في السياسة، ليست كل الكلمات سواء؛ فهناك كلمات تنتهي بانتهاء المناسبة، وهناك كلمات تفتح أبوابًا واسعة للقراءة والتحليل، خصوصًا عندما تصدر عن رأس الدولة، ومن على منبر دولي بحجم الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي لحظة إقليمية لا تشبه ما قبلها.
حين قال جلالة الملك عبدالله الثاني كلمته أمام العالم، لم تكن الرسالة الأردنية موجهة إلى الخارج وحده، بل حملت في طياتها أسئلة ستعود حتمًا إلى الداخل الأردني. فالأردن الذي يتحدث بثبات عن أمنه الوطني، وعن فلسطين والقدس، وعن مصالحه وحدوده ومياهه ودوره في الإقليم، يدرك أن المرحلة المقبلة تحتاج، إلى جانب وضوح الموقف السياسي، إلى أدوات دولة قادرة على ترجمة هذا الوضوح إلى أداء وقرارات وإنجاز.
ومن هنا، يمكن فهم العبارة التي بدأت تفرض نفسها على المشهد: الخريف الأردني بدأ.
ولا أقصد بالخريف سقوط أشخاص، ولا أتحدث عن إقالات أو تغييرات لم تُعلن، ولا أمتلك أسماء أو معلومات عن قرارات لم تصدر. المقصود أوسع من ذلك بكثير؛ إنه خريف المراجعة، خريف إعادة ترتيب الأولويات، خريف اختبار الأداء، وخريف الانتقال من مرحلة كانت فيها بعض الأدوات كافية إلى مرحلة قد تحتاج فيها الدولة إلى أدوات أكثر سرعة وكفاءة وقدرة على التعامل مع واقع إقليمي ودولي متغير.
الملك يضع الرؤية، والدولة تحوّل الرؤية إلى سياسات، والحكومة والمؤسسات تنفذ، وفي النهاية يبقى المواطن هو من يرى النتيجة ويشعر بها. وهذه هي النقطة الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة؛ فالمواقف الدولية مهما كانت واضحة، والخطابات السياسية مهما كانت قوية، لا تكتمل قيمتها إلا عندما تجد طريقها إلى مؤسسات الدولة وإلى حياة المواطن اليومية.
الأردن اليوم يتحرك في محيط شديد الحساسية. القضية الفلسطينية والقدس، والتطورات الأمنية على حدود المملكة، والأمن المائي، والضغوط الاقتصادية، والتحولات الإقليمية المتسارعة، كلها ملفات تجعل من الضروري أن تكون مؤسسات الدولة على مستوى سرعة الأحداث. لم يعد كافيًا أن تتحرك الإدارة بعد وقوع الأزمة؛ المطلوب إدارة تستبق، وتخطط، وتملك القدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
وهنا تحديدًا يصبح خطاب الملك في نيويورك أكثر من خطاب خارجي؛ يصبح اختبارًا للداخل.
فحين يتحدث رأس الدولة عن أردن يريد أن يحافظ على ثوابته، ويحمي أمنه ومصالحه، ويبقى حاضرًا وفاعلًا في محيطه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه داخل مؤسسات الدولة ليس: ماذا قيل؟ بل: كيف سنترجم ما قيل إلى عمل؟
المواطن الأردني لا يريد أن يعيش على العناوين وحدها. يريد أن يرى مؤسسة تنجز، وإدارة تستجيب، وخدمة تصل في موعدها، وقرارًا واضحًا، ومسؤولًا يعرف أن الموقع العام ليس امتيازًا شخصيًا، بل تكليف ومسؤولية.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة مراجعة حقيقية لمفهوم الأداء الحكومي والإداري. مراجعة للأولويات، ومراجعة للأدوات، ومراجعة لقدرة المؤسسات على مواكبة التحولات. وقد تحتاج بعض الملفات إلى تطوير، وبعض المؤسسات إلى دعم، وبعض المواقع إلى طاقات جديدة، وبعض السياسات إلى تصحيح أو إعادة ترتيب. وكل ذلك لا يعني بالضرورة انتقاصًا من أحد؛ فالدول التي تراجع أداءها باستمرار هي الدول التي تدرك أن الثبات الحقيقي لا يعني الجمود.
الخريف، في هذه القراءة، ليس خريف الأشخاص… بل خريف الأدوات القديمة.
هو خريف البيروقراطية التي تعطل القرار، وخريف الروتين الذي يستهلك الوقت، وخريف الإدارة التي تقيس النجاح بعدد الاجتماعات والتصريحات بدلًا من النتائج، وخريف الأفكار التي لم تعد قادرة على التعامل مع عالم يتغير بسرعة.
فالمرحلة الجديدة تحتاج إلى معيار بسيط وواضح: ماذا أنجزت؟ وما الذي تغير؟ وما الذي وصل إلى المواطن؟
هذه الأسئلة أهم من كثرة الكلام، وأهم من صناعة التوقعات والشائعات. فلا أحد يستطيع أن يعرف اليوم ما الذي ستأتي به الأيام، ولا يجوز تحويل التحليل إلى معلومات غير موجودة، لكن الجميع يستطيع أن يراقب اتجاه الدولة في المرحلة المقبلة: أين ستذهب الأولويات؟ كيف ستتطور المؤسسات؟ هل ستصبح الكفاءة والإنجاز معيارًا أكبر؟ وهل ستنجح الدولة في تحويل الرؤية إلى واقع ملموس؟
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
الأردن لا يحتاج إلى تغيير من أجل التغيير، ولا يحتاج إلى هدم ما بُني، ولا إلى التعامل مع كل مرحلة باعتبارها قطيعة مع ما سبق. المطلوب هو معرفة ما الذي يجب أن يبقى، وما الذي يحتاج إلى تطوير، وما الذي تجاوزته الظروف وأصبح بحاجة إلى بديل أكثر ملاءمة.
وهذه ليست تصفية حسابات، بل طبيعة العمل العام.
الدولة القوية ليست الدولة التي لا تراجع نفسها؛ بل الدولة التي تمتلك شجاعة المراجعة عندما تتغير الظروف.
ولهذا فإن عودة الملك إلى أرض الوطن بعد خطابه الدولي تعني، سياسيًا وإداريًا، أن العيون ستتجه مجددًا إلى الداخل: إلى الأداء، إلى المؤسسات، إلى الحكومة، وإلى قدرة الجهاز الإداري على التعامل مع مرحلة إقليمية مفتوحة على احتمالات كثيرة.
فالملك قال كلمته أمام العالم، والرسالة الأردنية وصلت. والآن يأتي الدور الأصعب: أن تتحول الرؤية إلى أداء، والموقف إلى سياسة، والسياسة إلى إنجاز، والإنجاز إلى أثر يراه المواطن.
ومن هنا لا تبدو عبارة «الخريف الأردني» عنوانًا للتراجع، بل عنوانًا لمرحلة انتقالية تحتاج إلى مراجعة هادئة وعميقة. فالخريف ليس نهاية الشجرة؛ إنه فصل تتغير فيه الأوراق استعدادًا لموسم جديد.
قد تتغير أولويات، وقد تتبدل أدوات، وقد تتقدم كفاءات، وقد يعاد تقييم أداء مؤسسات وملفات، لكن الهدف في النهاية يجب أن يبقى واحدًا: الأردن أولًا.
المرحلة المقبلة لن تُقاس بكثرة التصريحات، ولا بحجم العناوين، ولا بعدد الوعود، وإنما بما تستطيع الدولة أن تنجزه على الأرض.
الملك عبدالله الثاني قال كلمته أمام العالم… والآن بدأت المرحلة تقول كلمتها في الداخل.
وهنا تحديدًا أقولها:
الخريف الأردني بدأ.
ليس خريف الأردن، وليس خريف أشخاص، وإنما خريف الأفكار القديمة والأدوات التي لم تعد تكفي، وبداية موسم جديد من المراجعة والتحديث وإعادة ترتيب الأولويات.
والهدف ليس أن تسقط الأوراق.
الهدف أن تبقى شجرة الأردن واقفة… أكثر قوة، وأكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على مواجهة الموسم القادم.
حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني، وأدام على وطننا أمنه واستقراره.
بقلم: عبد الرحمن الأمعري
في السياسة، ليست كل الكلمات سواء؛ فهناك كلمات تنتهي بانتهاء المناسبة، وهناك كلمات تفتح أبوابًا واسعة للقراءة والتحليل، خصوصًا عندما تصدر عن رأس الدولة، ومن على منبر دولي بحجم الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي لحظة إقليمية لا تشبه ما قبلها.
حين قال جلالة الملك عبدالله الثاني كلمته أمام العالم، لم تكن الرسالة الأردنية موجهة إلى الخارج وحده، بل حملت في طياتها أسئلة ستعود حتمًا إلى الداخل الأردني. فالأردن الذي يتحدث بثبات عن أمنه الوطني، وعن فلسطين والقدس، وعن مصالحه وحدوده ومياهه ودوره في الإقليم، يدرك أن المرحلة المقبلة تحتاج، إلى جانب وضوح الموقف السياسي، إلى أدوات دولة قادرة على ترجمة هذا الوضوح إلى أداء وقرارات وإنجاز.
ومن هنا، يمكن فهم العبارة التي بدأت تفرض نفسها على المشهد: الخريف الأردني بدأ.
ولا أقصد بالخريف سقوط أشخاص، ولا أتحدث عن إقالات أو تغييرات لم تُعلن، ولا أمتلك أسماء أو معلومات عن قرارات لم تصدر. المقصود أوسع من ذلك بكثير؛ إنه خريف المراجعة، خريف إعادة ترتيب الأولويات، خريف اختبار الأداء، وخريف الانتقال من مرحلة كانت فيها بعض الأدوات كافية إلى مرحلة قد تحتاج فيها الدولة إلى أدوات أكثر سرعة وكفاءة وقدرة على التعامل مع واقع إقليمي ودولي متغير.
الملك يضع الرؤية، والدولة تحوّل الرؤية إلى سياسات، والحكومة والمؤسسات تنفذ، وفي النهاية يبقى المواطن هو من يرى النتيجة ويشعر بها. وهذه هي النقطة الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة؛ فالمواقف الدولية مهما كانت واضحة، والخطابات السياسية مهما كانت قوية، لا تكتمل قيمتها إلا عندما تجد طريقها إلى مؤسسات الدولة وإلى حياة المواطن اليومية.
الأردن اليوم يتحرك في محيط شديد الحساسية. القضية الفلسطينية والقدس، والتطورات الأمنية على حدود المملكة، والأمن المائي، والضغوط الاقتصادية، والتحولات الإقليمية المتسارعة، كلها ملفات تجعل من الضروري أن تكون مؤسسات الدولة على مستوى سرعة الأحداث. لم يعد كافيًا أن تتحرك الإدارة بعد وقوع الأزمة؛ المطلوب إدارة تستبق، وتخطط، وتملك القدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
وهنا تحديدًا يصبح خطاب الملك في نيويورك أكثر من خطاب خارجي؛ يصبح اختبارًا للداخل.
فحين يتحدث رأس الدولة عن أردن يريد أن يحافظ على ثوابته، ويحمي أمنه ومصالحه، ويبقى حاضرًا وفاعلًا في محيطه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه داخل مؤسسات الدولة ليس: ماذا قيل؟ بل: كيف سنترجم ما قيل إلى عمل؟
المواطن الأردني لا يريد أن يعيش على العناوين وحدها. يريد أن يرى مؤسسة تنجز، وإدارة تستجيب، وخدمة تصل في موعدها، وقرارًا واضحًا، ومسؤولًا يعرف أن الموقع العام ليس امتيازًا شخصيًا، بل تكليف ومسؤولية.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة مراجعة حقيقية لمفهوم الأداء الحكومي والإداري. مراجعة للأولويات، ومراجعة للأدوات، ومراجعة لقدرة المؤسسات على مواكبة التحولات. وقد تحتاج بعض الملفات إلى تطوير، وبعض المؤسسات إلى دعم، وبعض المواقع إلى طاقات جديدة، وبعض السياسات إلى تصحيح أو إعادة ترتيب. وكل ذلك لا يعني بالضرورة انتقاصًا من أحد؛ فالدول التي تراجع أداءها باستمرار هي الدول التي تدرك أن الثبات الحقيقي لا يعني الجمود.
الخريف، في هذه القراءة، ليس خريف الأشخاص… بل خريف الأدوات القديمة.
هو خريف البيروقراطية التي تعطل القرار، وخريف الروتين الذي يستهلك الوقت، وخريف الإدارة التي تقيس النجاح بعدد الاجتماعات والتصريحات بدلًا من النتائج، وخريف الأفكار التي لم تعد قادرة على التعامل مع عالم يتغير بسرعة.
فالمرحلة الجديدة تحتاج إلى معيار بسيط وواضح: ماذا أنجزت؟ وما الذي تغير؟ وما الذي وصل إلى المواطن؟
هذه الأسئلة أهم من كثرة الكلام، وأهم من صناعة التوقعات والشائعات. فلا أحد يستطيع أن يعرف اليوم ما الذي ستأتي به الأيام، ولا يجوز تحويل التحليل إلى معلومات غير موجودة، لكن الجميع يستطيع أن يراقب اتجاه الدولة في المرحلة المقبلة: أين ستذهب الأولويات؟ كيف ستتطور المؤسسات؟ هل ستصبح الكفاءة والإنجاز معيارًا أكبر؟ وهل ستنجح الدولة في تحويل الرؤية إلى واقع ملموس؟
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
الأردن لا يحتاج إلى تغيير من أجل التغيير، ولا يحتاج إلى هدم ما بُني، ولا إلى التعامل مع كل مرحلة باعتبارها قطيعة مع ما سبق. المطلوب هو معرفة ما الذي يجب أن يبقى، وما الذي يحتاج إلى تطوير، وما الذي تجاوزته الظروف وأصبح بحاجة إلى بديل أكثر ملاءمة.
وهذه ليست تصفية حسابات، بل طبيعة العمل العام.
الدولة القوية ليست الدولة التي لا تراجع نفسها؛ بل الدولة التي تمتلك شجاعة المراجعة عندما تتغير الظروف.
ولهذا فإن عودة الملك إلى أرض الوطن بعد خطابه الدولي تعني، سياسيًا وإداريًا، أن العيون ستتجه مجددًا إلى الداخل: إلى الأداء، إلى المؤسسات، إلى الحكومة، وإلى قدرة الجهاز الإداري على التعامل مع مرحلة إقليمية مفتوحة على احتمالات كثيرة.
فالملك قال كلمته أمام العالم، والرسالة الأردنية وصلت. والآن يأتي الدور الأصعب: أن تتحول الرؤية إلى أداء، والموقف إلى سياسة، والسياسة إلى إنجاز، والإنجاز إلى أثر يراه المواطن.
ومن هنا لا تبدو عبارة «الخريف الأردني» عنوانًا للتراجع، بل عنوانًا لمرحلة انتقالية تحتاج إلى مراجعة هادئة وعميقة. فالخريف ليس نهاية الشجرة؛ إنه فصل تتغير فيه الأوراق استعدادًا لموسم جديد.
قد تتغير أولويات، وقد تتبدل أدوات، وقد تتقدم كفاءات، وقد يعاد تقييم أداء مؤسسات وملفات، لكن الهدف في النهاية يجب أن يبقى واحدًا: الأردن أولًا.
المرحلة المقبلة لن تُقاس بكثرة التصريحات، ولا بحجم العناوين، ولا بعدد الوعود، وإنما بما تستطيع الدولة أن تنجزه على الأرض.
الملك عبدالله الثاني قال كلمته أمام العالم… والآن بدأت المرحلة تقول كلمتها في الداخل.
وهنا تحديدًا أقولها:
الخريف الأردني بدأ.
ليس خريف الأردن، وليس خريف أشخاص، وإنما خريف الأفكار القديمة والأدوات التي لم تعد تكفي، وبداية موسم جديد من المراجعة والتحديث وإعادة ترتيب الأولويات.
والهدف ليس أن تسقط الأوراق.
الهدف أن تبقى شجرة الأردن واقفة… أكثر قوة، وأكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على مواجهة الموسم القادم.
حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني، وأدام على وطننا أمنه واستقراره.
بقلم: عبد الرحمن الأمعري
في السياسة، ليست كل الكلمات سواء؛ فهناك كلمات تنتهي بانتهاء المناسبة، وهناك كلمات تفتح أبوابًا واسعة للقراءة والتحليل، خصوصًا عندما تصدر عن رأس الدولة، ومن على منبر دولي بحجم الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي لحظة إقليمية لا تشبه ما قبلها.
حين قال جلالة الملك عبدالله الثاني كلمته أمام العالم، لم تكن الرسالة الأردنية موجهة إلى الخارج وحده، بل حملت في طياتها أسئلة ستعود حتمًا إلى الداخل الأردني. فالأردن الذي يتحدث بثبات عن أمنه الوطني، وعن فلسطين والقدس، وعن مصالحه وحدوده ومياهه ودوره في الإقليم، يدرك أن المرحلة المقبلة تحتاج، إلى جانب وضوح الموقف السياسي، إلى أدوات دولة قادرة على ترجمة هذا الوضوح إلى أداء وقرارات وإنجاز.
ومن هنا، يمكن فهم العبارة التي بدأت تفرض نفسها على المشهد: الخريف الأردني بدأ.
ولا أقصد بالخريف سقوط أشخاص، ولا أتحدث عن إقالات أو تغييرات لم تُعلن، ولا أمتلك أسماء أو معلومات عن قرارات لم تصدر. المقصود أوسع من ذلك بكثير؛ إنه خريف المراجعة، خريف إعادة ترتيب الأولويات، خريف اختبار الأداء، وخريف الانتقال من مرحلة كانت فيها بعض الأدوات كافية إلى مرحلة قد تحتاج فيها الدولة إلى أدوات أكثر سرعة وكفاءة وقدرة على التعامل مع واقع إقليمي ودولي متغير.
الملك يضع الرؤية، والدولة تحوّل الرؤية إلى سياسات، والحكومة والمؤسسات تنفذ، وفي النهاية يبقى المواطن هو من يرى النتيجة ويشعر بها. وهذه هي النقطة الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة؛ فالمواقف الدولية مهما كانت واضحة، والخطابات السياسية مهما كانت قوية، لا تكتمل قيمتها إلا عندما تجد طريقها إلى مؤسسات الدولة وإلى حياة المواطن اليومية.
الأردن اليوم يتحرك في محيط شديد الحساسية. القضية الفلسطينية والقدس، والتطورات الأمنية على حدود المملكة، والأمن المائي، والضغوط الاقتصادية، والتحولات الإقليمية المتسارعة، كلها ملفات تجعل من الضروري أن تكون مؤسسات الدولة على مستوى سرعة الأحداث. لم يعد كافيًا أن تتحرك الإدارة بعد وقوع الأزمة؛ المطلوب إدارة تستبق، وتخطط، وتملك القدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
وهنا تحديدًا يصبح خطاب الملك في نيويورك أكثر من خطاب خارجي؛ يصبح اختبارًا للداخل.
فحين يتحدث رأس الدولة عن أردن يريد أن يحافظ على ثوابته، ويحمي أمنه ومصالحه، ويبقى حاضرًا وفاعلًا في محيطه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه داخل مؤسسات الدولة ليس: ماذا قيل؟ بل: كيف سنترجم ما قيل إلى عمل؟
المواطن الأردني لا يريد أن يعيش على العناوين وحدها. يريد أن يرى مؤسسة تنجز، وإدارة تستجيب، وخدمة تصل في موعدها، وقرارًا واضحًا، ومسؤولًا يعرف أن الموقع العام ليس امتيازًا شخصيًا، بل تكليف ومسؤولية.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة مراجعة حقيقية لمفهوم الأداء الحكومي والإداري. مراجعة للأولويات، ومراجعة للأدوات، ومراجعة لقدرة المؤسسات على مواكبة التحولات. وقد تحتاج بعض الملفات إلى تطوير، وبعض المؤسسات إلى دعم، وبعض المواقع إلى طاقات جديدة، وبعض السياسات إلى تصحيح أو إعادة ترتيب. وكل ذلك لا يعني بالضرورة انتقاصًا من أحد؛ فالدول التي تراجع أداءها باستمرار هي الدول التي تدرك أن الثبات الحقيقي لا يعني الجمود.
الخريف، في هذه القراءة، ليس خريف الأشخاص… بل خريف الأدوات القديمة.
هو خريف البيروقراطية التي تعطل القرار، وخريف الروتين الذي يستهلك الوقت، وخريف الإدارة التي تقيس النجاح بعدد الاجتماعات والتصريحات بدلًا من النتائج، وخريف الأفكار التي لم تعد قادرة على التعامل مع عالم يتغير بسرعة.
فالمرحلة الجديدة تحتاج إلى معيار بسيط وواضح: ماذا أنجزت؟ وما الذي تغير؟ وما الذي وصل إلى المواطن؟
هذه الأسئلة أهم من كثرة الكلام، وأهم من صناعة التوقعات والشائعات. فلا أحد يستطيع أن يعرف اليوم ما الذي ستأتي به الأيام، ولا يجوز تحويل التحليل إلى معلومات غير موجودة، لكن الجميع يستطيع أن يراقب اتجاه الدولة في المرحلة المقبلة: أين ستذهب الأولويات؟ كيف ستتطور المؤسسات؟ هل ستصبح الكفاءة والإنجاز معيارًا أكبر؟ وهل ستنجح الدولة في تحويل الرؤية إلى واقع ملموس؟
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
الأردن لا يحتاج إلى تغيير من أجل التغيير، ولا يحتاج إلى هدم ما بُني، ولا إلى التعامل مع كل مرحلة باعتبارها قطيعة مع ما سبق. المطلوب هو معرفة ما الذي يجب أن يبقى، وما الذي يحتاج إلى تطوير، وما الذي تجاوزته الظروف وأصبح بحاجة إلى بديل أكثر ملاءمة.
وهذه ليست تصفية حسابات، بل طبيعة العمل العام.
الدولة القوية ليست الدولة التي لا تراجع نفسها؛ بل الدولة التي تمتلك شجاعة المراجعة عندما تتغير الظروف.
ولهذا فإن عودة الملك إلى أرض الوطن بعد خطابه الدولي تعني، سياسيًا وإداريًا، أن العيون ستتجه مجددًا إلى الداخل: إلى الأداء، إلى المؤسسات، إلى الحكومة، وإلى قدرة الجهاز الإداري على التعامل مع مرحلة إقليمية مفتوحة على احتمالات كثيرة.
فالملك قال كلمته أمام العالم، والرسالة الأردنية وصلت. والآن يأتي الدور الأصعب: أن تتحول الرؤية إلى أداء، والموقف إلى سياسة، والسياسة إلى إنجاز، والإنجاز إلى أثر يراه المواطن.
ومن هنا لا تبدو عبارة «الخريف الأردني» عنوانًا للتراجع، بل عنوانًا لمرحلة انتقالية تحتاج إلى مراجعة هادئة وعميقة. فالخريف ليس نهاية الشجرة؛ إنه فصل تتغير فيه الأوراق استعدادًا لموسم جديد.
قد تتغير أولويات، وقد تتبدل أدوات، وقد تتقدم كفاءات، وقد يعاد تقييم أداء مؤسسات وملفات، لكن الهدف في النهاية يجب أن يبقى واحدًا: الأردن أولًا.
المرحلة المقبلة لن تُقاس بكثرة التصريحات، ولا بحجم العناوين، ولا بعدد الوعود، وإنما بما تستطيع الدولة أن تنجزه على الأرض.
الملك عبدالله الثاني قال كلمته أمام العالم… والآن بدأت المرحلة تقول كلمتها في الداخل.
وهنا تحديدًا أقولها:
الخريف الأردني بدأ.
ليس خريف الأردن، وليس خريف أشخاص، وإنما خريف الأفكار القديمة والأدوات التي لم تعد تكفي، وبداية موسم جديد من المراجعة والتحديث وإعادة ترتيب الأولويات.
والهدف ليس أن تسقط الأوراق.
الهدف أن تبقى شجرة الأردن واقفة… أكثر قوة، وأكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على مواجهة الموسم القادم.
حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني، وأدام على وطننا أمنه واستقراره.
التعليقات
الخريف الأردني بدأ… الملك قال كلمته والمرحلة بدأت تقول كلمتها
التعليقات