ذلك التدخل تكون محل نظر في ضوء القواعد الدستورية والقانونية واجبة التطبيق.
وأخيراً، فإن سلامة العلاقة بين قيادة الحزب وأمينه العام وكتلته النيابية تقتضي مراجعة المشرّع لأحكام النظام الداخلي ذات الصلة، بالتوازي مع مراجعة الأحزاب لأنظمتها الأساسية، بما يكفل وضوح الاختصاصات، ويضبط العلاقة بين القيادة الحزبية والكتلة النيابية، ويحقق التوازن بين مقتضيات الانضباط الحزبي وضمانات استقلال العمل النيابي، اتساقاً مع أحكام الدستور وطبيعة النظام البرلماني.
Tarawneh.mohannad@yahoo.com
أوضح الأكاديمي الدكتور مهند صالح الطراونة، الضوابط الدستورية والقانونية للعلاقة بين الأمين العام للحزب وعمل الكتل النيابية في البرلمان.
وقال الطراونة في مقال خص به عمون:
يثور التساؤل عن الحدود القانونية للدور الذي يجوز للأمين العام للحزب السياسي أن يمارسه تجاه النواب المنتمين إلى حزبه، ولا سيما فيما يتصل بحضور اجتماعات الكتلة النيابية، وتوجيه مواقف أعضائها، والتأثير في انتخاب رئيس مجلس النواب وأعضاء المكتب الدائم. ومردّ هذا التساؤل أن العمل الحزبي، وإن كان إطاراً مشروعاً لتنسيق الإرادة السياسية، لا ينشئ بذاته اختصاصاً نيابياً، ولا يجيز تجاوز القواعد الدستورية والنظامية التي تحكم ممارسة الوظيفة البرلمانية.
ولما كان الدستور الأردني قد كفل، في المادة (2/16)، حق الأردنيين في تأليف الأحزاب السياسية وفق أحكام القانون، وأكد في المادة (83) استقلال المجلس في تنظيم إجراءاته بموجب نظامه الداخلي، فإن ممارسة العمل الحزبي داخل المؤسسة التشريعية تظل محكومة بحدود الاختصاص الذي قررته النصوص الناظمة لكل من الحزب والكتلة النيابية ومجلس النواب. ولا يترتب على الانتماء الحزبي، بمجرده، اندماج هذه الأطر في كيان قانوني واحد، أو انتقال اختصاصات أحدها إلى الآخر.
وفي هذا السياق، تناول النظام الداخلي لمجلس النواب الأردني، في فصله الخامس المعنون 'الكتل والائتلافات النيابية' ، أحكام تشكيل الكتل وآليات تنظيمها واختيار قياداتها وممارسة وظائفها؛ إذ نصت المادة (25/أ) على أنه: 'يحق لكل مجموعة من النواب لا يقل عددها عن (10%) من أعضاء المجلس تشكيل كتلة نيابية'، كما أجازت الفقرة (ب) من المادة ذاتها لكتلتين أو أكثر تشكيل ائتلاف نيابي. ومؤدى ذلك أن الكتلة النيابية تتكون من النواب أنفسهم، وتستمد صفتها من اجتماعهم وفق الشروط التي حددها النظام الداخلي، لا من قرار قيادة الحزب أو من مجرد وحدة الانتماء السياسي.
وتتأكد هذه الطبيعة التنظيمية بمقتضى المادة (26) من النظام الداخلي، التي أوجبت على كل كتلة أو ائتلاف نيابي وضع نظام خاص لتنظيم عمله وإيداعه لدى الأمانة العامة خلال أربعة عشر يوماً من بداية الدورة العادية. كما نصت المادة (27) على أن: 'تنتخب الكتلة أو الائتلاف النيابي رئيساً ونائباً للرئيس ومقرراً لها وناطقاً إعلامياً باسمها'. وتكشف هاتان المادتان عن أن للكتلة إطاراً تنظيمياً خاصاً، وقيادة تنتخبها، وآليات تحكم عملها؛ الأمر الذي لا يستقيم معه افتراض حلول الأمين العام للحزب محل رئيس الكتلة، أو تمتعه بصلاحيات داخلية لم يقررها النظام الداخلي أو النظام الخاص بالكتلة.
وحيث إن النظام الداخلي قد أسند إلى الكتلة ذاتها وضع نظامها الخاص وانتخاب رئيسها وممثليها، فإن تحديد الأشخاص الذين يحق لهم حضور اجتماعاتها والمشاركة في مداولاتها يتعين أن يستند إلى أحكام ذلك النظام الخاص، وإلى القواعد المنظمة للاجتماع وطبيعته. فلا يجوز الجزم بمنع الأمين العام للحزب من حضور أي اجتماع على الإطلاق، كما لا يصح القول إن صفته الحزبية تمنحه حقاً أصيلاً في الحضور والمشاركة؛ إذ يتوقف الحكم على وجود سند تنظيمي يجيز ذلك، وعلى حدود المشاركة التي يسمح بها هذا السند.
أما التشاور بين الأمين العام للحزب والنواب المنتمين إليه، أو بينه وبين رئيس الكتلة، فلا يتعارض في ذاته مع استقلال العمل النيابي؛ فالعمل الحزبي بطبيعته يقوم على الحوار وتنسيق المواقف وبناء التوافقات السياسية. غير أن المشروعية السياسية لهذا التشاور لا تعني تحوله إلى سلطة قانونية ملزمة للكتلة، ولا تخوّل الأمين العام للحزب مباشرة اختصاصاتها أو الحلول محل الهيئات التي أناط بها النظام الداخلي اتخاذ القرارات المتعلقة بعملها.
ويؤكد هذا المعنى ما قررته المادة (30/أ) من النظام الداخلي بشأن اختصاص رئيس الكتلة أو الائتلاف النيابي بالتنسيق مع رئيس المجلس في الشؤون السياسية والبرلمانية التي تقرها الكتلة، وغيرها من الأمور التي من شأنها تطوير العمل البرلماني. فقد ربط النص ممارسة هذا الاختصاص برئيس الكتلة، وجعل موضوع التنسيق متعلقاً بالشؤون التي تقرها الكتلة، بما يفيد أن رئيس الكتلة يمارس دوره التمثيلي في إطار إرادتها وقراراتها، لا بوصفه صاحب سلطة مستقلة عن أعضائها. ولا يجوز نقل هذا الاختصاص إلى الأمين العام للحزب لمجرد أنه يتولى قيادة التنظيم السياسي الذي ينتمي إليه أعضاء الكتلة.
ويمتد هذا التمييز إلى انتخاب رئيس مجلس النواب وأعضاء المكتب الدائم؛ إذ يجوز للأمين العام للحزب أن يتشاور مع نواب حزبه بشأن المرشحين، وأن يطرح رؤيته السياسية، وأن يسعى إلى توحيد المواقف أو بناء توافقات انتخابية، باعتبار ذلك من مظاهر النشاط الحزبي المشروع. بيد أن هذا الدور يظل في نطاق التأثير السياسي، ولا يتحول إلى اختصاص قانوني في إدارة عملية الانتخاب أو الحلول محل النواب في ممارسة صلاحياتهم المقررة دستورياً ونظامياً. فثمة فارق بين أن يقود الأمين العام للحزب مشاورات سياسية بقصد الوصول إلى موقف مشترك، وبين أن يدّعي سلطة ملزمة في تقرير كيفية ممارسة النواب لاختصاصاتهم.
ولا يغير من ذلك أن تتضمن الأنظمة الأساسية للأحزاب أو مواثيقها التنظيمية أحكاماً تتعلق بالتزام أعضائها بالتوجهات والقرارات الحزبية؛ إذ يتعين التمييز بين الالتزام الناشئ في نطاق العلاقة الحزبية، وبين الاختصاص النيابي الذي يستمد أساسه من الدستور والنظام الداخلي للمجلس. فليس كل التزام حزبي اختصاصاً نيابياً، كما أن وجود توجيه حزبي لا يكفي، بذاته، لإضفاء صفة القرار النيابي عليه أو ترتيب آثاره داخل المجلس.
وتثور المسألة ذاتها بشأن التصريحات الإعلامية الصادرة عن الأمين العام للحزب؛ إذ يتعين التمييز بين التعبير عن موقف الحزب السياسي والتحدث باسم الكتلة النيابية. فالأول يدخل في نطاق الدور السياسي والتنظيمي للأمين العام للحزب، أما الثاني فيقتضي أن يستند إلى قرار صادر عن الكتلة أو إلى صفة تمثيلية وتفويض معتبر وفق القواعد المنظمة لعملها. وقد أفرد النظام الداخلي للكتلة، بموجب المادة (27)، موقعاً للناطق الإعلامي باسمها، بما يؤكد ضرورة التمييز بين التعبير عن الموقف الحزبي والتعبير عن الموقف النيابي. ومن ثم، فإن وحدة الانتماء الحزبي لا تكفي، بذاتها، لاعتبار إرادة الحزب مطابقة لإرادة كتلته النيابية.
ولما كان ما تقدم، فإن تحديد حدود الدور المشروع للأمين العام للحزب يقتضي النظر إلى طبيعة التصرف الذي يباشره وسنده القانوني، لا إلى موقعه السياسي أو مقدار نفوذه داخل الحزب. فإذا اقتصر دوره على التشاور والتنسيق وبناء التوافقات والتعبير عن الموقف الحزبي، بقي في نطاق العمل السياسي المشروع؛ أما إذا امتد إلى مباشرة اختصاصات مقررة للكتلة أو للمجلس دون سند قانوني، فإن مشروعية ذلك التدخل تكون محل نظر في ضوء القواعد الدستورية والقانونية واجبة التطبيق.
وأخيراً، فإن سلامة العلاقة بين قيادة الحزب وأمينه العام وكتلته النيابية تقتضي مراجعة المشرّع لأحكام النظام الداخلي ذات الصلة، بالتوازي مع مراجعة الأحزاب لأنظمتها الأساسية، بما يكفل وضوح الاختصاصات، ويضبط العلاقة بين القيادة الحزبية والكتلة النيابية، ويحقق التوازن بين مقتضيات الانضباط الحزبي وضمانات استقلال العمل النيابي، اتساقاً مع أحكام الدستور وطبيعة النظام البرلماني.
Tarawneh.mohannad@yahoo.com
التعليقات