لم يعد مشروع سوفا 53 الإسرائيلي في جنوب سوريا مجرد طريق عسكري أو سلسلة من السواتر الترابية والخنادق التي يجري شقها بمحاذاة الجولان السوري المحتل وإنما بدأ يتحول إلى مشروع لإنتاج واقع جغرافي وعسكري جديد في واحدة من أكثر مناطق المشرق العربي حساسية خاصة وان الآليات الإسرائيلية التي عادت في الرابع من تشرين الأول إلى الحفر والتجريف غربي قرية العشة في ريف القنيطرة الجنوبي لا تتحرك في فراغ ولا تنفذ عملاً هندسياً معزولاً وإنما تستكمل مساراً بدأ منذ عام 2022 ويتجه شمالاً وجنوباً على امتداد عشرات الكيلومترات داخل منطقة شديدة الحساسية ترتبط مباشرة باتفاق فض الاشتباك السوري الإسرائيلي لعام 1974 وقد وصفت دمشق استكمال العمل في الخط بأنه خرق فاضح للاتفاق وانتهاك للسيادة السورية .
المشكلة الحقيقية في مشروع سوفا 53 ليست في الطريق نفسه ولا في عرضه الذي يقدر بنحو ثمانية أمتار ولا في حجم السواتر التي يصل ارتفاع بعضها إلى خمسة أمتار وإنما في الوظيفة التي يمكن أن يؤديها هذا الطريق عندما يتحول إلى محور عسكري متصل ترافقه الخنادق ونقاط المراقبة والتحصينات حيث يمتد من محيط حضر في شمال القنيطرة مروراً بجباثا الخشب والحميدية والقحطانية ورويحينة وبئر عجم وبريقة وصولاً إلى العشة والمناطق الجنوبية القريبة من المثلث الحدودي وهذا يعني عملياً إنشاء ممر عسكري خاص يسمح بالحركة الإسرائيلية على امتداد جبهة طويلة ويحول نقاط الانتشار المتفرقة إلى منظومة أكثر ترابطاً وقدرة على المراقبة والحركة والتدخل .
هنا يصبح السؤال السياسي أكبر من السؤال العسكري وهو ماذا تريد إسرائيل من بناء هذه المنظومة داخل منطقة يفترض أنها تحكمها ترتيبات دولية واضحة منذ عام 1974 وهذه المنطقة العازلة لم تكن في الأصل أرضاً سائبة أو منطقة يمكن لأي طرف أن يعيد تشكيلها وفق حاجاته الأمنية وإنما أنشئت في الاساس للفصل بين القوات السورية والإسرائيلية حيث تولت قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك الاشراف على ترتيباتها ولذلك فإن تحويل أجزاء منها تدريجياً إلى طرق عسكرية وخنادق وسواتر ومواقع مراقبة لا يعني فقط تعزيز الأمن الإسرائيلي وإنما يهدف الى تغيير طبيعة المكان نفسه وفرض معادلة جديدة على الأرض .
إسرائيل تدعي إن المسألة أمنية بحتة وإن انهيار النظام السوري السابق وما أعقبه من فراغ أمني يبرران اتخاذ إجراءات تمنع وصول أي جماعات مسلحة أو قوات معادية إلى المنطقة القريبة من الجولان وهذا التبرير يمكن فهمه في إطار الحسابات الأمنية الإسرائيلية لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم وهو لماذا يحتاج الإجراء الأمني المؤقت إلى طريق طويل محصن وخنادق وسواتر ومواقع مراقبة يمكن أن تبقى سنوات طويلة بعد زوال الذريعة التي أنشئت من أجلها كما ان الأمن يمكن أن يفسر انتشاراً عسكرياً مؤقتاً لكنه يصبح تفسيراً أقل إقناعاً عندما تتحول الإجراءات الأمنية إلى بنية تحتية عسكرية ثابتة تغير الأرض وتعيد تنظيم الحركة والسيطرة عليها .
الخطورة في سوفا 53 تكمن في ان إسرائيل لا تبني حاجزاً على حدود معترف بها دولياً وإنما داخل مساحة نشأت أصلاً بموجب اتفاق فصل عسكري ومن ثم فإن كل متر جديد من الطريق وكل ساتر وكل خندق يمكن أن يصبح لاحقاً جزءاً من واقع يصعب التراجع عنه والتاريخ السياسي للمنطقة يعلمنا أن الاحتلال لا يحتاج دائماً إلى إعلان ضم الأرض حتى يغير وظيفتها وفي كثير من الحالات بدأ الأمر بإجراء أمني ثم تحول إلى وجود ثم إلى واقع ثم يصبح الواقع في النهاية ورقة تفاوضية بيد اسرائيل .
السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس هل تريد إسرائيل احتلال القنيطرة بالكامل غداً فهذا استنتاج لا يمكن إثباته وإنما هل تعمل على إنشاء منطقة أمنية أعمق وأكثر رسوخاً من تلك التي كانت قائمة قبل سقوط النظام السوري السابق والجواب من خلال طبيعة الأعمال الميدانية يبدو أقرب إلى نعم لأن المشروع لا يكتفي بالدخول العسكري وإنما يعيد تشكيل الأرض نفسها ويضع عليها بنية يمكن أن تخدم وجوداً طويل الأمد
اللافت أن سوفا 53 لا يأتي منفرداً حيث تزامن مع توغلات إسرائيلية داخل منطقة الفصل ومع انتشار عسكري في مواقع جديدة في الجنوب السوري ومع السيطرة على مواقع استراتيجية في جبل الشيخ بعد سقوط النظام السابق ولذلك فإن قراءة المشروع باعتباره طريقاً منفصلاً عن بقية التحركات الإسرائيلية قد تقود إلى التقليل من أهميته سيما وان المشهد الأوسع يوحي بمحاولة بناء حزام أمني وعسكري متدرج على الجانب السوري من الجبهة وليس مجرد اتخاذ إجراءات طارئة بعد تغير السلطة في دمشق
إذا صح هذا التقدير السابق فإن إسرائيل لا تتعامل مع جنوب سوريا باعتباره جبهة تنتظر استقرار الوضع فيها وإنما باعتباره مساحة جديدة ينبغي أن تضمن فيها مسبقاً أفضل وضع أمني وعسكري ممكن قبل أن تتضح معالم الدولة السورية الجديدة وعلاقاتها الإقليمية والدولية وهذا يفسر إصرار تل ابيب على تثبيت مواقعها والتحرك في عمق المنطقة بدلاً من انتظار أي ترتيبات سورية أو دولية جديدة .
واقعيا هناك بعداً آخر لا يقل أهمية عن البعد العسكري وهو لأرض نفسها حيث الحق المشروع وفق شهادات محلية أضراراً بمساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمراعي وقيّد وصول السكان إلى أراضيهم وغيّر في بعض المناطق حركة المياه والغطاء النباتي فضلا عن آلاف الدونمات التي أصبحت خارج الاستخدام الزراعي أو الرعوي فيما تختلف الأرقام المنشورة بشأن المساحات المتضررة بصورة كبيرة وهو اختلاف ينبغي أخذه في الاعتبار عند تناول هذه القضية دون تحويل التقديرات المحلية إلى أرقام نهائية غير موثقة
يبقى السؤال الأصعب ماذا بعد سوفا 53 فإذا كان المشروع مجرد إجراء أمني مؤقتاً فإن إسرائيل تستطيع إعلان جدول زمني لإنهائه وإزالة المنشآت التي أقيمت بسببه وإعادة الوضع إلى ما كان عليه أما إذا استمر الحفر والتجريف وتوسعت الطرق والتحصينات والمواقع العسكرية فإن المنطق يقول إننا أمام مشروع أبعد من الحماية الحدودية وهو مشروع لتثبيت عمق أمني إسرائيلي جديد داخل الجنوب السوري
لهذا ينبغي على دمشق والدول العربية والأمم المتحدة أن تتعامل مع القضية قبل أن تتحول إلى أمر واقع كامل لأن مواجهة تغيير جغرافي بعد اكتماله أكثر صعوبة بكثير من منع اكتماله في بدايته خصوصا وان الطريق الذي يشق اليوم يمكن أن يصبح غداً حدوداً أمنية اسرائيلية غير معلنة والسياج الذي يرفع اليوم يمكن أن يتحول لاحقاً إلى خط فصل جديد والخندق الذي يحفر اليوم يمكن أن يصبح جزءاً من خريطة عسكرية يصعب التراجع عنها
الخاتمة : المسألة لم تعد طريقاً عسكرياً ولا حفريات وسواتر وخنادق يمكن النظر إليها باعتبارها إجراءات أمنية مؤقتة وإسرائيل تحفر في الأرض السورية وهي في الوقت نفسه تحفر في مستقبل المنطقة العازلة وتعيد تشكيل وظيفتها وحدود الحركة فيها وإذا تركت هذه العملية تستمر بلا ردع فإن السؤال لن يكون غداً أين انتهى مشروع سوفا 53 وإنما أين انتهت المنطقة العازلة التي أنشأها اتفاق 1974 ومن سمح لإسرائيل بتحويلها تدريجياً من منطقة فصل إلى حزام عسكري إسرائيلي داخل الأراضي السورية والأخطر من الاحتلال الذي يعلن نفسه هو الاحتلال الذي يبدأ بطريق ثم يتحول إلى تحصين ثم يصبح أمراً واقعاً ثم يأتي من يطلب من العالم الاعتراف به تحت عنوان الضرورات الأمنية وهذه المرة لا يجوز أن تنتظر دمشق والعرب والأمم المتحدة حتى تكتمل الخنادق والسواتر والطرق كي يكتشفوا أن إسرائيل لم تكن تغيّر شكل الأرض فقط وإنما كانت تعيد رسم جنوب سوريا قطعة بعد أخرى .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com
لم يعد مشروع سوفا 53 الإسرائيلي في جنوب سوريا مجرد طريق عسكري أو سلسلة من السواتر الترابية والخنادق التي يجري شقها بمحاذاة الجولان السوري المحتل وإنما بدأ يتحول إلى مشروع لإنتاج واقع جغرافي وعسكري جديد في واحدة من أكثر مناطق المشرق العربي حساسية خاصة وان الآليات الإسرائيلية التي عادت في الرابع من تشرين الأول إلى الحفر والتجريف غربي قرية العشة في ريف القنيطرة الجنوبي لا تتحرك في فراغ ولا تنفذ عملاً هندسياً معزولاً وإنما تستكمل مساراً بدأ منذ عام 2022 ويتجه شمالاً وجنوباً على امتداد عشرات الكيلومترات داخل منطقة شديدة الحساسية ترتبط مباشرة باتفاق فض الاشتباك السوري الإسرائيلي لعام 1974 وقد وصفت دمشق استكمال العمل في الخط بأنه خرق فاضح للاتفاق وانتهاك للسيادة السورية .
المشكلة الحقيقية في مشروع سوفا 53 ليست في الطريق نفسه ولا في عرضه الذي يقدر بنحو ثمانية أمتار ولا في حجم السواتر التي يصل ارتفاع بعضها إلى خمسة أمتار وإنما في الوظيفة التي يمكن أن يؤديها هذا الطريق عندما يتحول إلى محور عسكري متصل ترافقه الخنادق ونقاط المراقبة والتحصينات حيث يمتد من محيط حضر في شمال القنيطرة مروراً بجباثا الخشب والحميدية والقحطانية ورويحينة وبئر عجم وبريقة وصولاً إلى العشة والمناطق الجنوبية القريبة من المثلث الحدودي وهذا يعني عملياً إنشاء ممر عسكري خاص يسمح بالحركة الإسرائيلية على امتداد جبهة طويلة ويحول نقاط الانتشار المتفرقة إلى منظومة أكثر ترابطاً وقدرة على المراقبة والحركة والتدخل .
هنا يصبح السؤال السياسي أكبر من السؤال العسكري وهو ماذا تريد إسرائيل من بناء هذه المنظومة داخل منطقة يفترض أنها تحكمها ترتيبات دولية واضحة منذ عام 1974 وهذه المنطقة العازلة لم تكن في الأصل أرضاً سائبة أو منطقة يمكن لأي طرف أن يعيد تشكيلها وفق حاجاته الأمنية وإنما أنشئت في الاساس للفصل بين القوات السورية والإسرائيلية حيث تولت قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك الاشراف على ترتيباتها ولذلك فإن تحويل أجزاء منها تدريجياً إلى طرق عسكرية وخنادق وسواتر ومواقع مراقبة لا يعني فقط تعزيز الأمن الإسرائيلي وإنما يهدف الى تغيير طبيعة المكان نفسه وفرض معادلة جديدة على الأرض .
إسرائيل تدعي إن المسألة أمنية بحتة وإن انهيار النظام السوري السابق وما أعقبه من فراغ أمني يبرران اتخاذ إجراءات تمنع وصول أي جماعات مسلحة أو قوات معادية إلى المنطقة القريبة من الجولان وهذا التبرير يمكن فهمه في إطار الحسابات الأمنية الإسرائيلية لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم وهو لماذا يحتاج الإجراء الأمني المؤقت إلى طريق طويل محصن وخنادق وسواتر ومواقع مراقبة يمكن أن تبقى سنوات طويلة بعد زوال الذريعة التي أنشئت من أجلها كما ان الأمن يمكن أن يفسر انتشاراً عسكرياً مؤقتاً لكنه يصبح تفسيراً أقل إقناعاً عندما تتحول الإجراءات الأمنية إلى بنية تحتية عسكرية ثابتة تغير الأرض وتعيد تنظيم الحركة والسيطرة عليها .
الخطورة في سوفا 53 تكمن في ان إسرائيل لا تبني حاجزاً على حدود معترف بها دولياً وإنما داخل مساحة نشأت أصلاً بموجب اتفاق فصل عسكري ومن ثم فإن كل متر جديد من الطريق وكل ساتر وكل خندق يمكن أن يصبح لاحقاً جزءاً من واقع يصعب التراجع عنه والتاريخ السياسي للمنطقة يعلمنا أن الاحتلال لا يحتاج دائماً إلى إعلان ضم الأرض حتى يغير وظيفتها وفي كثير من الحالات بدأ الأمر بإجراء أمني ثم تحول إلى وجود ثم إلى واقع ثم يصبح الواقع في النهاية ورقة تفاوضية بيد اسرائيل .
السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس هل تريد إسرائيل احتلال القنيطرة بالكامل غداً فهذا استنتاج لا يمكن إثباته وإنما هل تعمل على إنشاء منطقة أمنية أعمق وأكثر رسوخاً من تلك التي كانت قائمة قبل سقوط النظام السوري السابق والجواب من خلال طبيعة الأعمال الميدانية يبدو أقرب إلى نعم لأن المشروع لا يكتفي بالدخول العسكري وإنما يعيد تشكيل الأرض نفسها ويضع عليها بنية يمكن أن تخدم وجوداً طويل الأمد
اللافت أن سوفا 53 لا يأتي منفرداً حيث تزامن مع توغلات إسرائيلية داخل منطقة الفصل ومع انتشار عسكري في مواقع جديدة في الجنوب السوري ومع السيطرة على مواقع استراتيجية في جبل الشيخ بعد سقوط النظام السابق ولذلك فإن قراءة المشروع باعتباره طريقاً منفصلاً عن بقية التحركات الإسرائيلية قد تقود إلى التقليل من أهميته سيما وان المشهد الأوسع يوحي بمحاولة بناء حزام أمني وعسكري متدرج على الجانب السوري من الجبهة وليس مجرد اتخاذ إجراءات طارئة بعد تغير السلطة في دمشق
إذا صح هذا التقدير السابق فإن إسرائيل لا تتعامل مع جنوب سوريا باعتباره جبهة تنتظر استقرار الوضع فيها وإنما باعتباره مساحة جديدة ينبغي أن تضمن فيها مسبقاً أفضل وضع أمني وعسكري ممكن قبل أن تتضح معالم الدولة السورية الجديدة وعلاقاتها الإقليمية والدولية وهذا يفسر إصرار تل ابيب على تثبيت مواقعها والتحرك في عمق المنطقة بدلاً من انتظار أي ترتيبات سورية أو دولية جديدة .
واقعيا هناك بعداً آخر لا يقل أهمية عن البعد العسكري وهو لأرض نفسها حيث الحق المشروع وفق شهادات محلية أضراراً بمساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمراعي وقيّد وصول السكان إلى أراضيهم وغيّر في بعض المناطق حركة المياه والغطاء النباتي فضلا عن آلاف الدونمات التي أصبحت خارج الاستخدام الزراعي أو الرعوي فيما تختلف الأرقام المنشورة بشأن المساحات المتضررة بصورة كبيرة وهو اختلاف ينبغي أخذه في الاعتبار عند تناول هذه القضية دون تحويل التقديرات المحلية إلى أرقام نهائية غير موثقة
يبقى السؤال الأصعب ماذا بعد سوفا 53 فإذا كان المشروع مجرد إجراء أمني مؤقتاً فإن إسرائيل تستطيع إعلان جدول زمني لإنهائه وإزالة المنشآت التي أقيمت بسببه وإعادة الوضع إلى ما كان عليه أما إذا استمر الحفر والتجريف وتوسعت الطرق والتحصينات والمواقع العسكرية فإن المنطق يقول إننا أمام مشروع أبعد من الحماية الحدودية وهو مشروع لتثبيت عمق أمني إسرائيلي جديد داخل الجنوب السوري
لهذا ينبغي على دمشق والدول العربية والأمم المتحدة أن تتعامل مع القضية قبل أن تتحول إلى أمر واقع كامل لأن مواجهة تغيير جغرافي بعد اكتماله أكثر صعوبة بكثير من منع اكتماله في بدايته خصوصا وان الطريق الذي يشق اليوم يمكن أن يصبح غداً حدوداً أمنية اسرائيلية غير معلنة والسياج الذي يرفع اليوم يمكن أن يتحول لاحقاً إلى خط فصل جديد والخندق الذي يحفر اليوم يمكن أن يصبح جزءاً من خريطة عسكرية يصعب التراجع عنها
الخاتمة : المسألة لم تعد طريقاً عسكرياً ولا حفريات وسواتر وخنادق يمكن النظر إليها باعتبارها إجراءات أمنية مؤقتة وإسرائيل تحفر في الأرض السورية وهي في الوقت نفسه تحفر في مستقبل المنطقة العازلة وتعيد تشكيل وظيفتها وحدود الحركة فيها وإذا تركت هذه العملية تستمر بلا ردع فإن السؤال لن يكون غداً أين انتهى مشروع سوفا 53 وإنما أين انتهت المنطقة العازلة التي أنشأها اتفاق 1974 ومن سمح لإسرائيل بتحويلها تدريجياً من منطقة فصل إلى حزام عسكري إسرائيلي داخل الأراضي السورية والأخطر من الاحتلال الذي يعلن نفسه هو الاحتلال الذي يبدأ بطريق ثم يتحول إلى تحصين ثم يصبح أمراً واقعاً ثم يأتي من يطلب من العالم الاعتراف به تحت عنوان الضرورات الأمنية وهذه المرة لا يجوز أن تنتظر دمشق والعرب والأمم المتحدة حتى تكتمل الخنادق والسواتر والطرق كي يكتشفوا أن إسرائيل لم تكن تغيّر شكل الأرض فقط وإنما كانت تعيد رسم جنوب سوريا قطعة بعد أخرى .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com
لم يعد مشروع سوفا 53 الإسرائيلي في جنوب سوريا مجرد طريق عسكري أو سلسلة من السواتر الترابية والخنادق التي يجري شقها بمحاذاة الجولان السوري المحتل وإنما بدأ يتحول إلى مشروع لإنتاج واقع جغرافي وعسكري جديد في واحدة من أكثر مناطق المشرق العربي حساسية خاصة وان الآليات الإسرائيلية التي عادت في الرابع من تشرين الأول إلى الحفر والتجريف غربي قرية العشة في ريف القنيطرة الجنوبي لا تتحرك في فراغ ولا تنفذ عملاً هندسياً معزولاً وإنما تستكمل مساراً بدأ منذ عام 2022 ويتجه شمالاً وجنوباً على امتداد عشرات الكيلومترات داخل منطقة شديدة الحساسية ترتبط مباشرة باتفاق فض الاشتباك السوري الإسرائيلي لعام 1974 وقد وصفت دمشق استكمال العمل في الخط بأنه خرق فاضح للاتفاق وانتهاك للسيادة السورية .
المشكلة الحقيقية في مشروع سوفا 53 ليست في الطريق نفسه ولا في عرضه الذي يقدر بنحو ثمانية أمتار ولا في حجم السواتر التي يصل ارتفاع بعضها إلى خمسة أمتار وإنما في الوظيفة التي يمكن أن يؤديها هذا الطريق عندما يتحول إلى محور عسكري متصل ترافقه الخنادق ونقاط المراقبة والتحصينات حيث يمتد من محيط حضر في شمال القنيطرة مروراً بجباثا الخشب والحميدية والقحطانية ورويحينة وبئر عجم وبريقة وصولاً إلى العشة والمناطق الجنوبية القريبة من المثلث الحدودي وهذا يعني عملياً إنشاء ممر عسكري خاص يسمح بالحركة الإسرائيلية على امتداد جبهة طويلة ويحول نقاط الانتشار المتفرقة إلى منظومة أكثر ترابطاً وقدرة على المراقبة والحركة والتدخل .
هنا يصبح السؤال السياسي أكبر من السؤال العسكري وهو ماذا تريد إسرائيل من بناء هذه المنظومة داخل منطقة يفترض أنها تحكمها ترتيبات دولية واضحة منذ عام 1974 وهذه المنطقة العازلة لم تكن في الأصل أرضاً سائبة أو منطقة يمكن لأي طرف أن يعيد تشكيلها وفق حاجاته الأمنية وإنما أنشئت في الاساس للفصل بين القوات السورية والإسرائيلية حيث تولت قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك الاشراف على ترتيباتها ولذلك فإن تحويل أجزاء منها تدريجياً إلى طرق عسكرية وخنادق وسواتر ومواقع مراقبة لا يعني فقط تعزيز الأمن الإسرائيلي وإنما يهدف الى تغيير طبيعة المكان نفسه وفرض معادلة جديدة على الأرض .
إسرائيل تدعي إن المسألة أمنية بحتة وإن انهيار النظام السوري السابق وما أعقبه من فراغ أمني يبرران اتخاذ إجراءات تمنع وصول أي جماعات مسلحة أو قوات معادية إلى المنطقة القريبة من الجولان وهذا التبرير يمكن فهمه في إطار الحسابات الأمنية الإسرائيلية لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم وهو لماذا يحتاج الإجراء الأمني المؤقت إلى طريق طويل محصن وخنادق وسواتر ومواقع مراقبة يمكن أن تبقى سنوات طويلة بعد زوال الذريعة التي أنشئت من أجلها كما ان الأمن يمكن أن يفسر انتشاراً عسكرياً مؤقتاً لكنه يصبح تفسيراً أقل إقناعاً عندما تتحول الإجراءات الأمنية إلى بنية تحتية عسكرية ثابتة تغير الأرض وتعيد تنظيم الحركة والسيطرة عليها .
الخطورة في سوفا 53 تكمن في ان إسرائيل لا تبني حاجزاً على حدود معترف بها دولياً وإنما داخل مساحة نشأت أصلاً بموجب اتفاق فصل عسكري ومن ثم فإن كل متر جديد من الطريق وكل ساتر وكل خندق يمكن أن يصبح لاحقاً جزءاً من واقع يصعب التراجع عنه والتاريخ السياسي للمنطقة يعلمنا أن الاحتلال لا يحتاج دائماً إلى إعلان ضم الأرض حتى يغير وظيفتها وفي كثير من الحالات بدأ الأمر بإجراء أمني ثم تحول إلى وجود ثم إلى واقع ثم يصبح الواقع في النهاية ورقة تفاوضية بيد اسرائيل .
السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس هل تريد إسرائيل احتلال القنيطرة بالكامل غداً فهذا استنتاج لا يمكن إثباته وإنما هل تعمل على إنشاء منطقة أمنية أعمق وأكثر رسوخاً من تلك التي كانت قائمة قبل سقوط النظام السوري السابق والجواب من خلال طبيعة الأعمال الميدانية يبدو أقرب إلى نعم لأن المشروع لا يكتفي بالدخول العسكري وإنما يعيد تشكيل الأرض نفسها ويضع عليها بنية يمكن أن تخدم وجوداً طويل الأمد
اللافت أن سوفا 53 لا يأتي منفرداً حيث تزامن مع توغلات إسرائيلية داخل منطقة الفصل ومع انتشار عسكري في مواقع جديدة في الجنوب السوري ومع السيطرة على مواقع استراتيجية في جبل الشيخ بعد سقوط النظام السابق ولذلك فإن قراءة المشروع باعتباره طريقاً منفصلاً عن بقية التحركات الإسرائيلية قد تقود إلى التقليل من أهميته سيما وان المشهد الأوسع يوحي بمحاولة بناء حزام أمني وعسكري متدرج على الجانب السوري من الجبهة وليس مجرد اتخاذ إجراءات طارئة بعد تغير السلطة في دمشق
إذا صح هذا التقدير السابق فإن إسرائيل لا تتعامل مع جنوب سوريا باعتباره جبهة تنتظر استقرار الوضع فيها وإنما باعتباره مساحة جديدة ينبغي أن تضمن فيها مسبقاً أفضل وضع أمني وعسكري ممكن قبل أن تتضح معالم الدولة السورية الجديدة وعلاقاتها الإقليمية والدولية وهذا يفسر إصرار تل ابيب على تثبيت مواقعها والتحرك في عمق المنطقة بدلاً من انتظار أي ترتيبات سورية أو دولية جديدة .
واقعيا هناك بعداً آخر لا يقل أهمية عن البعد العسكري وهو لأرض نفسها حيث الحق المشروع وفق شهادات محلية أضراراً بمساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمراعي وقيّد وصول السكان إلى أراضيهم وغيّر في بعض المناطق حركة المياه والغطاء النباتي فضلا عن آلاف الدونمات التي أصبحت خارج الاستخدام الزراعي أو الرعوي فيما تختلف الأرقام المنشورة بشأن المساحات المتضررة بصورة كبيرة وهو اختلاف ينبغي أخذه في الاعتبار عند تناول هذه القضية دون تحويل التقديرات المحلية إلى أرقام نهائية غير موثقة
يبقى السؤال الأصعب ماذا بعد سوفا 53 فإذا كان المشروع مجرد إجراء أمني مؤقتاً فإن إسرائيل تستطيع إعلان جدول زمني لإنهائه وإزالة المنشآت التي أقيمت بسببه وإعادة الوضع إلى ما كان عليه أما إذا استمر الحفر والتجريف وتوسعت الطرق والتحصينات والمواقع العسكرية فإن المنطق يقول إننا أمام مشروع أبعد من الحماية الحدودية وهو مشروع لتثبيت عمق أمني إسرائيلي جديد داخل الجنوب السوري
لهذا ينبغي على دمشق والدول العربية والأمم المتحدة أن تتعامل مع القضية قبل أن تتحول إلى أمر واقع كامل لأن مواجهة تغيير جغرافي بعد اكتماله أكثر صعوبة بكثير من منع اكتماله في بدايته خصوصا وان الطريق الذي يشق اليوم يمكن أن يصبح غداً حدوداً أمنية اسرائيلية غير معلنة والسياج الذي يرفع اليوم يمكن أن يتحول لاحقاً إلى خط فصل جديد والخندق الذي يحفر اليوم يمكن أن يصبح جزءاً من خريطة عسكرية يصعب التراجع عنها
الخاتمة : المسألة لم تعد طريقاً عسكرياً ولا حفريات وسواتر وخنادق يمكن النظر إليها باعتبارها إجراءات أمنية مؤقتة وإسرائيل تحفر في الأرض السورية وهي في الوقت نفسه تحفر في مستقبل المنطقة العازلة وتعيد تشكيل وظيفتها وحدود الحركة فيها وإذا تركت هذه العملية تستمر بلا ردع فإن السؤال لن يكون غداً أين انتهى مشروع سوفا 53 وإنما أين انتهت المنطقة العازلة التي أنشأها اتفاق 1974 ومن سمح لإسرائيل بتحويلها تدريجياً من منطقة فصل إلى حزام عسكري إسرائيلي داخل الأراضي السورية والأخطر من الاحتلال الذي يعلن نفسه هو الاحتلال الذي يبدأ بطريق ثم يتحول إلى تحصين ثم يصبح أمراً واقعاً ثم يأتي من يطلب من العالم الاعتراف به تحت عنوان الضرورات الأمنية وهذه المرة لا يجوز أن تنتظر دمشق والعرب والأمم المتحدة حتى تكتمل الخنادق والسواتر والطرق كي يكتشفوا أن إسرائيل لم تكن تغيّر شكل الأرض فقط وإنما كانت تعيد رسم جنوب سوريا قطعة بعد أخرى .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com
التعليقات