حسن محمد الزبن
رصاص الغدر لن يشق الصف الوطني؛ فالأردنيون، مسلمون ومسيحيون، شركاء الأرض والمصير في مواجهة التطرف، والرصاصات الغادرة التي اخترقت سكون بلدة حمود في محافظة الكرك لم تكن مجرد اعتداء عابر، بل محاولة آثمة للنيل من جوهر النموذج الأردني القائم على التآخي والعيش المشترك.
فاستهداف مواطنين آمنين في محيط كنيسة الروم الأرثوذكس أثناء تشييع جنازة جريمة إرهابية جبانة، وانتهاك صارخ لحرمة النفس البشرية ودور العبادة، واعتداء مباشر على أمن المجتمع ووحدته، وتتناقض هذه الجريمة مع تعاليم الأديان السماوية جميعها، التي تدعو إلى الرحمة والمحبة وصون الأرواح واحترام كرامة الإنسان، وهي ايضًا، قبل كل شيء، اعتداء على الأردن بأسره بلحمته المتعاضدة قيادة وشعبًا؛ فالدم الذي أُريق في الكرك ليس دم فئة أو طائفة، بل دم أردني عزيز، وألم الفقد الذي خيّم على الكرك امتد إلى كل بيت أردني، مسلمًا كان أم مسيحيًا.
الفاجعة تكشف حقيقة لا تحتمل التأويل بأن الإرهاب لا دين له ولا وطن، فالجماعات المتطرفة، وإن استهدفت مكوّنًا اجتماعيًا أو دينيًا بعينه، فإنها تصوّب رصاصها نحو الأردن ونسيجه الوطني المتلاحم، وتسعى إلى تقويض السلم الأهلي وزعزعة الثقة بين مكونات المجتمع، مستغلة الخوف والتحريض لإشعال الفتنة، ومن يتوهم أن رصاص الغدر قادر على شق الصف الأردني أو تمزيق نسيجه الاجتماعي، لا يقرأ تاريخ هذا الوطن ولا يعرف طبيعة أبنائه؛ فقد أثبت الأردنيون، في مختلف المحطات الصعبة، وعبر عقود طويلة، أن هويتهم الوطنية الجامعة أقوى من نزعات الانقسام، وأنهم، من شمال المملكة إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، شركاء في الأرض والموقف والمصير؛ فالوجود المسيحي في الأردن ليس طارئًا ولا هامشيًا، بل هو جزء أصيل من هوية البلاد وتاريخها وذاكرتها الحضارية، والمساجد والكنائس معًا شواهد على وطن بُني على الاحترام والتكافل، لا على الفرز والإقصاء، ولهذا، فإن أي اعتداء على كنيسة أو مسجد، أو على مواطن بسبب معتقده، هو اعتداء على الأردن بكل مكوناته وثوابته.
راهنت قوى التطرف مرارًا على تفكيك الجبهة الداخلية، واستغلال الاختلافات الدينية والاجتماعية لتحويلها إلى شروخ في النسيج الوطني، لكنها اصطدمت في كل مرة بوعي الأردنيين وصلابة هويتهم الوطنية، وسيظل هذا الرهان خاسرًا ما دام المجتمع متمسكًا بدولته وسيادة القانون، ومتمسكًا بقيم المواطنة التي لا تميّز بين أبنائه، وفي مواجهة هذه الجريمة، جاء موقف جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حاسمًا، مؤكدًا أن حرمة الدم الأردني ووحدة المجتمع في مقدمة الخطوط الحمراء للدولة، إذ أكد جلالته:
»سنواجه العمل الإرهابي الذي استهدف الكرك بأشد العقوبات. ومن توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا. جميع الأردنيين من شمال الوطن لجنوبه شركاء الأرض والموقف ولن ينفذ بينهما غدر. أحر التعازي لذوي الشهداء وأمنياتنا بالشفاء للمصابين. دم الأردني غالي، وسنضرب بيد من حديد من تطاول على هذه البلد«.
لا يقتصر هذا الموقف على إدانة الجريمة، بل يؤكد عقيدة الدولة الأردنية في حماية مواطنيها، وصون دور العبادة، وملاحقة كل من يخطط للأعمال الإرهابية أو ينفذها أو يحرّض عليها أو يموّلها، كما يضع المؤسسات والمجتمع أمام مسؤولية مشتركة تتمثل في منع تحوّل الجريمة إلى مدخل لنشر الشائعات أو التحريض أو تبادل الاتهامات، وجعلها بدلًا من ذلك لحظة وطنية تعزز الثقة بالقانون، وتتيح للأجهزة المختصة استكمال التحقيقات وكشف جميع الملابسات، إن خطر الإرهاب التكفيري لا يُواجَه بالإجراءات الأمنية وحدها، على أهميتها، بل يتطلب استراتيجية وطنية شاملة ومتعددة الأبعاد؛ فالأردن، بما يمتلكه من قوات مسلحة باسلة وأجهزة أمنية محترفة ويقظة، قادر على حماية حدوده وجبهته الداخلية وتفكيك الشبكات التخريبية، غير أن طبيعة التطرف المعاصر تفرض توسيع نطاق المواجهة ليشمل الوقاية الفكرية والرقمية والاجتماعية، وفي مقدمة الأولويات، تبرز ضرورة تعزيز الأمن الاستباقي ورصد الخلايا النائمة والأفراد الذين يتبنون الفكر المتطرف، قبل انتقالهم من التحريض إلى التنفيذ، فقد تبدأ مسارات التطرف بخطاب كراهية عابر أو محتوى رقمي مضلل، ثم تتطور إلى تهديد فعلي للأرواح والأمن العام، ومن هنا، يشكّل التعاون الواعي بين المواطنين والمؤسسات المختصة ركيزة أساسية في منظومة الإنذار المبكر، ضمن أحكام القانون وبما يصون الحقوق والحريات.
وفي موازاة ذلك، تتحمل المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية والإعلامية مسؤولية تحديث خطابها التوعوي، بما يعزز قيم المواطنة الشاملة والتعددية واحترام الاختلاف، ويفكك سرديات التكفير والإقصاء التي تتغذى على الجهل والعزلة والتضليل، ولا يقل الفضاء الرقمي خطورة عن الميدان؛ إذ تستغل الجماعات الإرهابية منصات التواصل الاجتماعي لنشر خطاب الكراهية واستقطاب الأفراد وتجنيدهم، لذلك، بات التحصين الرقمي، وتعزيز التفكير النقدي لدى الشباب، وملاحقة المحتوى المحرّض وفق القانون، ركائز أساسية لحماية المجتمع، وفي الساعات التي تعقب الحوادث الأمنية، تنشط الشائعات وتتداول الروايات غير الموثقة، وقد تتحول المعلومات المغلوطة إلى أداة إضافية في يد مرتكبي الجرائم؛ فالإرهاب لا يعتمد على الرصاص وحده، بل يراهن أيضًا على إشاعة الفوضى والخوف وتعميق الانقسام، من هنا، تبرز أهمية الاعتماد على المعلومات الصادرة عن الجهات الرسمية، وعدم استباق نتائج التحقيقات أو تداول أسماء وتفاصيل غير مؤكدة قد تضر بالضحايا أو تؤثر في سير العدالة، كما أن الالتزام بقرارات حظر النشر القضائي، حين تصدر، لا يتعارض مع المسؤولية الإعلامية، بل يحمي مسار التحقيق ويمنع تحويل المنصات الإعلامية والرقمية إلى ساحات للمزايدة والتحريض، والإعلام المهني مطالب بأن يكون جسرًا للحقيقة، لا ناقلًا للذعر؛ وأن يقدّم الدقة على السبق، والوحدة الوطنية على الإثارة، وحقوق الضحايا على الرغبة في اجتذاب التفاعل، ويستند الأردن في مواجهة الإرهاب إلى منظومة قانونية وتشريعية تجرّم تنفيذ الأعمال الإرهابية أو التخطيط لها أو تمويلها أو الترويج لأفكارها، وتفرض عقوبات مغلظة قد تصل إلى الإعدام في الجرائم التي تفضي إلى إزهاق الأرواح، وفقًا لأحكام القانون وقرارات القضاء المختص.
إن قوة الدولة لا تُقاس بصرامة العقوبة وحدها، بل بقدرتها على إنفاذ القانون بعدالة ونزاهة، وضمان ألا يفلت أي متورط من المساءلة، مع احترام الإجراءات القضائية وصون الحقوق التي تميّز دولة المؤسسات عن منطق الانتقام والفوضى؛ فالعدالة الناجزة والمنصفة هي الرد الأقوى على الإرهاب؛ لأنها تحمي المجتمع، وتنصف الضحايا، وتحبط مساعي المتطرفين إلى جرّ الدولة والمجتمع خارج إطار القانون.
والكرك، التي عرفت عبر تاريخها معنى الصمود، لن تكون بوابة للفتنة، أما الأردن، الذي واجه التحديات بعزم وثبات، فلن تفرض عليه رصاصة غادرة هوية الخوف أو الانقسام؛ ففي اللحظات العصيبة يظهر المعدن الحقيقي للشعوب، وقد أثبت الأردنيون أن مصاب الواحد منهم هو مصاب الجميع، وأن الكنيسة والمسجد يقفان في خندق وطني واحد في مواجهة الكراهية.
وفي هذا المصاب الجلل، نتقدم بأحر التعازي وصادق المواساة إلى ذوي الضحايا، سائلين الله الرحمة لمن فقدوا أرواحهم، والشفاء العاجل والتام للمصابين.
لكن عزاءنا الأكبر أن الحزن، مهما اشتدّ، لن يتحوّل إلى ضعف، بل إلى وعي أعمق، وتماسك أقوى، وإصرار أشدّ على اجتثاث التطرف من جذوره، وسيبقى الأردن عصيًّا على الانكسار، محصّنًا بوحدة شعبه، ويقظة مؤسساته، وبسالة جيشه العربي وأجهزته الأمنية، وعدالة قضائه، وستظل دماء ضحايا الكرك شاهدةً على أن رصاص الغدر، مهما بلغ حقد مطلقيه، لن يشقّ الصف الأردني، بل سيزيده صلابةً، ويجعل من الوحدة الوطنية صخرةً تتحطم عليها مؤامرات الإرهاب والفتنة وكل محاولات التخريب التي تستهدف الوطن.
حسن محمد الزبن
رصاص الغدر لن يشق الصف الوطني؛ فالأردنيون، مسلمون ومسيحيون، شركاء الأرض والمصير في مواجهة التطرف، والرصاصات الغادرة التي اخترقت سكون بلدة حمود في محافظة الكرك لم تكن مجرد اعتداء عابر، بل محاولة آثمة للنيل من جوهر النموذج الأردني القائم على التآخي والعيش المشترك.
فاستهداف مواطنين آمنين في محيط كنيسة الروم الأرثوذكس أثناء تشييع جنازة جريمة إرهابية جبانة، وانتهاك صارخ لحرمة النفس البشرية ودور العبادة، واعتداء مباشر على أمن المجتمع ووحدته، وتتناقض هذه الجريمة مع تعاليم الأديان السماوية جميعها، التي تدعو إلى الرحمة والمحبة وصون الأرواح واحترام كرامة الإنسان، وهي ايضًا، قبل كل شيء، اعتداء على الأردن بأسره بلحمته المتعاضدة قيادة وشعبًا؛ فالدم الذي أُريق في الكرك ليس دم فئة أو طائفة، بل دم أردني عزيز، وألم الفقد الذي خيّم على الكرك امتد إلى كل بيت أردني، مسلمًا كان أم مسيحيًا.
الفاجعة تكشف حقيقة لا تحتمل التأويل بأن الإرهاب لا دين له ولا وطن، فالجماعات المتطرفة، وإن استهدفت مكوّنًا اجتماعيًا أو دينيًا بعينه، فإنها تصوّب رصاصها نحو الأردن ونسيجه الوطني المتلاحم، وتسعى إلى تقويض السلم الأهلي وزعزعة الثقة بين مكونات المجتمع، مستغلة الخوف والتحريض لإشعال الفتنة، ومن يتوهم أن رصاص الغدر قادر على شق الصف الأردني أو تمزيق نسيجه الاجتماعي، لا يقرأ تاريخ هذا الوطن ولا يعرف طبيعة أبنائه؛ فقد أثبت الأردنيون، في مختلف المحطات الصعبة، وعبر عقود طويلة، أن هويتهم الوطنية الجامعة أقوى من نزعات الانقسام، وأنهم، من شمال المملكة إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، شركاء في الأرض والموقف والمصير؛ فالوجود المسيحي في الأردن ليس طارئًا ولا هامشيًا، بل هو جزء أصيل من هوية البلاد وتاريخها وذاكرتها الحضارية، والمساجد والكنائس معًا شواهد على وطن بُني على الاحترام والتكافل، لا على الفرز والإقصاء، ولهذا، فإن أي اعتداء على كنيسة أو مسجد، أو على مواطن بسبب معتقده، هو اعتداء على الأردن بكل مكوناته وثوابته.
راهنت قوى التطرف مرارًا على تفكيك الجبهة الداخلية، واستغلال الاختلافات الدينية والاجتماعية لتحويلها إلى شروخ في النسيج الوطني، لكنها اصطدمت في كل مرة بوعي الأردنيين وصلابة هويتهم الوطنية، وسيظل هذا الرهان خاسرًا ما دام المجتمع متمسكًا بدولته وسيادة القانون، ومتمسكًا بقيم المواطنة التي لا تميّز بين أبنائه، وفي مواجهة هذه الجريمة، جاء موقف جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حاسمًا، مؤكدًا أن حرمة الدم الأردني ووحدة المجتمع في مقدمة الخطوط الحمراء للدولة، إذ أكد جلالته:
»سنواجه العمل الإرهابي الذي استهدف الكرك بأشد العقوبات. ومن توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا. جميع الأردنيين من شمال الوطن لجنوبه شركاء الأرض والموقف ولن ينفذ بينهما غدر. أحر التعازي لذوي الشهداء وأمنياتنا بالشفاء للمصابين. دم الأردني غالي، وسنضرب بيد من حديد من تطاول على هذه البلد«.
لا يقتصر هذا الموقف على إدانة الجريمة، بل يؤكد عقيدة الدولة الأردنية في حماية مواطنيها، وصون دور العبادة، وملاحقة كل من يخطط للأعمال الإرهابية أو ينفذها أو يحرّض عليها أو يموّلها، كما يضع المؤسسات والمجتمع أمام مسؤولية مشتركة تتمثل في منع تحوّل الجريمة إلى مدخل لنشر الشائعات أو التحريض أو تبادل الاتهامات، وجعلها بدلًا من ذلك لحظة وطنية تعزز الثقة بالقانون، وتتيح للأجهزة المختصة استكمال التحقيقات وكشف جميع الملابسات، إن خطر الإرهاب التكفيري لا يُواجَه بالإجراءات الأمنية وحدها، على أهميتها، بل يتطلب استراتيجية وطنية شاملة ومتعددة الأبعاد؛ فالأردن، بما يمتلكه من قوات مسلحة باسلة وأجهزة أمنية محترفة ويقظة، قادر على حماية حدوده وجبهته الداخلية وتفكيك الشبكات التخريبية، غير أن طبيعة التطرف المعاصر تفرض توسيع نطاق المواجهة ليشمل الوقاية الفكرية والرقمية والاجتماعية، وفي مقدمة الأولويات، تبرز ضرورة تعزيز الأمن الاستباقي ورصد الخلايا النائمة والأفراد الذين يتبنون الفكر المتطرف، قبل انتقالهم من التحريض إلى التنفيذ، فقد تبدأ مسارات التطرف بخطاب كراهية عابر أو محتوى رقمي مضلل، ثم تتطور إلى تهديد فعلي للأرواح والأمن العام، ومن هنا، يشكّل التعاون الواعي بين المواطنين والمؤسسات المختصة ركيزة أساسية في منظومة الإنذار المبكر، ضمن أحكام القانون وبما يصون الحقوق والحريات.
وفي موازاة ذلك، تتحمل المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية والإعلامية مسؤولية تحديث خطابها التوعوي، بما يعزز قيم المواطنة الشاملة والتعددية واحترام الاختلاف، ويفكك سرديات التكفير والإقصاء التي تتغذى على الجهل والعزلة والتضليل، ولا يقل الفضاء الرقمي خطورة عن الميدان؛ إذ تستغل الجماعات الإرهابية منصات التواصل الاجتماعي لنشر خطاب الكراهية واستقطاب الأفراد وتجنيدهم، لذلك، بات التحصين الرقمي، وتعزيز التفكير النقدي لدى الشباب، وملاحقة المحتوى المحرّض وفق القانون، ركائز أساسية لحماية المجتمع، وفي الساعات التي تعقب الحوادث الأمنية، تنشط الشائعات وتتداول الروايات غير الموثقة، وقد تتحول المعلومات المغلوطة إلى أداة إضافية في يد مرتكبي الجرائم؛ فالإرهاب لا يعتمد على الرصاص وحده، بل يراهن أيضًا على إشاعة الفوضى والخوف وتعميق الانقسام، من هنا، تبرز أهمية الاعتماد على المعلومات الصادرة عن الجهات الرسمية، وعدم استباق نتائج التحقيقات أو تداول أسماء وتفاصيل غير مؤكدة قد تضر بالضحايا أو تؤثر في سير العدالة، كما أن الالتزام بقرارات حظر النشر القضائي، حين تصدر، لا يتعارض مع المسؤولية الإعلامية، بل يحمي مسار التحقيق ويمنع تحويل المنصات الإعلامية والرقمية إلى ساحات للمزايدة والتحريض، والإعلام المهني مطالب بأن يكون جسرًا للحقيقة، لا ناقلًا للذعر؛ وأن يقدّم الدقة على السبق، والوحدة الوطنية على الإثارة، وحقوق الضحايا على الرغبة في اجتذاب التفاعل، ويستند الأردن في مواجهة الإرهاب إلى منظومة قانونية وتشريعية تجرّم تنفيذ الأعمال الإرهابية أو التخطيط لها أو تمويلها أو الترويج لأفكارها، وتفرض عقوبات مغلظة قد تصل إلى الإعدام في الجرائم التي تفضي إلى إزهاق الأرواح، وفقًا لأحكام القانون وقرارات القضاء المختص.
إن قوة الدولة لا تُقاس بصرامة العقوبة وحدها، بل بقدرتها على إنفاذ القانون بعدالة ونزاهة، وضمان ألا يفلت أي متورط من المساءلة، مع احترام الإجراءات القضائية وصون الحقوق التي تميّز دولة المؤسسات عن منطق الانتقام والفوضى؛ فالعدالة الناجزة والمنصفة هي الرد الأقوى على الإرهاب؛ لأنها تحمي المجتمع، وتنصف الضحايا، وتحبط مساعي المتطرفين إلى جرّ الدولة والمجتمع خارج إطار القانون.
والكرك، التي عرفت عبر تاريخها معنى الصمود، لن تكون بوابة للفتنة، أما الأردن، الذي واجه التحديات بعزم وثبات، فلن تفرض عليه رصاصة غادرة هوية الخوف أو الانقسام؛ ففي اللحظات العصيبة يظهر المعدن الحقيقي للشعوب، وقد أثبت الأردنيون أن مصاب الواحد منهم هو مصاب الجميع، وأن الكنيسة والمسجد يقفان في خندق وطني واحد في مواجهة الكراهية.
وفي هذا المصاب الجلل، نتقدم بأحر التعازي وصادق المواساة إلى ذوي الضحايا، سائلين الله الرحمة لمن فقدوا أرواحهم، والشفاء العاجل والتام للمصابين.
لكن عزاءنا الأكبر أن الحزن، مهما اشتدّ، لن يتحوّل إلى ضعف، بل إلى وعي أعمق، وتماسك أقوى، وإصرار أشدّ على اجتثاث التطرف من جذوره، وسيبقى الأردن عصيًّا على الانكسار، محصّنًا بوحدة شعبه، ويقظة مؤسساته، وبسالة جيشه العربي وأجهزته الأمنية، وعدالة قضائه، وستظل دماء ضحايا الكرك شاهدةً على أن رصاص الغدر، مهما بلغ حقد مطلقيه، لن يشقّ الصف الأردني، بل سيزيده صلابةً، ويجعل من الوحدة الوطنية صخرةً تتحطم عليها مؤامرات الإرهاب والفتنة وكل محاولات التخريب التي تستهدف الوطن.
حسن محمد الزبن
رصاص الغدر لن يشق الصف الوطني؛ فالأردنيون، مسلمون ومسيحيون، شركاء الأرض والمصير في مواجهة التطرف، والرصاصات الغادرة التي اخترقت سكون بلدة حمود في محافظة الكرك لم تكن مجرد اعتداء عابر، بل محاولة آثمة للنيل من جوهر النموذج الأردني القائم على التآخي والعيش المشترك.
فاستهداف مواطنين آمنين في محيط كنيسة الروم الأرثوذكس أثناء تشييع جنازة جريمة إرهابية جبانة، وانتهاك صارخ لحرمة النفس البشرية ودور العبادة، واعتداء مباشر على أمن المجتمع ووحدته، وتتناقض هذه الجريمة مع تعاليم الأديان السماوية جميعها، التي تدعو إلى الرحمة والمحبة وصون الأرواح واحترام كرامة الإنسان، وهي ايضًا، قبل كل شيء، اعتداء على الأردن بأسره بلحمته المتعاضدة قيادة وشعبًا؛ فالدم الذي أُريق في الكرك ليس دم فئة أو طائفة، بل دم أردني عزيز، وألم الفقد الذي خيّم على الكرك امتد إلى كل بيت أردني، مسلمًا كان أم مسيحيًا.
الفاجعة تكشف حقيقة لا تحتمل التأويل بأن الإرهاب لا دين له ولا وطن، فالجماعات المتطرفة، وإن استهدفت مكوّنًا اجتماعيًا أو دينيًا بعينه، فإنها تصوّب رصاصها نحو الأردن ونسيجه الوطني المتلاحم، وتسعى إلى تقويض السلم الأهلي وزعزعة الثقة بين مكونات المجتمع، مستغلة الخوف والتحريض لإشعال الفتنة، ومن يتوهم أن رصاص الغدر قادر على شق الصف الأردني أو تمزيق نسيجه الاجتماعي، لا يقرأ تاريخ هذا الوطن ولا يعرف طبيعة أبنائه؛ فقد أثبت الأردنيون، في مختلف المحطات الصعبة، وعبر عقود طويلة، أن هويتهم الوطنية الجامعة أقوى من نزعات الانقسام، وأنهم، من شمال المملكة إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، شركاء في الأرض والموقف والمصير؛ فالوجود المسيحي في الأردن ليس طارئًا ولا هامشيًا، بل هو جزء أصيل من هوية البلاد وتاريخها وذاكرتها الحضارية، والمساجد والكنائس معًا شواهد على وطن بُني على الاحترام والتكافل، لا على الفرز والإقصاء، ولهذا، فإن أي اعتداء على كنيسة أو مسجد، أو على مواطن بسبب معتقده، هو اعتداء على الأردن بكل مكوناته وثوابته.
راهنت قوى التطرف مرارًا على تفكيك الجبهة الداخلية، واستغلال الاختلافات الدينية والاجتماعية لتحويلها إلى شروخ في النسيج الوطني، لكنها اصطدمت في كل مرة بوعي الأردنيين وصلابة هويتهم الوطنية، وسيظل هذا الرهان خاسرًا ما دام المجتمع متمسكًا بدولته وسيادة القانون، ومتمسكًا بقيم المواطنة التي لا تميّز بين أبنائه، وفي مواجهة هذه الجريمة، جاء موقف جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حاسمًا، مؤكدًا أن حرمة الدم الأردني ووحدة المجتمع في مقدمة الخطوط الحمراء للدولة، إذ أكد جلالته:
»سنواجه العمل الإرهابي الذي استهدف الكرك بأشد العقوبات. ومن توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا. جميع الأردنيين من شمال الوطن لجنوبه شركاء الأرض والموقف ولن ينفذ بينهما غدر. أحر التعازي لذوي الشهداء وأمنياتنا بالشفاء للمصابين. دم الأردني غالي، وسنضرب بيد من حديد من تطاول على هذه البلد«.
لا يقتصر هذا الموقف على إدانة الجريمة، بل يؤكد عقيدة الدولة الأردنية في حماية مواطنيها، وصون دور العبادة، وملاحقة كل من يخطط للأعمال الإرهابية أو ينفذها أو يحرّض عليها أو يموّلها، كما يضع المؤسسات والمجتمع أمام مسؤولية مشتركة تتمثل في منع تحوّل الجريمة إلى مدخل لنشر الشائعات أو التحريض أو تبادل الاتهامات، وجعلها بدلًا من ذلك لحظة وطنية تعزز الثقة بالقانون، وتتيح للأجهزة المختصة استكمال التحقيقات وكشف جميع الملابسات، إن خطر الإرهاب التكفيري لا يُواجَه بالإجراءات الأمنية وحدها، على أهميتها، بل يتطلب استراتيجية وطنية شاملة ومتعددة الأبعاد؛ فالأردن، بما يمتلكه من قوات مسلحة باسلة وأجهزة أمنية محترفة ويقظة، قادر على حماية حدوده وجبهته الداخلية وتفكيك الشبكات التخريبية، غير أن طبيعة التطرف المعاصر تفرض توسيع نطاق المواجهة ليشمل الوقاية الفكرية والرقمية والاجتماعية، وفي مقدمة الأولويات، تبرز ضرورة تعزيز الأمن الاستباقي ورصد الخلايا النائمة والأفراد الذين يتبنون الفكر المتطرف، قبل انتقالهم من التحريض إلى التنفيذ، فقد تبدأ مسارات التطرف بخطاب كراهية عابر أو محتوى رقمي مضلل، ثم تتطور إلى تهديد فعلي للأرواح والأمن العام، ومن هنا، يشكّل التعاون الواعي بين المواطنين والمؤسسات المختصة ركيزة أساسية في منظومة الإنذار المبكر، ضمن أحكام القانون وبما يصون الحقوق والحريات.
وفي موازاة ذلك، تتحمل المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية والإعلامية مسؤولية تحديث خطابها التوعوي، بما يعزز قيم المواطنة الشاملة والتعددية واحترام الاختلاف، ويفكك سرديات التكفير والإقصاء التي تتغذى على الجهل والعزلة والتضليل، ولا يقل الفضاء الرقمي خطورة عن الميدان؛ إذ تستغل الجماعات الإرهابية منصات التواصل الاجتماعي لنشر خطاب الكراهية واستقطاب الأفراد وتجنيدهم، لذلك، بات التحصين الرقمي، وتعزيز التفكير النقدي لدى الشباب، وملاحقة المحتوى المحرّض وفق القانون، ركائز أساسية لحماية المجتمع، وفي الساعات التي تعقب الحوادث الأمنية، تنشط الشائعات وتتداول الروايات غير الموثقة، وقد تتحول المعلومات المغلوطة إلى أداة إضافية في يد مرتكبي الجرائم؛ فالإرهاب لا يعتمد على الرصاص وحده، بل يراهن أيضًا على إشاعة الفوضى والخوف وتعميق الانقسام، من هنا، تبرز أهمية الاعتماد على المعلومات الصادرة عن الجهات الرسمية، وعدم استباق نتائج التحقيقات أو تداول أسماء وتفاصيل غير مؤكدة قد تضر بالضحايا أو تؤثر في سير العدالة، كما أن الالتزام بقرارات حظر النشر القضائي، حين تصدر، لا يتعارض مع المسؤولية الإعلامية، بل يحمي مسار التحقيق ويمنع تحويل المنصات الإعلامية والرقمية إلى ساحات للمزايدة والتحريض، والإعلام المهني مطالب بأن يكون جسرًا للحقيقة، لا ناقلًا للذعر؛ وأن يقدّم الدقة على السبق، والوحدة الوطنية على الإثارة، وحقوق الضحايا على الرغبة في اجتذاب التفاعل، ويستند الأردن في مواجهة الإرهاب إلى منظومة قانونية وتشريعية تجرّم تنفيذ الأعمال الإرهابية أو التخطيط لها أو تمويلها أو الترويج لأفكارها، وتفرض عقوبات مغلظة قد تصل إلى الإعدام في الجرائم التي تفضي إلى إزهاق الأرواح، وفقًا لأحكام القانون وقرارات القضاء المختص.
إن قوة الدولة لا تُقاس بصرامة العقوبة وحدها، بل بقدرتها على إنفاذ القانون بعدالة ونزاهة، وضمان ألا يفلت أي متورط من المساءلة، مع احترام الإجراءات القضائية وصون الحقوق التي تميّز دولة المؤسسات عن منطق الانتقام والفوضى؛ فالعدالة الناجزة والمنصفة هي الرد الأقوى على الإرهاب؛ لأنها تحمي المجتمع، وتنصف الضحايا، وتحبط مساعي المتطرفين إلى جرّ الدولة والمجتمع خارج إطار القانون.
والكرك، التي عرفت عبر تاريخها معنى الصمود، لن تكون بوابة للفتنة، أما الأردن، الذي واجه التحديات بعزم وثبات، فلن تفرض عليه رصاصة غادرة هوية الخوف أو الانقسام؛ ففي اللحظات العصيبة يظهر المعدن الحقيقي للشعوب، وقد أثبت الأردنيون أن مصاب الواحد منهم هو مصاب الجميع، وأن الكنيسة والمسجد يقفان في خندق وطني واحد في مواجهة الكراهية.
وفي هذا المصاب الجلل، نتقدم بأحر التعازي وصادق المواساة إلى ذوي الضحايا، سائلين الله الرحمة لمن فقدوا أرواحهم، والشفاء العاجل والتام للمصابين.
لكن عزاءنا الأكبر أن الحزن، مهما اشتدّ، لن يتحوّل إلى ضعف، بل إلى وعي أعمق، وتماسك أقوى، وإصرار أشدّ على اجتثاث التطرف من جذوره، وسيبقى الأردن عصيًّا على الانكسار، محصّنًا بوحدة شعبه، ويقظة مؤسساته، وبسالة جيشه العربي وأجهزته الأمنية، وعدالة قضائه، وستظل دماء ضحايا الكرك شاهدةً على أن رصاص الغدر، مهما بلغ حقد مطلقيه، لن يشقّ الصف الأردني، بل سيزيده صلابةً، ويجعل من الوحدة الوطنية صخرةً تتحطم عليها مؤامرات الإرهاب والفتنة وكل محاولات التخريب التي تستهدف الوطن.
التعليقات