محمود عبد المحسن المرزوق - باحث في الدراسات األمنية ومكافحة اإلرهاب
لم يعد المشهد األوروبي في تشرين األول ٢٠٢٦ مجرد مظاهرات متفرقة يمكن اختزالها في ارتفاع األسعار أو االعتراض
على قرارات حكومية. فمن باريس، حيث تحولت احتجاجات واسعة إلى مواجهات وأعمال تخريب طالت مباني عامة، إلى
بروكسل وميالنو ولشبونة، ومرورا بإسبانيا التي أصبحت أزمة السكن فيها قضية سياسية وصوال إلى تيرانا حيث ارتفعت
مطالب المحتجين برحيل الحكومة، تتعدد المشاهد لكن السؤال الذي تفرضه هذه التطورات واحد ماذا يحدث داخل
المجتمعات األوروبية، وإلى أي مدى تستطيع مؤسساتها احتواء هذا الغضب قبل أن يتحول إلى أزمة ثقة أكثرعمقا؟
في فرنسا، لم تكن داللة أحداث ١٧ تشرين األول في حجم الحشود وحده فقد قدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو
٥٥٠ ألف شخص حيث بدأت التحركات من اعتراضات طالبية على ظروف التعليم والخدمات العامة، ثم اتسعت لتشمل
تكاليف المعيشة والوقود والنفقات الحكومية. لكن ما جعل المشهد أكثر خطورة هو انتقال أجزاء من االحتجاج إلى العنف،
مع نهب متاجر وإحراق ممتلكات عامة، وصوال إلى الحريق الذي ألحق أضرار جسيمة بمبنى بلدية ليموج التاريخي. وفي
اليوم التالي، واجهت الحكومة انتقادات بشأن االستعداد األمني، بينما رفض الرئيس إيمانويل ماكرون استقالة وزير الداخلية
لوران نونييز، مطالبا بمراجعة أوجه القصور في التعامل مع األحداث. لكن اختزال ما جرى في فرنسا بمشاهد التخريب
والمواجهات يعني تجاهل السؤال األهم وهو كيف اتسعت دائرة الغضب إلى هذا الحد، ولماذا تداخلت المطالب االجتماعية
مع المواجهة األمنية؟ فاالحتجاج السلمي ال يعني االعتراض على الدولة، كما أن أعمال العنف ال تمثل بالضرورة جميع
المشاركين. واجتماع الضغوط المعيشية مع التوتر السياسي واالنتقادات الموجهة إلى أداء المؤسسات يضع الدولة أمام
اختبار يتجاوز قدرتها على إعادة الهدوء إلى الشوارع إنه اختبار لقدرتها على معالجة أسباب االحتقان، مع الحفاظ على
القانون وحقوق المواطنين.
وفي بلجيكا، لم تكن الصورة مطابقة لما شهدته فرنسا، لكنها حملت مؤشرات تستحق االنتباه. فقد شهدت بروكسل في ١٧
تشرين األول احتجاجات قادها طالب ومجموعات شبابية اعتراضا على إصالحات التعليم وارتفاع تكاليف الدراسة
ومخاوف من تقليص فرص التعليم العالي. واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه خالل مواجهات مع
بعض المحتجين، فيما شهدت لييج تحركات مرتبطة أيضا بأوضاع التعليم.
أما في إيطاليا، فقد بدأت مسيرات في ميالنو ضمن تحركات ضد الحروب وارتفاع تكاليف المعيشة، قبل أن تشهد المدينة
مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب وإحراق ممتلكات. وفي البرتغال، خرج محتجون في لشبونة اعتراضا على ارتفاع
تكاليف الحياة وصعوبة الحصول على مساكن مناسبة، في وقت تضاعفت فيه أسعار المنازل أكثر من مرة منذ عام ٢٠١٧
وفق تقارير رويترز والجزيرة. قد تختلف هذه األحداث في حجمها وطبيعتها، لكنها تلتقي عند نقطة جوهرية وهي عندما يشعر المواطن بأن دخله لم يعد
يواكب احتياجاته، وأن التعليم والسكن والخدمات التي تشكل أساس االستقرار أصبحت أكثر صعوبة، فإن االحتجاج ال يعود
مجرد اعتراض على قرار حكومي بعينه، بل يصبح تعبير عن سؤال أوسع يتعلق بقدرة السياسات العامة على توفير الحد
المقبول من األمان االجتماعي.
وتبرز إسبانيا في هذا السياق بوصفها حالة مختلفة، لكنها ال تقل أهمية. فهناك لم تكن المواجهات األمنية وحدها هي التي
دفعت األزمة إلى الواجهة، بل قضية السكن التي تحولت إلى محور للصراع السياسي. وقد أثار إخالء مسنة تبلغ من العمر
٨٧ عام من منزلها في مدريد كانت تقيم فيه منذ عقود موجة من الغضب واالحتجاجات. وبعد وفاتها في تشرين األول
تصاعد الجدل العام، وتفاقمت األزمة سياسيا بعد رفض البرلمان تدابير حكومية لمعالجة أزمة السكن، ما دفع رئيس
الوزراء بيدرو سانشيز إلى الدعوة النتخابات مبكرة في ٢٩ تشرين الثاني. هنا تتجاوز المسألة حدود اإليجارات وأسعار
العقارات. فحين يتحول السكن، وهو أحد أبسط مقومات االستقرار، إلى قضية تعجز السياسات المتنافسة عن تقديم حل مقنع
لها، تصبح األزمة اختبار مباشر لثقة المواطن بالعملية السياسية نفسها. كما تكشف الحالة اإلسبانية أن االضطراب الداخلي
ال يشترط أن يظهر دائما في صورة مواجهات عنيفة فقد ينتقل من الشارع إلى البرلمان، ومن المطالب االجتماعية إلى
صناديق االقتراع، ويعيد ترتيب أولويات المنافسة السياسية.
وفي ألبانيا، اتخذت االحتجاجات مسار أكثر مباشرة في مواجهة الحكومة. فقد تجمع آالف الشباب أمام وزارة التعليم في
تيرانا في ١٧ تشرين األول ضمن حركة طالبية تصاعدت على مدى أيام، على خلفية اتهامات بالفساد ونقص فرص العمل
وضعف جودة التعليم. وتحولت أجزاء من التحركات إلى مواجهات مع الشرطة، فيما طالب المحتجون باستقالة رئيس
الوزراء إيدي راما. وفي اليوم التالي، رفض راما الدعوات إلى رحيله، محذرا من أن االضطرابات قد تضر بمسار
انضمام بالده إلى االتحاد األوروبي. وألبانيا ليست عضوا في االتحاد األوروبي، لكن ما يجري فيها يرتبط بصورة أوسع
بالتحديات السياسية واالجتماعية في القارة وبطموح االندماج األوروبي. وتكشف هذه الحالة عن مستوى آخر من األزمة،
حين ال يقتصر االعتراض على سياسة اقتصادية أو خدمة عامة، بل يمتد إلى الثقة بالحكومة ومؤسساتها، وإلى قدرة الدولة
على إقناع الشباب بأن المستقبل الذي تعدهم به قابل للتحقق.
هذه المشاهد ال تثبت وجود حركة أوروبية موحدة، وال تعني أن الدول المذكورة تعيش أزمة واحدة أو تتجه بالضرورة إلى
النتيجة نفسها. لكن تزامنها يفتح الباب أمام قراءة أوسع ان أوروبا تواجه ضغوطات داخلية متعددة، تتقاطع فيها تكاليف
المعيشة والسكن والتعليم مع الخالف على السياسات العامة، والقلق بشأن العدالة االجتماعية، وتراجع الثقة في قدرة
الحكومات على االستجابة.
وهنا تبرز داللة مصطلح )الخريف األوروبي(. فالمقصود ليس إعالن أفول أوروبا أو التنبؤ بانهيار االتحاد األوروبي، بل
اإلشارة إلى مرحلة تختبر فيها المجتمعات قدرة مؤسساتها على التكيف مع ضغوط متراكمة. والخطر ال يكمن في أن يخرج
المواطنون إلى الشارع فحسب فاالحتجاج السلمي جزء من الحياة السياسية، وقد يكون وسيلة لتصحيح السياسات. إنما يكمن
في اتساع الفجوة بين المطالب والقدرة على االستجابة، وفي تحول الخالفات االجتماعية إلى مواجهات يصعب احتواؤها أو
تسويات يتعذر الوصول إليها. ومن الناحية االستراتيجية، ال يمكن فصل االستقرار الداخلي عن قدرة الدول األوروبية على التعامل مع التحديات
الخارجية. فالحكومات التي تستنزف طاقتها السياسية في احتواء اضطرابات متكررة قد تجد صعوبة أكبر في بناء توافقات
طويلة األجل بشأن االقتصاد واألمن والدفاع والسياسة الخارجية. لكن هذا ال يعني أن االحتجاجات وحدها ستؤدي إلى
تراجع مكانة أوروبا فذلك يتوقف على قدرة المؤسسات على إدارة األزمات، وعلى المؤشرات االقتصادية والسياسية
األوسع، وليس على مشاهد الشارع وحدها.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار األوروبي اليوم ليس فقط كيف يعيد الهدوء إلى الشوارع، بل كيف يمنع
األسباب التي تعيد إشعالها. فالمعالجة األمنية قد تكون ضرورية لحماية األرواح والممتلكات، لكنها ال تعوض سياسة سكن
فعالة، وال تصلح نظاما تعليميا يعاني من أوجه قصور، وال تستعيد الثقة إذا شعر المواطن بأن األعباء ال توزع بعدالة.
قد ال يكون ما تشهده أوروبا مصيري او بداية نهاية، لكنه بالتأكيد اختبار لقدرة الدولة الحديثة على الحفاظ على توازنها
بين األمن والعدالة، وبين متطلبات اإلصالح وحدود االحتمال االجتماعي. ومن هنا، فإن الخريف األوروبي ليس حكما
مسبقا على مستقبل القارة، بل سؤال مفتوح حول قدرة مؤسساتها على تجديد الثقة قبل أن تتحول الضغوط المتفرقة إلى
تُ قوتها بقدرتها على ضبط الشارع وحدها، بل بقدرتها على فهم أزمة أعمق في العالقة بين الدولة والمجتمع. فالدول ال قاس
ما يقوله الشارع، ومعالجة أسبابه، وتحويل الغضب إلى مسار سياسي واجتماعي يمكن احتواؤه.
محمود عبد المحسن المرزوق - باحث في الدراسات األمنية ومكافحة اإلرهاب
لم يعد المشهد األوروبي في تشرين األول ٢٠٢٦ مجرد مظاهرات متفرقة يمكن اختزالها في ارتفاع األسعار أو االعتراض
على قرارات حكومية. فمن باريس، حيث تحولت احتجاجات واسعة إلى مواجهات وأعمال تخريب طالت مباني عامة، إلى
بروكسل وميالنو ولشبونة، ومرورا بإسبانيا التي أصبحت أزمة السكن فيها قضية سياسية وصوال إلى تيرانا حيث ارتفعت
مطالب المحتجين برحيل الحكومة، تتعدد المشاهد لكن السؤال الذي تفرضه هذه التطورات واحد ماذا يحدث داخل
المجتمعات األوروبية، وإلى أي مدى تستطيع مؤسساتها احتواء هذا الغضب قبل أن يتحول إلى أزمة ثقة أكثرعمقا؟
في فرنسا، لم تكن داللة أحداث ١٧ تشرين األول في حجم الحشود وحده فقد قدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو
٥٥٠ ألف شخص حيث بدأت التحركات من اعتراضات طالبية على ظروف التعليم والخدمات العامة، ثم اتسعت لتشمل
تكاليف المعيشة والوقود والنفقات الحكومية. لكن ما جعل المشهد أكثر خطورة هو انتقال أجزاء من االحتجاج إلى العنف،
مع نهب متاجر وإحراق ممتلكات عامة، وصوال إلى الحريق الذي ألحق أضرار جسيمة بمبنى بلدية ليموج التاريخي. وفي
اليوم التالي، واجهت الحكومة انتقادات بشأن االستعداد األمني، بينما رفض الرئيس إيمانويل ماكرون استقالة وزير الداخلية
لوران نونييز، مطالبا بمراجعة أوجه القصور في التعامل مع األحداث. لكن اختزال ما جرى في فرنسا بمشاهد التخريب
والمواجهات يعني تجاهل السؤال األهم وهو كيف اتسعت دائرة الغضب إلى هذا الحد، ولماذا تداخلت المطالب االجتماعية
مع المواجهة األمنية؟ فاالحتجاج السلمي ال يعني االعتراض على الدولة، كما أن أعمال العنف ال تمثل بالضرورة جميع
المشاركين. واجتماع الضغوط المعيشية مع التوتر السياسي واالنتقادات الموجهة إلى أداء المؤسسات يضع الدولة أمام
اختبار يتجاوز قدرتها على إعادة الهدوء إلى الشوارع إنه اختبار لقدرتها على معالجة أسباب االحتقان، مع الحفاظ على
القانون وحقوق المواطنين.
وفي بلجيكا، لم تكن الصورة مطابقة لما شهدته فرنسا، لكنها حملت مؤشرات تستحق االنتباه. فقد شهدت بروكسل في ١٧
تشرين األول احتجاجات قادها طالب ومجموعات شبابية اعتراضا على إصالحات التعليم وارتفاع تكاليف الدراسة
ومخاوف من تقليص فرص التعليم العالي. واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه خالل مواجهات مع
بعض المحتجين، فيما شهدت لييج تحركات مرتبطة أيضا بأوضاع التعليم.
أما في إيطاليا، فقد بدأت مسيرات في ميالنو ضمن تحركات ضد الحروب وارتفاع تكاليف المعيشة، قبل أن تشهد المدينة
مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب وإحراق ممتلكات. وفي البرتغال، خرج محتجون في لشبونة اعتراضا على ارتفاع
تكاليف الحياة وصعوبة الحصول على مساكن مناسبة، في وقت تضاعفت فيه أسعار المنازل أكثر من مرة منذ عام ٢٠١٧
وفق تقارير رويترز والجزيرة. قد تختلف هذه األحداث في حجمها وطبيعتها، لكنها تلتقي عند نقطة جوهرية وهي عندما يشعر المواطن بأن دخله لم يعد
يواكب احتياجاته، وأن التعليم والسكن والخدمات التي تشكل أساس االستقرار أصبحت أكثر صعوبة، فإن االحتجاج ال يعود
مجرد اعتراض على قرار حكومي بعينه، بل يصبح تعبير عن سؤال أوسع يتعلق بقدرة السياسات العامة على توفير الحد
المقبول من األمان االجتماعي.
وتبرز إسبانيا في هذا السياق بوصفها حالة مختلفة، لكنها ال تقل أهمية. فهناك لم تكن المواجهات األمنية وحدها هي التي
دفعت األزمة إلى الواجهة، بل قضية السكن التي تحولت إلى محور للصراع السياسي. وقد أثار إخالء مسنة تبلغ من العمر
٨٧ عام من منزلها في مدريد كانت تقيم فيه منذ عقود موجة من الغضب واالحتجاجات. وبعد وفاتها في تشرين األول
تصاعد الجدل العام، وتفاقمت األزمة سياسيا بعد رفض البرلمان تدابير حكومية لمعالجة أزمة السكن، ما دفع رئيس
الوزراء بيدرو سانشيز إلى الدعوة النتخابات مبكرة في ٢٩ تشرين الثاني. هنا تتجاوز المسألة حدود اإليجارات وأسعار
العقارات. فحين يتحول السكن، وهو أحد أبسط مقومات االستقرار، إلى قضية تعجز السياسات المتنافسة عن تقديم حل مقنع
لها، تصبح األزمة اختبار مباشر لثقة المواطن بالعملية السياسية نفسها. كما تكشف الحالة اإلسبانية أن االضطراب الداخلي
ال يشترط أن يظهر دائما في صورة مواجهات عنيفة فقد ينتقل من الشارع إلى البرلمان، ومن المطالب االجتماعية إلى
صناديق االقتراع، ويعيد ترتيب أولويات المنافسة السياسية.
وفي ألبانيا، اتخذت االحتجاجات مسار أكثر مباشرة في مواجهة الحكومة. فقد تجمع آالف الشباب أمام وزارة التعليم في
تيرانا في ١٧ تشرين األول ضمن حركة طالبية تصاعدت على مدى أيام، على خلفية اتهامات بالفساد ونقص فرص العمل
وضعف جودة التعليم. وتحولت أجزاء من التحركات إلى مواجهات مع الشرطة، فيما طالب المحتجون باستقالة رئيس
الوزراء إيدي راما. وفي اليوم التالي، رفض راما الدعوات إلى رحيله، محذرا من أن االضطرابات قد تضر بمسار
انضمام بالده إلى االتحاد األوروبي. وألبانيا ليست عضوا في االتحاد األوروبي، لكن ما يجري فيها يرتبط بصورة أوسع
بالتحديات السياسية واالجتماعية في القارة وبطموح االندماج األوروبي. وتكشف هذه الحالة عن مستوى آخر من األزمة،
حين ال يقتصر االعتراض على سياسة اقتصادية أو خدمة عامة، بل يمتد إلى الثقة بالحكومة ومؤسساتها، وإلى قدرة الدولة
على إقناع الشباب بأن المستقبل الذي تعدهم به قابل للتحقق.
هذه المشاهد ال تثبت وجود حركة أوروبية موحدة، وال تعني أن الدول المذكورة تعيش أزمة واحدة أو تتجه بالضرورة إلى
النتيجة نفسها. لكن تزامنها يفتح الباب أمام قراءة أوسع ان أوروبا تواجه ضغوطات داخلية متعددة، تتقاطع فيها تكاليف
المعيشة والسكن والتعليم مع الخالف على السياسات العامة، والقلق بشأن العدالة االجتماعية، وتراجع الثقة في قدرة
الحكومات على االستجابة.
وهنا تبرز داللة مصطلح )الخريف األوروبي(. فالمقصود ليس إعالن أفول أوروبا أو التنبؤ بانهيار االتحاد األوروبي، بل
اإلشارة إلى مرحلة تختبر فيها المجتمعات قدرة مؤسساتها على التكيف مع ضغوط متراكمة. والخطر ال يكمن في أن يخرج
المواطنون إلى الشارع فحسب فاالحتجاج السلمي جزء من الحياة السياسية، وقد يكون وسيلة لتصحيح السياسات. إنما يكمن
في اتساع الفجوة بين المطالب والقدرة على االستجابة، وفي تحول الخالفات االجتماعية إلى مواجهات يصعب احتواؤها أو
تسويات يتعذر الوصول إليها. ومن الناحية االستراتيجية، ال يمكن فصل االستقرار الداخلي عن قدرة الدول األوروبية على التعامل مع التحديات
الخارجية. فالحكومات التي تستنزف طاقتها السياسية في احتواء اضطرابات متكررة قد تجد صعوبة أكبر في بناء توافقات
طويلة األجل بشأن االقتصاد واألمن والدفاع والسياسة الخارجية. لكن هذا ال يعني أن االحتجاجات وحدها ستؤدي إلى
تراجع مكانة أوروبا فذلك يتوقف على قدرة المؤسسات على إدارة األزمات، وعلى المؤشرات االقتصادية والسياسية
األوسع، وليس على مشاهد الشارع وحدها.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار األوروبي اليوم ليس فقط كيف يعيد الهدوء إلى الشوارع، بل كيف يمنع
األسباب التي تعيد إشعالها. فالمعالجة األمنية قد تكون ضرورية لحماية األرواح والممتلكات، لكنها ال تعوض سياسة سكن
فعالة، وال تصلح نظاما تعليميا يعاني من أوجه قصور، وال تستعيد الثقة إذا شعر المواطن بأن األعباء ال توزع بعدالة.
قد ال يكون ما تشهده أوروبا مصيري او بداية نهاية، لكنه بالتأكيد اختبار لقدرة الدولة الحديثة على الحفاظ على توازنها
بين األمن والعدالة، وبين متطلبات اإلصالح وحدود االحتمال االجتماعي. ومن هنا، فإن الخريف األوروبي ليس حكما
مسبقا على مستقبل القارة، بل سؤال مفتوح حول قدرة مؤسساتها على تجديد الثقة قبل أن تتحول الضغوط المتفرقة إلى
تُ قوتها بقدرتها على ضبط الشارع وحدها، بل بقدرتها على فهم أزمة أعمق في العالقة بين الدولة والمجتمع. فالدول ال قاس
ما يقوله الشارع، ومعالجة أسبابه، وتحويل الغضب إلى مسار سياسي واجتماعي يمكن احتواؤه.
محمود عبد المحسن المرزوق - باحث في الدراسات األمنية ومكافحة اإلرهاب
لم يعد المشهد األوروبي في تشرين األول ٢٠٢٦ مجرد مظاهرات متفرقة يمكن اختزالها في ارتفاع األسعار أو االعتراض
على قرارات حكومية. فمن باريس، حيث تحولت احتجاجات واسعة إلى مواجهات وأعمال تخريب طالت مباني عامة، إلى
بروكسل وميالنو ولشبونة، ومرورا بإسبانيا التي أصبحت أزمة السكن فيها قضية سياسية وصوال إلى تيرانا حيث ارتفعت
مطالب المحتجين برحيل الحكومة، تتعدد المشاهد لكن السؤال الذي تفرضه هذه التطورات واحد ماذا يحدث داخل
المجتمعات األوروبية، وإلى أي مدى تستطيع مؤسساتها احتواء هذا الغضب قبل أن يتحول إلى أزمة ثقة أكثرعمقا؟
في فرنسا، لم تكن داللة أحداث ١٧ تشرين األول في حجم الحشود وحده فقد قدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو
٥٥٠ ألف شخص حيث بدأت التحركات من اعتراضات طالبية على ظروف التعليم والخدمات العامة، ثم اتسعت لتشمل
تكاليف المعيشة والوقود والنفقات الحكومية. لكن ما جعل المشهد أكثر خطورة هو انتقال أجزاء من االحتجاج إلى العنف،
مع نهب متاجر وإحراق ممتلكات عامة، وصوال إلى الحريق الذي ألحق أضرار جسيمة بمبنى بلدية ليموج التاريخي. وفي
اليوم التالي، واجهت الحكومة انتقادات بشأن االستعداد األمني، بينما رفض الرئيس إيمانويل ماكرون استقالة وزير الداخلية
لوران نونييز، مطالبا بمراجعة أوجه القصور في التعامل مع األحداث. لكن اختزال ما جرى في فرنسا بمشاهد التخريب
والمواجهات يعني تجاهل السؤال األهم وهو كيف اتسعت دائرة الغضب إلى هذا الحد، ولماذا تداخلت المطالب االجتماعية
مع المواجهة األمنية؟ فاالحتجاج السلمي ال يعني االعتراض على الدولة، كما أن أعمال العنف ال تمثل بالضرورة جميع
المشاركين. واجتماع الضغوط المعيشية مع التوتر السياسي واالنتقادات الموجهة إلى أداء المؤسسات يضع الدولة أمام
اختبار يتجاوز قدرتها على إعادة الهدوء إلى الشوارع إنه اختبار لقدرتها على معالجة أسباب االحتقان، مع الحفاظ على
القانون وحقوق المواطنين.
وفي بلجيكا، لم تكن الصورة مطابقة لما شهدته فرنسا، لكنها حملت مؤشرات تستحق االنتباه. فقد شهدت بروكسل في ١٧
تشرين األول احتجاجات قادها طالب ومجموعات شبابية اعتراضا على إصالحات التعليم وارتفاع تكاليف الدراسة
ومخاوف من تقليص فرص التعليم العالي. واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه خالل مواجهات مع
بعض المحتجين، فيما شهدت لييج تحركات مرتبطة أيضا بأوضاع التعليم.
أما في إيطاليا، فقد بدأت مسيرات في ميالنو ضمن تحركات ضد الحروب وارتفاع تكاليف المعيشة، قبل أن تشهد المدينة
مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب وإحراق ممتلكات. وفي البرتغال، خرج محتجون في لشبونة اعتراضا على ارتفاع
تكاليف الحياة وصعوبة الحصول على مساكن مناسبة، في وقت تضاعفت فيه أسعار المنازل أكثر من مرة منذ عام ٢٠١٧
وفق تقارير رويترز والجزيرة. قد تختلف هذه األحداث في حجمها وطبيعتها، لكنها تلتقي عند نقطة جوهرية وهي عندما يشعر المواطن بأن دخله لم يعد
يواكب احتياجاته، وأن التعليم والسكن والخدمات التي تشكل أساس االستقرار أصبحت أكثر صعوبة، فإن االحتجاج ال يعود
مجرد اعتراض على قرار حكومي بعينه، بل يصبح تعبير عن سؤال أوسع يتعلق بقدرة السياسات العامة على توفير الحد
المقبول من األمان االجتماعي.
وتبرز إسبانيا في هذا السياق بوصفها حالة مختلفة، لكنها ال تقل أهمية. فهناك لم تكن المواجهات األمنية وحدها هي التي
دفعت األزمة إلى الواجهة، بل قضية السكن التي تحولت إلى محور للصراع السياسي. وقد أثار إخالء مسنة تبلغ من العمر
٨٧ عام من منزلها في مدريد كانت تقيم فيه منذ عقود موجة من الغضب واالحتجاجات. وبعد وفاتها في تشرين األول
تصاعد الجدل العام، وتفاقمت األزمة سياسيا بعد رفض البرلمان تدابير حكومية لمعالجة أزمة السكن، ما دفع رئيس
الوزراء بيدرو سانشيز إلى الدعوة النتخابات مبكرة في ٢٩ تشرين الثاني. هنا تتجاوز المسألة حدود اإليجارات وأسعار
العقارات. فحين يتحول السكن، وهو أحد أبسط مقومات االستقرار، إلى قضية تعجز السياسات المتنافسة عن تقديم حل مقنع
لها، تصبح األزمة اختبار مباشر لثقة المواطن بالعملية السياسية نفسها. كما تكشف الحالة اإلسبانية أن االضطراب الداخلي
ال يشترط أن يظهر دائما في صورة مواجهات عنيفة فقد ينتقل من الشارع إلى البرلمان، ومن المطالب االجتماعية إلى
صناديق االقتراع، ويعيد ترتيب أولويات المنافسة السياسية.
وفي ألبانيا، اتخذت االحتجاجات مسار أكثر مباشرة في مواجهة الحكومة. فقد تجمع آالف الشباب أمام وزارة التعليم في
تيرانا في ١٧ تشرين األول ضمن حركة طالبية تصاعدت على مدى أيام، على خلفية اتهامات بالفساد ونقص فرص العمل
وضعف جودة التعليم. وتحولت أجزاء من التحركات إلى مواجهات مع الشرطة، فيما طالب المحتجون باستقالة رئيس
الوزراء إيدي راما. وفي اليوم التالي، رفض راما الدعوات إلى رحيله، محذرا من أن االضطرابات قد تضر بمسار
انضمام بالده إلى االتحاد األوروبي. وألبانيا ليست عضوا في االتحاد األوروبي، لكن ما يجري فيها يرتبط بصورة أوسع
بالتحديات السياسية واالجتماعية في القارة وبطموح االندماج األوروبي. وتكشف هذه الحالة عن مستوى آخر من األزمة،
حين ال يقتصر االعتراض على سياسة اقتصادية أو خدمة عامة، بل يمتد إلى الثقة بالحكومة ومؤسساتها، وإلى قدرة الدولة
على إقناع الشباب بأن المستقبل الذي تعدهم به قابل للتحقق.
هذه المشاهد ال تثبت وجود حركة أوروبية موحدة، وال تعني أن الدول المذكورة تعيش أزمة واحدة أو تتجه بالضرورة إلى
النتيجة نفسها. لكن تزامنها يفتح الباب أمام قراءة أوسع ان أوروبا تواجه ضغوطات داخلية متعددة، تتقاطع فيها تكاليف
المعيشة والسكن والتعليم مع الخالف على السياسات العامة، والقلق بشأن العدالة االجتماعية، وتراجع الثقة في قدرة
الحكومات على االستجابة.
وهنا تبرز داللة مصطلح )الخريف األوروبي(. فالمقصود ليس إعالن أفول أوروبا أو التنبؤ بانهيار االتحاد األوروبي، بل
اإلشارة إلى مرحلة تختبر فيها المجتمعات قدرة مؤسساتها على التكيف مع ضغوط متراكمة. والخطر ال يكمن في أن يخرج
المواطنون إلى الشارع فحسب فاالحتجاج السلمي جزء من الحياة السياسية، وقد يكون وسيلة لتصحيح السياسات. إنما يكمن
في اتساع الفجوة بين المطالب والقدرة على االستجابة، وفي تحول الخالفات االجتماعية إلى مواجهات يصعب احتواؤها أو
تسويات يتعذر الوصول إليها. ومن الناحية االستراتيجية، ال يمكن فصل االستقرار الداخلي عن قدرة الدول األوروبية على التعامل مع التحديات
الخارجية. فالحكومات التي تستنزف طاقتها السياسية في احتواء اضطرابات متكررة قد تجد صعوبة أكبر في بناء توافقات
طويلة األجل بشأن االقتصاد واألمن والدفاع والسياسة الخارجية. لكن هذا ال يعني أن االحتجاجات وحدها ستؤدي إلى
تراجع مكانة أوروبا فذلك يتوقف على قدرة المؤسسات على إدارة األزمات، وعلى المؤشرات االقتصادية والسياسية
األوسع، وليس على مشاهد الشارع وحدها.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار األوروبي اليوم ليس فقط كيف يعيد الهدوء إلى الشوارع، بل كيف يمنع
األسباب التي تعيد إشعالها. فالمعالجة األمنية قد تكون ضرورية لحماية األرواح والممتلكات، لكنها ال تعوض سياسة سكن
فعالة، وال تصلح نظاما تعليميا يعاني من أوجه قصور، وال تستعيد الثقة إذا شعر المواطن بأن األعباء ال توزع بعدالة.
قد ال يكون ما تشهده أوروبا مصيري او بداية نهاية، لكنه بالتأكيد اختبار لقدرة الدولة الحديثة على الحفاظ على توازنها
بين األمن والعدالة، وبين متطلبات اإلصالح وحدود االحتمال االجتماعي. ومن هنا، فإن الخريف األوروبي ليس حكما
مسبقا على مستقبل القارة، بل سؤال مفتوح حول قدرة مؤسساتها على تجديد الثقة قبل أن تتحول الضغوط المتفرقة إلى
تُ قوتها بقدرتها على ضبط الشارع وحدها، بل بقدرتها على فهم أزمة أعمق في العالقة بين الدولة والمجتمع. فالدول ال قاس
ما يقوله الشارع، ومعالجة أسبابه، وتحويل الغضب إلى مسار سياسي واجتماعي يمكن احتواؤه.
التعليقات