بقلم فراس الور
وقفت الساحرة بمنتصف الكوخ الذي تسكنه تنظر الى نافذة من نوافذه العديدة، كانت اضاءة المشاعل تتراقص من حولها و تنير بعض من ارجاءه حينما سمعت اصوات جناحيها و هي تهتز بالهواء على مقربة من الكوخ، فعلمت انها على وصول، غطت يدها بوعاء كان مليئا بدماء بشرية كانت قد اخذتها من نزيف رحم الكساندرا، فَعِلَمَتْ انها بطقوسها القادمة ستحتاج اليها، رسمت دائرة كبيرة بالدماء بأصبع يدها ثم كتبت باللغة اللاتينية الجحيم، شعرت فجأة بالأرض من تحت تزداد سخونه بينما دخلت الحمامة من النافذة و حطت امامها على الأرض، أومأت لها فطارت و استقرت على يدها، اخذت الرسالة المربوطة من على ساقها و قرأت المكتوب عليها باللغة اللاتينية 'اريد ان اراكِ شخصيا لأوكافئك على معروفك،' ابتسمت الساحرة لمضمون الرسالة ثم اخذت ورقة صغيرة و حبرا و كتبت عليها 'بالغد قبل منتصف الليل عند اول النهر القريب من البلدة...عند مربط الخيول،'
لَفًتْ الرسالة و ربطتها بقدم الحمامة ثم اطلقتها صوب النافذة، فجأة شعرت بضجيج يصدر من باطن الأرض، اهتزت الأرض من تحتها بضعة مرات و كأن زلزال ضرب المنطقة، تحولت الأرض داخل الدائرة الى زجاج شفاف رأت من خلالها اربعة اشخاص و هم بالقرب من مزرعة على مشارف إليريا، رأتهم متأهبين ممسكين مقابض سيوفهم ينظرون من حولهم بحذر شديد، ابتسمت قليلا و قالت في سرها 'لن تنجوا مما دبرت لكم هذه الليلة...'، صرخت بأعلى صوتها 'يابن جهنم ارسل قائد جندك حالا...،' توقف الزلزال الذي دام قرابة دقيقة ثم إمتلأ الكوخ بالضباب الكثيف، فجأة سمعت وقع حوافر ضعيف متلاحقة تشبه حوافر عدة الخيول و كأنها تجري من بعيد، بعد برهة من الزمن ارتفعت و كأنها تقترب من الكوخ اكثر، انقشع الضباب لتتوقف صوت الحوفر و ليظهر ما اخفاه وراءه، وقف امامها يتأملها بقوامه العملاق و ارجله الأربعة، كان نصف إنسان من الأعلى بسواعد بشرية و نصف ثور بأربعة قوائم من الأسفل، كان يكسي جسده الفرو الكثيف و كان ذو وجه ثور كبير يبرز من جانبي رأسه قرنان طويلان، فتح فاه فبانت اطْقُمْ اسنانه الحادة و كأنه يتوعد قريسة ما امامه، تقدم اليها ليرتفع صوت حوافره من جديد، فقالت آمرة 'يا قائد جند ابن جهنم آمرك ان تقتل...تذبح...تقطع اوصال هاؤلاء البشر بالبوابة على الأرض امامك،' اخذت دماء بشرية من وعاء الدم بجانبها و رشتها عليه، اصدر زمجرة موحشة و عالية وهو يقول 'شرب الدماء البشرية تروق لنا كثيرا،' شعرت بأنفاسه و هو يتكلم تعصف بالكوخ من حولها و كأنها ريح قوية،
قالت آمرة 'أْخْبَروني خدامي من الجان اسمائهم...سولا...اميمة...آيون...كونراد...'
اجاب 'سمعا و طاعة سيدتي...سأتولى أمرهم...'
'اريد ان تسفك دمائهم امامي على الأرض،'
فجأة إلْتَفَتَ خلفه نحو الباب، ثم رفع يمينه و انزلها و كانه أمر بشيئ، فأبتدأت اصوات زحف تعلو رويدا رويدا خارج الكوخ، نظرت الساحرة بترقب لترى ما اعًدا قائد الجند، فإبتسمت ابتسامة عريضة حينما رأتهم يقتربون نحو الكوخ، كانوا اربعة احناش ضخمة جدا لم ترى مثيل لهم من قبل، نظرت الساحرة بشغف ممزوج مع سرور و هم يقتربون من باب الكوخ، كانت كل منها بطول عشرة امتار و كان سُمْكها كبير يكفي لإبتلاع إنسان كامل، تملكتها الرهبة قليلا من احجامها و لكنها رفعت يدها و قالت بصوت آمر 'الى الدائرة!'، ابتعدت بضعة خطوات بعيداً عن دربها و هي تدخل كوخها من الباب و النوافذ و تتجه نحو البوابة السحرية بكل انصياع، دخلت فيها الأحناش و اختفت بلمح البصر من شدة سرعتها، اقتربت الساحرة مرة آخرى من الدائرة و شاهدتها و هي تزحف بإتجاه الجمع الذين وقفوا بجانب خيولهم الأربعة بترقب لما سيحدث، فجأة قال لها قائد جند جهنم 'لن ينجوا منهم،'
******************************************
وقف الجمع يستمع الى اصوات الحفيف المريبة التي انتشرت من حولهم، كان صهيل خيولهم المربوطة بشجرة على مسافة منهم يرتفع من حين لآخر ليطغى على الحفيف و لكن سرعان ما كان يعود مع هدوء الخيل، تلبدت السماء من فوقهم فجأة بالغيوم لتنتشر عتمة مريبة و داكنة وليختفي ضوء القمر تماما، لم يكن بين ايديهم لإنارة المكان الا شعلة كونراد التي كانت تتراقص مع نسائم الجو التي كانت تنشط من حين لآخر،
فجأة خفق قلب اميمة بقوة، فاستطاعت تميز اكثر من حفيف على مسافة منهم، نادت بصوت منخفض و بحذر شديد 'سولا، سولا...'
اجابها بصوت منخفض 'ماذا هنالك؟'
تقدم كونراد بحذر نحو الشجرة التي كانت خيولهم مربوطة بجذعها، فشعر أن الضجيج يأتي من حولها، اصدرت خطواته طقطة خفيفة و هو يدوس الحشائش على الأرض فكانت النبتات و الخُضْرَة كثيفة نظرا لخصوبة التربة و المكان، راقبه أيون عن كثب بينما اجابت اميمة بصوت منخفض و لكن مسموع للجَمْع 'اظن ان ما يسير من حولنا ليس كائن واحد،'
اجاب كونراد 'اشعر بذلك، و انهم ضخام جدا...اشعر و كأنهم يزحفون على الأرض...'
قال بقلق آيون 'قلبي غير مطمئن،'
اكمل كونراد مسيره لبرهة من الوقت و توقف بجانب الشجرة الكبيرة، كانت شجرة لَوْز و كانت مثمرة تملئها الأوراق الخضراء، فجأة اجتاح كيانه موجة خوف عارمة و قوية، فشعر بأن ما كان حولهم شيئ موحش جدا، أكمل سيره نحو الأحصنة التي ابتدأ تراقُصَهَا يزيد و حرك المشعل بيده ببطئ من اليمين الى اليسار، فجأة سمع صوت فحيح عالٍ جدا، صرخ باعلى صوته 'انها افاعي...و افاعي كبيرة جدا...!!! اسحبوا سيوفكم!!!' استل الجميع سيفهم و راقبوا المكان من حولهم و استعدوا لهجومها، رأقب كونراد برعب ما كان يزحف صوب الشجرة منذ قليل، رأه يتحرك من على اغصان الشجرة بسرعة البرق بإتجاه الأحصنة، اهتزت الشجرة بعنف كبير رغم ضخامتها و هو يقذق نفسه بقوة صوب احد الأحصنة و يلتف حوله، صرخ للجمع 'سولاا!!! أيون!!!'
ركض الجمع اليه بهلع و الحنيش يكمل إلتفافه على خيل سولا، صرخ سولا 'بيغاسوس!!! صديقي!!!'
حاول الحصان مقاومة الحنش و سرعته و لكن من دون جدوى، فالتف بسرعة و ابتدا بخنقه ليقع بيغاسوس على الأرض بقبضته كالفأر المسكين، ارتفع صهيل الحصان بقوة و هو موجوع بينما استل سولا سيفه و حاول مهاجمة الحنش، رفع ساعده لينزل ضربة على رأسه الذي كان كبيرا جدا و لكن قذف الحنيش بوجهه ألسنة متتالية من النيران من فمه، صرخ سولا من هول الموقف و ابتعد الى الوراء بينما انتظر الجمع الفرصة المناسبة لمهاجمة الحنش، فجأة تحرك آخر نحو المعركة و انتصب على ذيله بوضع يشبه التنين، نظر الجمع الى الأعلى ليصدموا من ضخامته و طوله، انطلق من فمه سيلا من الألسنة النارية ليبتعد الجمع اكثر عنهم، صرخت اميمة و هي مصدومة من منظرها 'هل هذه تنانين صغيرة متوحشة ام حنائش؟!!! ماذا نواجه بالضبط يا رفاقي؟!!'
اجاب أيون بقلق بالغ 'هذه اساطير!!! لم اواجه مثلها!!! سمعت عنها بالاساطير فقط!!!'
اقتربت باقي الثلاثة أحناش و وقفت بجانب بعض مثل وقفة الحراس و اطلقت من أفواهها نيران لاسعة، شعر الجمع بحرارتها فابتعدوا بضعة خطوات الى الوراء و بيغاسوس يتلوى و يصرخ من قبضة الحنيش الرابع، فجأة اختلطت مشاعر سولا من العراك، فاجتاحته موجة غضب عارمة ممزوجة مع خوف كبير، فدخل بحالة هلع على حصانه و رمى سيفه بقوة بإتجاه التنين، فجرحه تحت عنقه و سالت دماءه لبضعة ثواني، ضعفت قبضته على الحصان فحاول بيغاسوس الوقوف، و لكن سرعان ما توقفت الدماء عن النزف و حاول مهاجمة الحصان من جديد، صرخت اميمة 'هذه لا تموت!!! فكروا معي بحل لها!!!'
صرخ كونراد'السنة اللهب لا تعطينا فرصة لمهاجمتها!!!'
اضاءت ألسنت النيران الخارجة من اوفواهها الطبيعة من حولهم من شدتها، اصابت احدا ألسنتها شجرة اللوز فإبتدأ ورقها بالإحتراق على الفور، فجأة هربت باقي الخيول من الخوف مما كان يحدث فإرتفع صهيلها مع اصوات حوافرها بقوة بالأجواء، وقف بيغاسوس بقوة على ساقيه الخلفية و حاول ركل الحنيش بساقيه الأمامية، اخرج الحنيش لسان لهب بإتجاهه فصهل الخيل بقوة من وجع الإحتراق، و لكنه اصاب الحنش برأسه و دفعه الى الخلف، تلوى الحنيش من ضربة الخيل و مكث لبضعة ثواني من دون حراك، و لكن سرعان ما نهض و تقدم نحو الجمع بمحاولة لمهاجمتهم، رفع أيون سيفه و حاول قطع عنقه و لكنه قذف النيران عليه مما جعله يعود الى الوراء و يصرخ من حمم النيران، تفقد أيون ذاته ليرى إن لسعته النيران فتنفس الصعداء لشعوره بأنه لايزال سليم، فجأة تبادر الى ذهن اميمة فكرة شعرت انها قد تنجح بقلب ميزان المعركة مع هذه الوحوش الهائجة، ركضت صوب سولا الذي بات من دون سلاح و فريسة سهلة لأي هجوم قاتل و قفزت بالهواء تجاه الحنيش، حاولت قطع جسده الى نصفين و لكنه ابتعد عنها بلمح البصر من دون ان تتمكن منه، صرخ أيون 'اميمة ماذا تفعلي! هل فقدتِ صوابكِ؟!'
قالت له و هي تجري صوب باقي الأحناش 'هل هنالك بحيرة ماء من حولنا؟' فذف احدا الأحناش النيران صوبها و لكنها ركضت بسرعة بعيدا عنه فاحترقت بعض المزروعات على الأرض حولها من دون ان يصيبها الأذى، اجاب كونراد و هو يحاول مهاجمة احداها بسيفه 'هنالك بحيرة للري بالقرب من المزرعة،'
قذف حنيش من الاحناش لسان لهب على كونراد و لكنه لم يفلح بإصابت الا بعض الشعر في ساعديه، فأبتعد قبل ان تصله النيران بخفية تامة، صرخ من الخوف من حم اللهب و هو يتفقد ساعديه، انتشرت بالأجواء حوله رأئحة شعر محروق، نفض ساعديه قليلا و عاد الى الوراء قائلا 'لماذا تسألي عن البركة؟'، صرخ آيون فجأة 'فهمت، فهمت ما تريد اميمة،'
فجأة نظر الجمع برهبة الى الاربعة احناش و هي تقترب من بعض، التصفت اجسادها ببعض لِتُكَوِنْ حنيش ضخم كان جسده اشبه بتنينن كبير، بقيت رؤسها الأربع منفصلة و لكن بلمح البصر و كأنه سحر ساحر أصبح نصف جسدها ملتصق ببعض، أطلقت زمجرة موحشة بالمنطقة جعلت الجمع يرتجف من شراستها، صرخ كونراد 'هذا لا يعجبني إطلاقا!!!'
اجاب ايون 'اين تلك البحيرة، آمل ان تنجح خطتك يا أميمة!!!'
فجأة انطلقت من جنبي الوحش اجنحة طويلة و اطلقت ألسنت نارية أحرقت كل المرزوعات من حولهم،
صرخ سولا 'سيطير خلفنا، هي بنا!!!'
ركض الجمع بسرعة وراء كونراد الذي قادهم صوب بحيرة مياه اصطناعية صنعها بعض المعمارين لتروي المزارع على مشارف الإمارة، نظر أيون و اميمة ورائهم ليروا التنين و لكن لم يستطيعوا رؤيته، فجأة سمعا صوته الموحش و هو يطير فوقهم بسرعة جنونية، اطلق نيران صوبهم و لكنهم ابتعدوا عن دربها لتصيب كروم عنب كانت داخل مزرعة قريبة منهم، هاجت النيران بشراسة بكروم العنب ليصرخ أيون للجمع 'هيا بسرعة قبل ان نصبح طعام مشوي لها!!! انها سريعة جدا!!!'
سمع الجمع اصوات ناس خرجت على الصراخ و المعارك على مسافة منهم، اطلقوا صرخات تَعَجُبْ على رؤيتهم للتنين و هو يحلق فوق اراضيهم، فعاد بعضهم الى الداخل بينما وقف آخرون يراقبوا ما كان يجري عن بعد، انطفأ المشعل بيد كونراد من سرعة الجري و خيم ظلام دامس حولهم لبرهة من الزمن، و لكن انقشعت الغيوم فجأة من فوقهم لينير القمر المكان بصورة كافية ليروا الطريق امامهم، صرخ كونراد ها اقتربنا!!!' قالت اميمة للجمع 'اغطسوا داخل البركة فسيلحق بنا التنين!!! الماء سيطفئ قدرتها على قذف النيران!!!' وصل الجمع الى البركة الكبيرة و قفزوا بداخلها ليسببوا أرتجاج كبير بالبحيرة، فجأة انتشرت من حولهم امواج عاتية و كبيرو فشعروا ان التنين لحق بهم، غاصت اميمة الى اعماقها ثم سبحت نحو السطح و بحثت عن رفاقها، وجدتهم على مقربة منها عائمون على وجه المياه، صرخت لهم 'فالنخرج، بسرعة!!!'
إلْتَفَتَ الجمع الى ضجيجٍ عالٍ و امواج عالية بالبحيرة فرأوا التنين يتخبط محاولاً الخروج من مياهها العميقة، سبح الجمع الى الخارج و نظروا اليه و هو يعوم بالماء بحثا عنهم، أَلْقَتْ اميمة من خارج البركة بضعة احجار لتلفت انتباههم اليها، فجأة بسرعة البرق لحقت بهم الحنائش الى خارجها و انتصبت لتحاول قذف نيرانها و لكن من دون جدوى، امسك كل من اميمة و ايون و كونراد سيوفهم و قذفوها بقوة نحو اعناق ثلاثة من الأحناش فاخترقتها بسهولة كبيرة، تَلَوًتْ الأحناش من آلم السيوف و اطلقت صرخات موحشة زلزلت المكان، وقعت على الأرض و هي تنزف بغزارة شديدة، انتفضت بقوة و هي تصارع الموت ثم مكثت ثلاثة منها من دون حراك، بقية رأس رابع على قيد الحياة ينظر اليهم بنظرات موحشة، كانت عينيه تشع غضبا و هو ينظر اليهم، استل سولا خنجرا من شدة غضبه على ما كان يحصل و سار نحوه ببطئ شديد، صرخة له اميمية 'سولا لا تفعل، سيموت بمفرده فنزيف باقي التنانين ستقتله ولو بعد حين،
صرخ سولا بمرارة و الدموع بعينيه 'حاولوا قتل بيغاسوس و حرقوه، لا اعلم اذا كان لا يزال على قيد الحياة، كان هدية من سيدي إليريون فلم يبخل علي به...' اقترب سولا اكثر و اكثر من التنين الذي كان يحرك رقبته بعنف شديد، حرك رقبته الى الأمام و حاول غرس انيابه الحادة بجسده و لكن كان سولا لا يزال على مسافة آمنة منه، صَوًبَ خنجره الحاد و قذفه صوب عين من عينيه فانغرز بها، هاج التنين بشراسة و اطلق صرخة من شدة ألمه، امتلأت الأجواء من صوته لبرهة من الزمن ثم مكث من دون حراك كباقي التنانين،
************************************************************************
ضربة الساحرة كفاً بكف على خيبة الأمل التي اصابتها من موت الأحناش، لم تصدق بسالة و قوة الأربعة جنود و هم يحاربون الأحناش فكادت ان تتخلص منهم لتنفذ رغبتها بالإنتقام من قصر إليريون، نظرت بِتَمَعُنْ الى الدائرة السحرية بأرض كوخها و الاربعة يتحاورون و يتلذذون بالنصر الذي حققوه للتو، كان الإرهاق باديا عليهم و كانوا يلهثون من التعب، لكن ارتسمت على وجوههم علامات انتصار اشعرتها بالقهر و الغيظ على فشلها الكبير، فقالت في ذاتها متوعدة 'هذه حرب و هنالك عدة معارك، فإذا خسرت معركة لا يعني انني سأخسر الحرب،' مسحة يدها فوق الدائرة فاختفت و كأنها لم تكن،
وقفت من على الأرض و سارت نحو مرآة في صالة كوخها الصغير، نظرت الى ذاتها لتتفقد اناقتها إن كانت جاهزة لقدومه، كان يحب جمالها جدا لذلك كانت دائما حريصة على ان تكون بقمة زينتها وقت لقاءه، أَرْخَتْ شعرها الذي كان مربوطاً فوق رأسها فنزل كأمواج شلال حول كتفيها، ابتسمت حينما رأت وجهها الذي اشرق لمعان بفضل مساحيق لترتطيب البشرة كانوا خدامها يأتون اليها بها من محلات مشهورة في باريس، فتحت العلبة التي كانت امامها على منضدة و اخذت بعضها و دهنت وجهها، ابتسمت حينما قرأت إسم شانتال باريس عليها و تاريخ الإنتهاء حيث كان فبراير 2025، كانت تُعَدْ خصيصا للطبقات المقتدرة في تلك العصور التي يزداد بها العلم كثيرا، اخذت قارورة من خلاصة ناردين الملوك و مسحت رقبتها فكان يحب تقبيل رقبتها كثيرا، كانت في ريعان شباب لن يذبل سريعاً بفضل عنايتها بجمالها، كانت ذات بشرة بيضاء و عينان عسليتان شكلهما كعيناي المها، كانت ممشوقة القوام ذات خصر رشيق و جسد رقيق و ناعم و شعر طويل غزير يصل الى منتصف ظهرها، نظرت الى السماء و شعرت بقربه...بل كادت ان تشعر بدقات قلبه و كأنه بالغرفة معها، ذهبت الى خزانة ثيابها بغرفة نومها و خلعت ردائها و ارتدت رداءا احمر كان يحب ان يراها فيه، عادت الى الصالة و وقفت امام المرآة و لكنها اطلقت صرخة حينما رأت قرونه من خلفها، فجأة استدارت لتراه امامها، شعر بخوفها فَتَحَوًلَ بثانية من الزمن من شكله الحيواني الى رجل انسي بالكامل، قال 'أأخفتك؟'
اجابت و هي تبلع ريقها 'قليلا، فتعودت ان تظهر لي كإنسان دائما،'
اقترب منها و هو يتفحص إطلالتها قائلا 'ألم تتعودي علي؟ ألم يحن الوقت يا ياقوت؟'
حاولت رسم إبتسامة رغم قلبها الذي كام يخفق بقوة من رهبة الموقف 'انا انتظر لحظات قدومك بفارغ الصبر يا حبيبي،'
كان الرجل طويل القامة ذو بشرة بيضاء و شعر اشقر طويل يصل لغاية كتفيه، كان عريض المنكبين مفتول العضلات ذو جسد رياضي و ذو وجه وسيم جعلت عينين ياقوت تبرق اعجابا به، كان يرتدي رداءا ابيض طويل كأردية الرومان القديمة، اقترب منها و امسك شعرها الذي كان منسدل حول كتفيها و خصرها بيديه قائلا 'منذ مدة و لم اشعر بدفىء جسدك في حضني،'
قالت بنبرة هادئة و لكن معاتبة 'انا لم احرمك من نفسي، و لكن جليسات سيدي أمير الجان الأحمر كثيرات،'
نظر اليها بنظرات راغبة قائلا 'والدي يريد ان يزوجني باكرا، فلم يَمُرْ على عمري مئتي عام فقط و هو عازم على تزويجي، و لكنه غير راضٍ لانني اشتهيت إنسية،'
أَرْخَتْ رباط ثوبها من على كتفيها فسقط ثوبها الى النصف كاشفاً جسدها من الأعلى، أكمل و هو يسير ببطئ حولها يتفحص جمالها 'حتى لو خَضَعْتُ لرغبته و تزوجت تاره ابنة عمي كما يريد، ستبقي انتِ في قلبي، اريدك على الدوام فأنت تعجيبينني اكثر منها،'
ألهبت عيناه الراغبة ياقوت لدرجة الجنون، فكان وسيما جدا في عينيها لدرجة انها نسيت مَظْهَرَهُ الحقيقي و الموحش كجَانْ، حاول ضمها و لكنها ابتعدت عنه و سارت بقوامها الرشيق كالغزال الشارد بالبراري محاولةً اغوائه بِعُرْيُهَا، قالت بثقة 'و إن قَبِلْت ان تدخل علي و انت متزوج من آخرى، فلي مهر اريده منك، انت تعلم طبعنا كإنسيات جيدا، نحن لا نحب ان ندخل بأي زواج على ضَرًه،'
اقترب منها امير الجان و الرغبة تَمْتَحِنْ صبره، إبتسم و قال لها 'اطلبي ما تريدين، فمنذ ان بعتي نفسك لنا و انت تأمرين و انا انفذ، ما هو مهرك؟' نظرت الى ظل الثور الذي كان يرافقه و الذي تراقص مع السنة نيران الشعلات بالكوخ، عاد الى ذهنها مظهره الحيواني اول ما دخل كوخها و لكنها حاولت نسيات ما جرى، فتمالكت اعصابها و قالت بثقة 'اريد ان تتحطم إليريا، اريد ان اسحقها لأنتقم من اميرها،'
سار فجأة الأمير اليها بخطوات سريعة و ضمها اليه، شعرت بحرارة جسده و يديه تسرح على ظهرها و توقظ رغبات جامحة في ذاتها، كان وسيما جدا و امير لمملكة قد تعطيها نفوذ سَحَرَةٍ كبار، فقال لها مترجيا 'لك ما تريدين، و لكن هل قبلتِ عرضي بالزواج بي؟ ارجوكِ، اريدك الليلة قبل الغد!'
*****************************************************
نظرت تارة من امام الكوخ بغضب شديد الى اميرها و حبيبها و هو يضم ياقوت اليه بكل حنو، شعرت بنار الغيرة تكوي قلبها بسياط لا ترحم و هي تشاهده كالطفل المسكين يستسلم لِعُرْيُهَا و جمالها و يرقد بين يديها، لم تكن في قرارة نفسها تعلم ما ايقظ نار هذه الغيرة اكثر في قلبها، جمال ياقوت كإنسية أم شعورها بأنها قد تخسر اميرها الى الأبد لهذه الإنسية التي استطاعت بكل خبث و جبروت ان تتملك قلبه، كانت تارة جميلة جميلات قومها فكان شكلها الإنسي جذاب جدا، كانت طويلة القوام ذات بشرة سمراء و شعر اصفر طويل ناعم يصل لغاية اسفل خصرها، كانت عينيها البنفسجية براقة تشبه عيني المها و تبرق لمعانا و اناقة كالأحجار الكريمة، كان وجهها بريئ و ناعم المعالم لدرجة انها كانت تروق للرجال من جنسها من الجان من النظرة الأولى، كانت الغيرة تأكلها و هي ترى ياقوت بين يدي بركان لدرجة ان دمائها البنفسجية سالت من شفاهها الزرقاء و هي تعضدها بأسنانها، فجأة شعرت برغبة جامحة بمداهمة الكوخ لتصرخ بوجه خطيبها لكي يبتعد عن ياقوت قبل ان يعاشرها، و لكنها انتظرت و حاولت تمالك اعصابها، فبركان ما سمح لها يوما بتخطي حدودها معه كأمير و التدخل بأمر جليساته، كانت تعلم ان بركان مزواجا و رغم ذلك قبلت بأطباعه طمعا بحبه و طمعا بمملكة الجان لكي تصبح هي مليكتها بعد ان يتوفى والده و يرث ملكه، و لكن ها هي قد تخسر كل شيئ بلحظة بسبب إنْسِيًة حقيرة علمت كيف تتودد لبركان سَيِدْ من اسياد الجان الأحمر، قالت في ذاتها 'يا وقاحتكِ يا ياقوت، اتتجرئي من حبيبي، لا بد انك إمرأة كاسرة بسحرك و نواياكِ فعلمت كيف توقعي من سيحقق لكِ احلامكِ السوداء كساحرة، و لكنني سأعلم كيف سأحطمكِ و آخذ بركان منكِ مرة ثانية،'
******************************************************
قالت ياقوت بثقة كبيرة و هي بين يديه 'اريدك ان تَعِدْني بأن قُوًتِيْ ستزداد لأكمل انتقامي من إليريون،'
قال و يداه تداعب خصل شعرها الناعمة 'سأعطيك راس إليريون على طبق من ذهب...و لكن...'
اجابت 'لا بد انك على علم بوجودهم...'
ابعدها لبرهة عنه و نظر اليها قائلا 'اشعر بإيمانهم، الصليب مع القرآن...اشعر بوجود الله بإليريا،'
اجابت مطمئنة 'لكل امر حله، فهم بشر ضعفاء امامنا، و هم اثنين فقط بين آلآف من قوم يعبدونكم انتم و خدامكم كآلهة لهم،'
اجاب بركان 'قوتي تنقص بوجود ايمانهم، إليريا من دون الصليب و القرآن لقمة سهلة لي،'
'و لكن هذا يعتمد على كم هم مؤمنون يا بركان...' اكملت متوعدة 'لن ادع اي انسي يقف دون ان اتمم انتقامي، سأقتلهم، فإيلريا بعيدة عن ايمانهم، ماذا سيفعل ايمان شخصين فقط بوسط مجتمع وثني غير مؤمن...أنت لم ترى كم إليريون اذلني حينما امر بجلدي امام قومه،'
اقترب منها من جديد و قال مواسيا 'سأفعل ما بوسعي لتنتقمي منه، اعدك، و لكن لنكمل الحديث في ما بعد، قلت لكِ سأمنحك ما تريدين من قوة...و لكن لا اضمن لكِ شيئ و لا اضمن نجاح مخططك، فمملكة الأديان السماوية تضعف قوتنا جدا بعالم البشر، كان لنا سلطان خارج المملكة اليهودية فكان العالم مرتعنا قبل و بعد طوفان نوح رجل الله، و لكن مع ازدياد ملكوت الله على الأرض و مع انتشار المسيحية و الإسلام بعدها بالعالم تم تحجيم قوتنا، لا نستطيع العبور الى العالم الإنسي الا بدعوة من سحرة امثالك...' نظر اليها من جديد و عينيها تبرق لمعانا و جمالا و اكمل 'نحن ضعفاء من دون خدام لنا امثالك يجعلوننا نعبر الى العالم الإنسي، اريد جمالك الليلة كي تكوني لنا الى الأبد...'
خلعت ثوبها بالكامل و قالت 'و انا ملكك الليلة،'
********************************
قَبًلَ بركان ياقوت بقبلات حارة فاشتد غضب تاره، فجأة فقدت السيطرة على اعصابها لدرجة انها لم تشعر بنفسها و هي تسير بغضب عارم نحو الكوخ، اقتحمت المكان كالعاصفة و هي تصرخ 'أَلَحْمُ الإنسيين يعجبك اكثر من بنات قومك يا سمو الأمير!'
إلْتَفَتَ نحوها بصدمة عنيفة من كلماتها و قال بغضب 'و كيف تجرؤين على اقتحام خلوتي مع جليسة لي؟'
تسترت ياقوت امام تارة، ربطت ثوبها لتتفاجئ بإشرة من يدي تارة، فانطلقت من يدها كرة كبيرة من نار ملتهبة و لكن صدتها ياقوت بيديها، فتبخرت مع الهواء لتصرخ تارة من الصدمة 'كيف!!! متى!!!! كيف حدث هذا؟!!! لماذا لم تحترقي؟!!!'
صرخ بركان بغضب 'تارة عودي من حيث اتيتي!!! و سنتكلم لاحقا!!!'
قالت ياقوت بمحاولة لزيادة غيظ تارة 'ألم يخبرك بركان؟!َ!!'
أجابت بغصة حزن شديدة 'و تقولي اسمه هكذا من دون ألقاب!!!'
'هذه ليست اول مرة يعاشرني حبيبك!!!'
صرخ بركان بغضب ليشتعل جسده كله بالنار و هو يأمر 'ياقوت اصمتي!!! و انت تارة عودي الي عالمنا، و سنتكلم لاحقا!!!'
قالت و نيران التَوَعُدْ تشتعل في عينيها و تشع من وجهها 'حتى لو معاشرتك لسيدي بركان حَوًلَتْ جبلتك الإنسانية الوضيعة الى جبلة جان...لن تكوني واحدة من قومنا!!! افهمتي يا قحبة البشر!!!' اقتربت منها فشعرت ياقوت بِحَمْ جبلتها النارية على جلدها، صفعتها ياقوت صفعة جعلتها تصرخ من الألم، نظرت اليها تارة بصدمة عنيفة و الدموع تسيل من عينيها لبرهة من الزمن، قالت ياقوت 'تكلمي معي بأدب، فحينما تكلمي زوجة اميركم التزمي ادبك!َ!!،' حاولت تارة اخفاء صدمتها مما فعلته ياقوت و لكنها لم تستطع، فصرخت ببركان فجاة 'زوجة اميركم؟!!!'
التزم بركان الصمت و هو ينظر الى تارة فَرًبِطَ لسانه امام مواجهة كان يعلم انها ستحدث عاجلا ام آجلا، و لكن لم يكن ليتمنى ان تكون بهذه الحِدًة، صرخت تارة بوجه بركان 'هل هي زوجتك؟!!! هل ستختار هذه الإنسية عِوَضْ عن ابنة عمك؟ و انا...يا سمو الامير...انا ما هو مكاني بحياتك؟!!!'
صرخ بركان بوجه تارة 'قلت لك عودي الى ديارك و سنتكلم لاحقا، انت تعلمي انك لست الوحيدة بحاتي من اول العلاقة يا تاره، انا لم اخفي عنكِ شيئ،'
كانت تعلم تاره بقرارة نفسها انه لطالما كان بركان بصف ياقوت فلن تقوى عليها، و لكن سرعان ما استجمعت قُوًتُها و أكملت بغضب لياقوت 'لن اترك لك بركان و سادعك تتذوقين المُرْ لما فعلتِ!!! ثقي يا ياقوت انني سارد لكِ صفعتك مئة ضعف، اعلم كيف سأقتلك و اجعلك تتلوعين من الآلآم و انت تموتين!!!'
نظرت ياقوت الى عيناي تارة و اجابت بكل ثقة غير مكترثة الى توعدها 'لن تستطيعي فعل شيئا معي!!! و أنا واحدة منكم قبلتِ ام لا!!! انت و قوتك لا تؤذيني!!!'
انحنت امامها تارة بسخرية تامة و اجابتها بنبرة جافة 'سنرى يا سمو الأميرة، فلن أخسر الحرب معكِ،'
فجأة هبة بالمنزل كرة نار كبيرة ثم اختفت تارة تاركة بركان و ياقوت بمفردهما، قال بركان 'هيا لنكمل ليلتنا مع بعض فستتقبل الأمر عاجلا ام آجلا،' انقبض قلب ياقوت و هي تسير مع بركان الى غرفة نومها، فبالرغم من ان تارة جان من النار الا انها بالنهاية إمرأة من قومها مشتعلة بنار الغيرة و ستفعل المستحيل لتنتقم منها و لتمنع مخططها بإليريا، كانت تعلم انها ستضايقها جدا، و لكن الذي كان يطمئها انه بعد الليلة ستتغير اشياء كثيرة لصالحها،
*********************************************
وقف صلاح الدين الايوبي بوسط خيمته الرئاسية بمعسكره الضخم يفكر بعمق بشتى السيناريوهات لما قد يواجهه بالمسقبل القريب، كان معسكرهم على مقربة من السواحل الفلسطينية و كان مُشَيًدْ على سلسلة من التلال حيث ضم آلآف الخيمات التي كانت تأوي اربعة و عشرين ألف جندي جاهزين للقتال، كان رد رسول ريتشارد قلب الأسد على رسالته مقلق للغاية، فكان برفقة قائد جيشه عماد الدين الشامي يتفحص المخطوط الذي وصل مع رسول من رُسُلِ جيوش الأفرنجة التي ملأت الساحل الفسلطيني منذ اربعة ايام استعدادا للمعركة الحاسمة على القدس، أمر الناصر صلاح الدين ان يعود الرسول سالماً معافاً الى بلاده بعد ان يزود بالطعام و الشراب لرحلته، فعامل رسول ريتشارد كما عامل ريتشارد رسوله حينما عاد الى المُخَيًمْ سالما، فحينما قرأ ريتشارد خطاب صلاح الدين طلب مهلة يومين للتفكير قبل ان يجيبه حيث كان جوابه سيحدد مجريات المعركة التي كانت ستحصل،
استغرب صلاح الدين من طبيعة الرد الذي أتاه، و استغرب اكثر من احترام ريتشارد لرسوله، حيث تبين ان اخلاق هذا القائد كانت غير اخلاق من كان قبله من ملوك اتوا على رأس حملات كبيرة غزوا و قتلوا و فعلوا الأمَرًيَنْ بابناء قومه من الآمنين على السواحل الفلسطينية و بمناطق عدة من امبراطوريته، كان صلاح الدين رجل طويل القامة مفتول العضلات عريض المنكبين ذو بشرة حنطية و شعر قصير، كان يمتلك وجه يشبه القلب فكان ودود المعالم ذو عينين عسليتين و إطلالة انيقة شابة، نظر الى وجه قائد قواته الذي كان يشع غضبا و سخطا، كان عمادالدين لا يقل ضخامة و قوة عنه فكان رجل حرب من الطراز الرفيع، ارتفعت بالخلفية اصوات إلتحام سيوف و صرخات للجند و هم يتدربون على القتال فكانت الإستعدادات على قدم و ساق للمعركة الأتية، سـأل قائد قواته و هو محتد على صنيع رئيسه 'يا سيدي ما حاجتنا اساسا لأرسال مندوب لهم برسالة، اكثر من تحديد موقعة و موعد للنزال ليس بيننا و بينهم اي امر آخر، ثم ان طلائع جنودنا اخبرتنا انه يبدو ان قواتهم اقل عددا من قواتنا، يعني المعركة محسومة لنا،'
نظر اليه صلاح الدين بقلق و قال 'مصير المعركة ليس ما يقلقني، فهذا نزال و حرب قد نربحها و قد نخسرها، هذا سَيُحْسَمْ بالغد و إن الغد لناظره قريب،'
اجاب رئيس الجيش بنبرة مُلِحَةُ 'هل حددتم وقت المعركة؟ قل لي،'
'هم من حددوا التوقيت برسالتهم،'
'ما يقلق سيدي اذا؟ الا إن تضمنت الرسالة على اكثر من تحديد التوقيت،'
قال مجادلا 'فعلت ما يمليه علي ضميري، و طلبت انسحابهم لتبقى القدس في عهدتنا، انت تعلم جيدا ان معاركنا معهم غير محسومة لغاية هذه اللحظة، فخسرنا ما خسرناه و ربحنا ما ربحناه من اراضي متنازع عليها بالماضي، و لكن طلبت انسحابهم من المعركة حقناً لدماء جنودهم و جنودنا،'
تغيرت تعابير وجه عمادالين و اصبحت اقل حدة، ففجأة عَلِمَ ما كان يجول بخاطر سيده، سأل 'و ماذا اتاك بالرد؟'
ضرب صلاح الدين كف بكف و قال 'انت لا تعلم ريتشارد، انه رجل حرب و قائد معارك كبيرفي بلاده، فكمية الإنتصارات التي حققها لإنجلترا كبيرة جدا، هذه الأخبار التي أتتني عنه، انه رجل و قائد لجيوش بلده منذ ان كان بالسادسة عشر من عمره و له خبرة ضخمة بقيادة المعارك، و ما خسر معركة لغاية هذه اللحظة، المشكلة ليست بقلة عدد جنودهم، فربما كان هنالك حليف تخلى عنهم، او تأخر وصول قوات كانت ستساندهم بهذه المعركة...لا أعلم...انت تعرف السفر البري و البحري و مخاطره و خفاياه...،' سار لبضعة خطوات امام عمادالدين و كأنه يفكر بأمر ما، ثم انفجر غضبا و صرخ 'و لكنه مجنون!!! مجنون!!! أُحدثه عن حقن دماء البشر، فيحدثني بعزمه على خوض هذه المعركة!!! الى متى ستبقى بلادنا غارقة بدماء ابناؤنا و ابنائهم!!! الى متى يا عمادالين!!!'
قال بمحاولة لتهدئة سيده 'انت فعلت ما كان عليك فعله، فهو من اختار النزال، أعدك بأننا سنكون على اهبة الإستعداد، فنحن ايضا من شِيَمُنَا ان لا نستخف بأعداؤنا، فهذه غلطة ما ارتكبتها يوما كقائد لجنودي، انت حتى خَيًرْتَ المسيحيون في جيوشنا من الإنسحاب من هذه المعركة و العودة الى ديارهم آمنين كي لا يقتلوا اشقائهم من دينهم من الأفرنجة، و قَبِلْتَ قرارهم حين ابلغونا برغبتهم بالبقاء في صفوف جيشنا لخوض المعركة، تممت ما عليك على اكمل وجه، '
نظر الى وجه عمادالدين و اكمل بنبرة قلقة 'لم اكن يوما رجلا ظالما و لن اكون غير عادل مع قومي و رعايانا، مسيحيوا الشرق هم اشقاؤنا و ها اختاروا العيش معنا على الحُلْوَةِ و المُرًةِ، لن تخذلنا كنائسهم و لن يخذلونا باي مقصد نقصدهم به، و لكن ريتشارد...' صمت قليلا و عاد ليسير بخطوات امام عمادالدين و هو يفكر بعمق ثم أكمل 'عدم انسحابه بالرغم من عدم تكافئ عدد جيشه مع جيشنا قد يعني لي كقائد عسكري احتمالا آخر ايضا، أنه اتى لبلادنا بصفوة جنودهم و بواسلهم، لا بد انهم أرسلوا من يستكشف امر معسكرنا و قدروا اعدادنا، ريتشارد ليس غبيا كي يدخل بمعركة لم يحسب نتائجها جيدا، يا عمادالدين لا تستخف بهذا القائد، فيجب ان لا نلغي الإحتمال انه خرج علينا بصفوة رجاله، لذلك حَدًدَ موعدا للنزال و لم ينسحب من سواحلنا،'
اجاب عمادالدين مطمئنا 'اعدك سيدي ان لا نستخف بجيوش هذا الرجل و ان نكون على أهبة الإستعداد،'
قال محذرا 'نحن امام جيوش منظمة أكثر من اي وقت مضى، هذا الرجل ليس لقمة سهلة، يجب ان نكسب هذه المعركة لنحدد امر و مصير بلادنا، اذهب و جهز المعسكر للسفر باكرا، امامنا يومين من السفر لبلوغ حطين للنزال،'
ذهب عمالدين و بقي صلاح الدين بمفرده في خيمته، فكر كثيرا برسالة ريتشارد له، فتح المخطوط من جديد و قرأه 'الى القائد صلاح الدين الأيوبي، وصلني عرضكم مشكورا، و قررت ان اختار مسار المعارك بيننا، فما قطعنا كل هذه المسافة من ديارنا لكي نتراجع بتاتا عن هدفنا، و هو تحرير القدس و عودتها الى حكم المملكة الرومانية المقدسة، كلانا قائدان لجيوش و حروب و نفهم انه بالرغم من قساوة الحروب الا ان نتيجتها ستريح الطرفين من نزاع دام لعقود طويلة بيننا، بل سُفِكَتْ دماء ابناءنا طويلا بسببه، فحان الوقت ليحسم بهذه المعركة، فالندع المعركة التي ارى ان تكون بعد يومين بالمكان الذي طلبته لتحدد مصير القدس بيننا، فانا على ثقة انك ستتقبل نتائجها مهما كانت مثلما سأتقبل نتائجها، و هذا وعد من قائد لقائد،'
اغمض صلاح الدين عينيه لبرهة من الزمن، فكان بقرارة نفسه يتمنى ان يتفادى هذه الحرب، و لكن خصمه عنيد و قد اختار، ضرب تحية لكلام ريتشارد بالمخطوط و قال في ذاته 'اعدك ان اكون ندأً لتاريخك العسكري العظيم يا قلب الاسد، فلو لم تكن كذلك لما خرجت علي بجيش قوامه نصف جيشي، بل فررت من امام جيوشنا الجرارة كالجبان، و اعدك كقائد انني سأتقبل نتيجتها مهما كانت،'
خرج من خيمته و نادى على عمادالدين، ارتفعت بالأجواء اصوات و ضجيج و إلتحام سيوف الجنود بكثافة و هي تتدرب على النزال، اتاه على وجه السرعة قائلا 'ما هي اوامر سيدي،'
'اريد سمية ان تأتي الى خيمتي،'
قال بتردد 'و ما حاجتنا الى عرافة...اعوذوا بالله من ذكر اسمها؟'
اجاب و صبره يكاد ينفذ منه 'عمادالدين ليس عندي احتمال لشيئ بهذه الأوقات، لا تكثر من الاسئلة، قل لها ان تأتيني على وجه السرعة، نفذ اوامري، هيا!!!'
قال بحذر 'سيدي اتسمح لي بسؤال آخر؟'
اجاب بمحاولة لإمتصاص قلق صديقه 'تفضل...اتحفنا بسؤالك،'
'هل ترسل آخر ليجلبها، استعوذ بالله ألف مرة و انا امر بجانب خيمتها...'
ضرب جبينه بيده و قال بصدمة 'واه مصيبتاه!!! قائد جنودي عماد الدين...اسد البراري و الوديان...يخاف من عرافة....كيف سأسلمك معركتنا مع الإفرنجة إذ انك تخاف من حرمة...'
اجاب و جبينه قد اكتسا بعرق التوتر 'انا لا احاف منها، و لكن اخاف من اصدقاء لها لا اراهم...حسنا...حسنا...قدري ان امون قاىد لجيوشك... انا ذاهب اليها سيدي،'
***********************************
وقفت الساحرة بوسط خيمة صلاح الدين و هي تمسك قارورة ماء بيدها، كانت قد تلت عليها بعض التعاويذ السحرية مسبقا لِتُسَهِلْ مهامها لرؤية المستقبل لبضعة ايام، اغمضت عينيها و ابتدأت تتمتم بصورة متكررة باللاتينية
Aperite Ianuam Temporis (1)
كررت الكلمات لفترة من الوقت ثم قالت لصلاح الدين و عمادالين 'ابتعدوا قليلا عني،' ابتعدا الرجلان و ابتدأت برش الماء بشكل دائري من حولها و هي تكمل ترداد الكلمات باللاتينية، فجأة تغيرت الأجواء داخل الخيمة، وجد الجمع نفسه بقلب معركة مهيبة يتصارع بها جنودهم مع الإفرنجة، كانت معركة شرسة حيث سمعوا بها صيحات القتال و صليل السيوف الجبار و صرخات الجنود و هي تذبح و تجرح من المعارك، فجأة رأى الجمع بعد برهة من الزمن الأفرنجة يتراجعون الى نواحي الساحل من ارض المعركة و فرسانهم يلحقون بهم، انتهت الرؤيا و غابت المشاهد من حولهم و عادت اجواء الخيمة الى سابق عهدها،
بلع ريقه عمادالدين و أبتدأت قطرات العرق بالظهور مجددا على جبينه، قال في ذاته و هو يرتجف بعض الشيئ 'اعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم هيا انصرف...ما هاذا الذي رايناه للتو يا سيدي؟'
اجابت سمية 'انا خدامي لا يخرجون عن طوعي و لا يؤذون احدا،' فجأة رشت بعض الماء من القارورة الى يسارها فرأتها واقفة بجانبها، لم يراها صلاح الدين و عمادالدين و لكن رأتها هي فقط، ابتسمت لصلاح الدين و قالت 'جعلتكم ترون بحسب ما منحتني اياه قواي من سلطان على رؤية الماضي و الحاضر و بعض من المستقبل، اما اكثر من هذا فلم يكتب لي ان اعطيكم، كل الدلائل تشير الى انتصار سيدي صلاح الدين بالمعركة،
اجابها و هو ثابت المقام امامها 'شكرا يا سمية، يمكنك الإنصراف،'
خرجت سمية و سارت بين الخيمات بالظلام قاصدة خيمتها التي كانت تبعد بعض الشيئ عن الخيمة الرئاسية، سارت ببطئ بين الجند الذين كانوا يسيرون بكثافة بالمخيم يُحَضِرونْ للرحيل الباكر حيث كانوا سينطلقون نحو المكان المتفق عليه للمعركة المرتقبة، سارت بخطى بطيئة بين المشاعل الكبيرة التي كانت تنتشر بأماكن مختلفة بالمخيم لإنارة طرقه للمارة، نظرت من حولها عن عَمدْ لتتأكد إن كانت تلحقها، فرأتها بوضوح و هي تراقب الرؤيا التي احدثتها للقائد في خيمته، لم تعرف من كانت و لكنها رأتها وسط نيران كاوية تطفو فوق الأرض فتيقنت على الفور انها من الجن الأحمر، كانت الجنية بالفعل طائرة فوق رمال المخيم تلحق بها فشعرت بأنها تتعمد تتبعها، و لكن ماذا كانت تريد منها؟ تَعَوًدَتْ ان تكون هي المبادرة لطلب خدام لها من نفس قوم تلك الجنية و لكن لآول مرة في تاريخها الطويل بالسحر تحاول جنية التقرب منها، فجأة اوقفت جندي كان يسير بخيله و سألته 'متى موعد تحرككم من المكان بالضبط؟ فاراكم تتجهزون للرحيل،'
اجابها 'سيدتي موعدنا الصباح الباكر قبل الفجر، سيتحرك المخيم بأكمله،'
شكرت سمية الجندي و أكملت مسيرها نحو خيمتها، فتحت مدخلها المصنوع من القماش و استدارت فجأة لتراها امامها، صرخت بها باللغة العربية 'ويحك ايتها التابعة، من انتِ و ماذا تفعلين بديارنا و بخيمتي؟'
انطفأت النيران عنها و هي تجيبها 'اسمي افروديت إلهة و معبودة الرومانيون قديما،'
فجأة شعرت سمية بهيبة قوية تجاهها، ابتسمت لها فحينما تلاشت النيران التي احاطت بها بان شكلها الإنسي بالكامل، كان مظهرها الخارجي جميل جدا و جذاب،
احنت لها رأسها قليلا احتراما لها ثم سألتها بفضول 'خدامي يشعرونني بهيبتك بين قومك، انتِ كان لكِ شأنك بايام روما العتيقة، كانت معابدهم تكرمك و تكرم جمالك لآلآف السنين و ارى الآن ان اسبابهم كانت وجيهة يا حسناء قومك، و لكن لماذا تخفين اسمك الحقيقي عني؟ و ماذا تستطيع ساحرة انسية مثلي تقديمه لمليكة بقومها،'
فجأة أشتعلت النيران من جديد و هاجت من حولها ألسنة لهب كبيرة جعلت سمية تعود الى الوراء من شدتها، انتشر الحَمْ من وهج نيران الجنية بصورة كبيرة و هي تقول بغضب 'اريد ان انتقم مِنْ مَنْ حرق قلبي، انتِ عندك ما قد ينفعني، انت ند لها،'
اجابت برهبة 'من هي هذه الإمرأة و ما شأني بحربك معها، اجوكِ يا سيدتي، لا اظنني امتلك سحر اقوى من سحركم، انتم ملوك السحر و انتم من تعطوننا قدراتنا، ارجوكِ، هل تتركيني بسلام،'
اكملت بغضب و النيران الكاوية تشتعل من حولها، ابتعدت سمية اكثر و ألْسِنَةُ اللهب تزداد حولها 'انت حرة لتقبلي او ترفضي، و لكن لرفضك ضريبة قاسية، مجريات المعركة التي اريتيها لسيدك صلاح الدين قد اغيرها، و قد اعمي أَعْيُنْ و دروب جنودكم بالمعركة و قد يخسرونها، انت ساحرة و لك خبرة طويلة بمجال السحر و تعلمين ان لرفضكم طاعتنا ضريبة و عقوبة قاسية، حينها سيدك صلاح الدين لن يرحمك لأنه سيعرف ان سحرك خائب و أنك خدعتيه و سينبذك بعيدا عن قومه!!! و او ربما يروق لكِ اكثر إن ضَمِنْتُ أَسْرُكِ على يداي الإفرنجة و انت تعلمين ما يفعلوه قوم الملك ريتشارد بالسحرة، الجلد حتى الموت او حرقكم و أنتم على قيد الحياة!!! انت حرة!!!'
ابتدأت الجنية بالتلاشي من امامها لتركع سمية و تصرخ صرخة مدوية ورائها 'انتظري!!! لا ترحلي!!! سأطيعك بما تطلبين!!!'
عادت ألسنة اللهب الى اوجها امامها، اكملت سمية و هي على ركبيتها 'سمعا و طاعة لمليكة الجان الأحمر، ما هي اوامرك،'...يتبع
******************************************************
1...كلمات باللاتينية تعني افتح يا باب الزمن،
بقلم فراس الور
وقفت الساحرة بمنتصف الكوخ الذي تسكنه تنظر الى نافذة من نوافذه العديدة، كانت اضاءة المشاعل تتراقص من حولها و تنير بعض من ارجاءه حينما سمعت اصوات جناحيها و هي تهتز بالهواء على مقربة من الكوخ، فعلمت انها على وصول، غطت يدها بوعاء كان مليئا بدماء بشرية كانت قد اخذتها من نزيف رحم الكساندرا، فَعِلَمَتْ انها بطقوسها القادمة ستحتاج اليها، رسمت دائرة كبيرة بالدماء بأصبع يدها ثم كتبت باللغة اللاتينية الجحيم، شعرت فجأة بالأرض من تحت تزداد سخونه بينما دخلت الحمامة من النافذة و حطت امامها على الأرض، أومأت لها فطارت و استقرت على يدها، اخذت الرسالة المربوطة من على ساقها و قرأت المكتوب عليها باللغة اللاتينية 'اريد ان اراكِ شخصيا لأوكافئك على معروفك،' ابتسمت الساحرة لمضمون الرسالة ثم اخذت ورقة صغيرة و حبرا و كتبت عليها 'بالغد قبل منتصف الليل عند اول النهر القريب من البلدة...عند مربط الخيول،'
لَفًتْ الرسالة و ربطتها بقدم الحمامة ثم اطلقتها صوب النافذة، فجأة شعرت بضجيج يصدر من باطن الأرض، اهتزت الأرض من تحتها بضعة مرات و كأن زلزال ضرب المنطقة، تحولت الأرض داخل الدائرة الى زجاج شفاف رأت من خلالها اربعة اشخاص و هم بالقرب من مزرعة على مشارف إليريا، رأتهم متأهبين ممسكين مقابض سيوفهم ينظرون من حولهم بحذر شديد، ابتسمت قليلا و قالت في سرها 'لن تنجوا مما دبرت لكم هذه الليلة...'، صرخت بأعلى صوتها 'يابن جهنم ارسل قائد جندك حالا...،' توقف الزلزال الذي دام قرابة دقيقة ثم إمتلأ الكوخ بالضباب الكثيف، فجأة سمعت وقع حوافر ضعيف متلاحقة تشبه حوافر عدة الخيول و كأنها تجري من بعيد، بعد برهة من الزمن ارتفعت و كأنها تقترب من الكوخ اكثر، انقشع الضباب لتتوقف صوت الحوفر و ليظهر ما اخفاه وراءه، وقف امامها يتأملها بقوامه العملاق و ارجله الأربعة، كان نصف إنسان من الأعلى بسواعد بشرية و نصف ثور بأربعة قوائم من الأسفل، كان يكسي جسده الفرو الكثيف و كان ذو وجه ثور كبير يبرز من جانبي رأسه قرنان طويلان، فتح فاه فبانت اطْقُمْ اسنانه الحادة و كأنه يتوعد قريسة ما امامه، تقدم اليها ليرتفع صوت حوافره من جديد، فقالت آمرة 'يا قائد جند ابن جهنم آمرك ان تقتل...تذبح...تقطع اوصال هاؤلاء البشر بالبوابة على الأرض امامك،' اخذت دماء بشرية من وعاء الدم بجانبها و رشتها عليه، اصدر زمجرة موحشة و عالية وهو يقول 'شرب الدماء البشرية تروق لنا كثيرا،' شعرت بأنفاسه و هو يتكلم تعصف بالكوخ من حولها و كأنها ريح قوية،
قالت آمرة 'أْخْبَروني خدامي من الجان اسمائهم...سولا...اميمة...آيون...كونراد...'
اجاب 'سمعا و طاعة سيدتي...سأتولى أمرهم...'
'اريد ان تسفك دمائهم امامي على الأرض،'
فجأة إلْتَفَتَ خلفه نحو الباب، ثم رفع يمينه و انزلها و كانه أمر بشيئ، فأبتدأت اصوات زحف تعلو رويدا رويدا خارج الكوخ، نظرت الساحرة بترقب لترى ما اعًدا قائد الجند، فإبتسمت ابتسامة عريضة حينما رأتهم يقتربون نحو الكوخ، كانوا اربعة احناش ضخمة جدا لم ترى مثيل لهم من قبل، نظرت الساحرة بشغف ممزوج مع سرور و هم يقتربون من باب الكوخ، كانت كل منها بطول عشرة امتار و كان سُمْكها كبير يكفي لإبتلاع إنسان كامل، تملكتها الرهبة قليلا من احجامها و لكنها رفعت يدها و قالت بصوت آمر 'الى الدائرة!'، ابتعدت بضعة خطوات بعيداً عن دربها و هي تدخل كوخها من الباب و النوافذ و تتجه نحو البوابة السحرية بكل انصياع، دخلت فيها الأحناش و اختفت بلمح البصر من شدة سرعتها، اقتربت الساحرة مرة آخرى من الدائرة و شاهدتها و هي تزحف بإتجاه الجمع الذين وقفوا بجانب خيولهم الأربعة بترقب لما سيحدث، فجأة قال لها قائد جند جهنم 'لن ينجوا منهم،'
******************************************
وقف الجمع يستمع الى اصوات الحفيف المريبة التي انتشرت من حولهم، كان صهيل خيولهم المربوطة بشجرة على مسافة منهم يرتفع من حين لآخر ليطغى على الحفيف و لكن سرعان ما كان يعود مع هدوء الخيل، تلبدت السماء من فوقهم فجأة بالغيوم لتنتشر عتمة مريبة و داكنة وليختفي ضوء القمر تماما، لم يكن بين ايديهم لإنارة المكان الا شعلة كونراد التي كانت تتراقص مع نسائم الجو التي كانت تنشط من حين لآخر،
فجأة خفق قلب اميمة بقوة، فاستطاعت تميز اكثر من حفيف على مسافة منهم، نادت بصوت منخفض و بحذر شديد 'سولا، سولا...'
اجابها بصوت منخفض 'ماذا هنالك؟'
تقدم كونراد بحذر نحو الشجرة التي كانت خيولهم مربوطة بجذعها، فشعر أن الضجيج يأتي من حولها، اصدرت خطواته طقطة خفيفة و هو يدوس الحشائش على الأرض فكانت النبتات و الخُضْرَة كثيفة نظرا لخصوبة التربة و المكان، راقبه أيون عن كثب بينما اجابت اميمة بصوت منخفض و لكن مسموع للجَمْع 'اظن ان ما يسير من حولنا ليس كائن واحد،'
اجاب كونراد 'اشعر بذلك، و انهم ضخام جدا...اشعر و كأنهم يزحفون على الأرض...'
قال بقلق آيون 'قلبي غير مطمئن،'
اكمل كونراد مسيره لبرهة من الوقت و توقف بجانب الشجرة الكبيرة، كانت شجرة لَوْز و كانت مثمرة تملئها الأوراق الخضراء، فجأة اجتاح كيانه موجة خوف عارمة و قوية، فشعر بأن ما كان حولهم شيئ موحش جدا، أكمل سيره نحو الأحصنة التي ابتدأ تراقُصَهَا يزيد و حرك المشعل بيده ببطئ من اليمين الى اليسار، فجأة سمع صوت فحيح عالٍ جدا، صرخ باعلى صوته 'انها افاعي...و افاعي كبيرة جدا...!!! اسحبوا سيوفكم!!!' استل الجميع سيفهم و راقبوا المكان من حولهم و استعدوا لهجومها، رأقب كونراد برعب ما كان يزحف صوب الشجرة منذ قليل، رأه يتحرك من على اغصان الشجرة بسرعة البرق بإتجاه الأحصنة، اهتزت الشجرة بعنف كبير رغم ضخامتها و هو يقذق نفسه بقوة صوب احد الأحصنة و يلتف حوله، صرخ للجمع 'سولاا!!! أيون!!!'
ركض الجمع اليه بهلع و الحنيش يكمل إلتفافه على خيل سولا، صرخ سولا 'بيغاسوس!!! صديقي!!!'
حاول الحصان مقاومة الحنش و سرعته و لكن من دون جدوى، فالتف بسرعة و ابتدا بخنقه ليقع بيغاسوس على الأرض بقبضته كالفأر المسكين، ارتفع صهيل الحصان بقوة و هو موجوع بينما استل سولا سيفه و حاول مهاجمة الحنش، رفع ساعده لينزل ضربة على رأسه الذي كان كبيرا جدا و لكن قذف الحنيش بوجهه ألسنة متتالية من النيران من فمه، صرخ سولا من هول الموقف و ابتعد الى الوراء بينما انتظر الجمع الفرصة المناسبة لمهاجمة الحنش، فجأة تحرك آخر نحو المعركة و انتصب على ذيله بوضع يشبه التنين، نظر الجمع الى الأعلى ليصدموا من ضخامته و طوله، انطلق من فمه سيلا من الألسنة النارية ليبتعد الجمع اكثر عنهم، صرخت اميمة و هي مصدومة من منظرها 'هل هذه تنانين صغيرة متوحشة ام حنائش؟!!! ماذا نواجه بالضبط يا رفاقي؟!!'
اجاب أيون بقلق بالغ 'هذه اساطير!!! لم اواجه مثلها!!! سمعت عنها بالاساطير فقط!!!'
اقتربت باقي الثلاثة أحناش و وقفت بجانب بعض مثل وقفة الحراس و اطلقت من أفواهها نيران لاسعة، شعر الجمع بحرارتها فابتعدوا بضعة خطوات الى الوراء و بيغاسوس يتلوى و يصرخ من قبضة الحنيش الرابع، فجأة اختلطت مشاعر سولا من العراك، فاجتاحته موجة غضب عارمة ممزوجة مع خوف كبير، فدخل بحالة هلع على حصانه و رمى سيفه بقوة بإتجاه التنين، فجرحه تحت عنقه و سالت دماءه لبضعة ثواني، ضعفت قبضته على الحصان فحاول بيغاسوس الوقوف، و لكن سرعان ما توقفت الدماء عن النزف و حاول مهاجمة الحصان من جديد، صرخت اميمة 'هذه لا تموت!!! فكروا معي بحل لها!!!'
صرخ كونراد'السنة اللهب لا تعطينا فرصة لمهاجمتها!!!'
اضاءت ألسنت النيران الخارجة من اوفواهها الطبيعة من حولهم من شدتها، اصابت احدا ألسنتها شجرة اللوز فإبتدأ ورقها بالإحتراق على الفور، فجأة هربت باقي الخيول من الخوف مما كان يحدث فإرتفع صهيلها مع اصوات حوافرها بقوة بالأجواء، وقف بيغاسوس بقوة على ساقيه الخلفية و حاول ركل الحنيش بساقيه الأمامية، اخرج الحنيش لسان لهب بإتجاهه فصهل الخيل بقوة من وجع الإحتراق، و لكنه اصاب الحنش برأسه و دفعه الى الخلف، تلوى الحنيش من ضربة الخيل و مكث لبضعة ثواني من دون حراك، و لكن سرعان ما نهض و تقدم نحو الجمع بمحاولة لمهاجمتهم، رفع أيون سيفه و حاول قطع عنقه و لكنه قذف النيران عليه مما جعله يعود الى الوراء و يصرخ من حمم النيران، تفقد أيون ذاته ليرى إن لسعته النيران فتنفس الصعداء لشعوره بأنه لايزال سليم، فجأة تبادر الى ذهن اميمة فكرة شعرت انها قد تنجح بقلب ميزان المعركة مع هذه الوحوش الهائجة، ركضت صوب سولا الذي بات من دون سلاح و فريسة سهلة لأي هجوم قاتل و قفزت بالهواء تجاه الحنيش، حاولت قطع جسده الى نصفين و لكنه ابتعد عنها بلمح البصر من دون ان تتمكن منه، صرخ أيون 'اميمة ماذا تفعلي! هل فقدتِ صوابكِ؟!'
قالت له و هي تجري صوب باقي الأحناش 'هل هنالك بحيرة ماء من حولنا؟' فذف احدا الأحناش النيران صوبها و لكنها ركضت بسرعة بعيدا عنه فاحترقت بعض المزروعات على الأرض حولها من دون ان يصيبها الأذى، اجاب كونراد و هو يحاول مهاجمة احداها بسيفه 'هنالك بحيرة للري بالقرب من المزرعة،'
قذف حنيش من الاحناش لسان لهب على كونراد و لكنه لم يفلح بإصابت الا بعض الشعر في ساعديه، فأبتعد قبل ان تصله النيران بخفية تامة، صرخ من الخوف من حم اللهب و هو يتفقد ساعديه، انتشرت بالأجواء حوله رأئحة شعر محروق، نفض ساعديه قليلا و عاد الى الوراء قائلا 'لماذا تسألي عن البركة؟'، صرخ آيون فجأة 'فهمت، فهمت ما تريد اميمة،'
فجأة نظر الجمع برهبة الى الاربعة احناش و هي تقترب من بعض، التصفت اجسادها ببعض لِتُكَوِنْ حنيش ضخم كان جسده اشبه بتنينن كبير، بقيت رؤسها الأربع منفصلة و لكن بلمح البصر و كأنه سحر ساحر أصبح نصف جسدها ملتصق ببعض، أطلقت زمجرة موحشة بالمنطقة جعلت الجمع يرتجف من شراستها، صرخ كونراد 'هذا لا يعجبني إطلاقا!!!'
اجاب ايون 'اين تلك البحيرة، آمل ان تنجح خطتك يا أميمة!!!'
فجأة انطلقت من جنبي الوحش اجنحة طويلة و اطلقت ألسنت نارية أحرقت كل المرزوعات من حولهم،
صرخ سولا 'سيطير خلفنا، هي بنا!!!'
ركض الجمع بسرعة وراء كونراد الذي قادهم صوب بحيرة مياه اصطناعية صنعها بعض المعمارين لتروي المزارع على مشارف الإمارة، نظر أيون و اميمة ورائهم ليروا التنين و لكن لم يستطيعوا رؤيته، فجأة سمعا صوته الموحش و هو يطير فوقهم بسرعة جنونية، اطلق نيران صوبهم و لكنهم ابتعدوا عن دربها لتصيب كروم عنب كانت داخل مزرعة قريبة منهم، هاجت النيران بشراسة بكروم العنب ليصرخ أيون للجمع 'هيا بسرعة قبل ان نصبح طعام مشوي لها!!! انها سريعة جدا!!!'
سمع الجمع اصوات ناس خرجت على الصراخ و المعارك على مسافة منهم، اطلقوا صرخات تَعَجُبْ على رؤيتهم للتنين و هو يحلق فوق اراضيهم، فعاد بعضهم الى الداخل بينما وقف آخرون يراقبوا ما كان يجري عن بعد، انطفأ المشعل بيد كونراد من سرعة الجري و خيم ظلام دامس حولهم لبرهة من الزمن، و لكن انقشعت الغيوم فجأة من فوقهم لينير القمر المكان بصورة كافية ليروا الطريق امامهم، صرخ كونراد ها اقتربنا!!!' قالت اميمة للجمع 'اغطسوا داخل البركة فسيلحق بنا التنين!!! الماء سيطفئ قدرتها على قذف النيران!!!' وصل الجمع الى البركة الكبيرة و قفزوا بداخلها ليسببوا أرتجاج كبير بالبحيرة، فجأة انتشرت من حولهم امواج عاتية و كبيرو فشعروا ان التنين لحق بهم، غاصت اميمة الى اعماقها ثم سبحت نحو السطح و بحثت عن رفاقها، وجدتهم على مقربة منها عائمون على وجه المياه، صرخت لهم 'فالنخرج، بسرعة!!!'
إلْتَفَتَ الجمع الى ضجيجٍ عالٍ و امواج عالية بالبحيرة فرأوا التنين يتخبط محاولاً الخروج من مياهها العميقة، سبح الجمع الى الخارج و نظروا اليه و هو يعوم بالماء بحثا عنهم، أَلْقَتْ اميمة من خارج البركة بضعة احجار لتلفت انتباههم اليها، فجأة بسرعة البرق لحقت بهم الحنائش الى خارجها و انتصبت لتحاول قذف نيرانها و لكن من دون جدوى، امسك كل من اميمة و ايون و كونراد سيوفهم و قذفوها بقوة نحو اعناق ثلاثة من الأحناش فاخترقتها بسهولة كبيرة، تَلَوًتْ الأحناش من آلم السيوف و اطلقت صرخات موحشة زلزلت المكان، وقعت على الأرض و هي تنزف بغزارة شديدة، انتفضت بقوة و هي تصارع الموت ثم مكثت ثلاثة منها من دون حراك، بقية رأس رابع على قيد الحياة ينظر اليهم بنظرات موحشة، كانت عينيه تشع غضبا و هو ينظر اليهم، استل سولا خنجرا من شدة غضبه على ما كان يحصل و سار نحوه ببطئ شديد، صرخة له اميمية 'سولا لا تفعل، سيموت بمفرده فنزيف باقي التنانين ستقتله ولو بعد حين،
صرخ سولا بمرارة و الدموع بعينيه 'حاولوا قتل بيغاسوس و حرقوه، لا اعلم اذا كان لا يزال على قيد الحياة، كان هدية من سيدي إليريون فلم يبخل علي به...' اقترب سولا اكثر و اكثر من التنين الذي كان يحرك رقبته بعنف شديد، حرك رقبته الى الأمام و حاول غرس انيابه الحادة بجسده و لكن كان سولا لا يزال على مسافة آمنة منه، صَوًبَ خنجره الحاد و قذفه صوب عين من عينيه فانغرز بها، هاج التنين بشراسة و اطلق صرخة من شدة ألمه، امتلأت الأجواء من صوته لبرهة من الزمن ثم مكث من دون حراك كباقي التنانين،
************************************************************************
ضربة الساحرة كفاً بكف على خيبة الأمل التي اصابتها من موت الأحناش، لم تصدق بسالة و قوة الأربعة جنود و هم يحاربون الأحناش فكادت ان تتخلص منهم لتنفذ رغبتها بالإنتقام من قصر إليريون، نظرت بِتَمَعُنْ الى الدائرة السحرية بأرض كوخها و الاربعة يتحاورون و يتلذذون بالنصر الذي حققوه للتو، كان الإرهاق باديا عليهم و كانوا يلهثون من التعب، لكن ارتسمت على وجوههم علامات انتصار اشعرتها بالقهر و الغيظ على فشلها الكبير، فقالت في ذاتها متوعدة 'هذه حرب و هنالك عدة معارك، فإذا خسرت معركة لا يعني انني سأخسر الحرب،' مسحة يدها فوق الدائرة فاختفت و كأنها لم تكن،
وقفت من على الأرض و سارت نحو مرآة في صالة كوخها الصغير، نظرت الى ذاتها لتتفقد اناقتها إن كانت جاهزة لقدومه، كان يحب جمالها جدا لذلك كانت دائما حريصة على ان تكون بقمة زينتها وقت لقاءه، أَرْخَتْ شعرها الذي كان مربوطاً فوق رأسها فنزل كأمواج شلال حول كتفيها، ابتسمت حينما رأت وجهها الذي اشرق لمعان بفضل مساحيق لترتطيب البشرة كانوا خدامها يأتون اليها بها من محلات مشهورة في باريس، فتحت العلبة التي كانت امامها على منضدة و اخذت بعضها و دهنت وجهها، ابتسمت حينما قرأت إسم شانتال باريس عليها و تاريخ الإنتهاء حيث كان فبراير 2025، كانت تُعَدْ خصيصا للطبقات المقتدرة في تلك العصور التي يزداد بها العلم كثيرا، اخذت قارورة من خلاصة ناردين الملوك و مسحت رقبتها فكان يحب تقبيل رقبتها كثيرا، كانت في ريعان شباب لن يذبل سريعاً بفضل عنايتها بجمالها، كانت ذات بشرة بيضاء و عينان عسليتان شكلهما كعيناي المها، كانت ممشوقة القوام ذات خصر رشيق و جسد رقيق و ناعم و شعر طويل غزير يصل الى منتصف ظهرها، نظرت الى السماء و شعرت بقربه...بل كادت ان تشعر بدقات قلبه و كأنه بالغرفة معها، ذهبت الى خزانة ثيابها بغرفة نومها و خلعت ردائها و ارتدت رداءا احمر كان يحب ان يراها فيه، عادت الى الصالة و وقفت امام المرآة و لكنها اطلقت صرخة حينما رأت قرونه من خلفها، فجأة استدارت لتراه امامها، شعر بخوفها فَتَحَوًلَ بثانية من الزمن من شكله الحيواني الى رجل انسي بالكامل، قال 'أأخفتك؟'
اجابت و هي تبلع ريقها 'قليلا، فتعودت ان تظهر لي كإنسان دائما،'
اقترب منها و هو يتفحص إطلالتها قائلا 'ألم تتعودي علي؟ ألم يحن الوقت يا ياقوت؟'
حاولت رسم إبتسامة رغم قلبها الذي كام يخفق بقوة من رهبة الموقف 'انا انتظر لحظات قدومك بفارغ الصبر يا حبيبي،'
كان الرجل طويل القامة ذو بشرة بيضاء و شعر اشقر طويل يصل لغاية كتفيه، كان عريض المنكبين مفتول العضلات ذو جسد رياضي و ذو وجه وسيم جعلت عينين ياقوت تبرق اعجابا به، كان يرتدي رداءا ابيض طويل كأردية الرومان القديمة، اقترب منها و امسك شعرها الذي كان منسدل حول كتفيها و خصرها بيديه قائلا 'منذ مدة و لم اشعر بدفىء جسدك في حضني،'
قالت بنبرة هادئة و لكن معاتبة 'انا لم احرمك من نفسي، و لكن جليسات سيدي أمير الجان الأحمر كثيرات،'
نظر اليها بنظرات راغبة قائلا 'والدي يريد ان يزوجني باكرا، فلم يَمُرْ على عمري مئتي عام فقط و هو عازم على تزويجي، و لكنه غير راضٍ لانني اشتهيت إنسية،'
أَرْخَتْ رباط ثوبها من على كتفيها فسقط ثوبها الى النصف كاشفاً جسدها من الأعلى، أكمل و هو يسير ببطئ حولها يتفحص جمالها 'حتى لو خَضَعْتُ لرغبته و تزوجت تاره ابنة عمي كما يريد، ستبقي انتِ في قلبي، اريدك على الدوام فأنت تعجيبينني اكثر منها،'
ألهبت عيناه الراغبة ياقوت لدرجة الجنون، فكان وسيما جدا في عينيها لدرجة انها نسيت مَظْهَرَهُ الحقيقي و الموحش كجَانْ، حاول ضمها و لكنها ابتعدت عنه و سارت بقوامها الرشيق كالغزال الشارد بالبراري محاولةً اغوائه بِعُرْيُهَا، قالت بثقة 'و إن قَبِلْت ان تدخل علي و انت متزوج من آخرى، فلي مهر اريده منك، انت تعلم طبعنا كإنسيات جيدا، نحن لا نحب ان ندخل بأي زواج على ضَرًه،'
اقترب منها امير الجان و الرغبة تَمْتَحِنْ صبره، إبتسم و قال لها 'اطلبي ما تريدين، فمنذ ان بعتي نفسك لنا و انت تأمرين و انا انفذ، ما هو مهرك؟' نظرت الى ظل الثور الذي كان يرافقه و الذي تراقص مع السنة نيران الشعلات بالكوخ، عاد الى ذهنها مظهره الحيواني اول ما دخل كوخها و لكنها حاولت نسيات ما جرى، فتمالكت اعصابها و قالت بثقة 'اريد ان تتحطم إليريا، اريد ان اسحقها لأنتقم من اميرها،'
سار فجأة الأمير اليها بخطوات سريعة و ضمها اليه، شعرت بحرارة جسده و يديه تسرح على ظهرها و توقظ رغبات جامحة في ذاتها، كان وسيما جدا و امير لمملكة قد تعطيها نفوذ سَحَرَةٍ كبار، فقال لها مترجيا 'لك ما تريدين، و لكن هل قبلتِ عرضي بالزواج بي؟ ارجوكِ، اريدك الليلة قبل الغد!'
*****************************************************
نظرت تارة من امام الكوخ بغضب شديد الى اميرها و حبيبها و هو يضم ياقوت اليه بكل حنو، شعرت بنار الغيرة تكوي قلبها بسياط لا ترحم و هي تشاهده كالطفل المسكين يستسلم لِعُرْيُهَا و جمالها و يرقد بين يديها، لم تكن في قرارة نفسها تعلم ما ايقظ نار هذه الغيرة اكثر في قلبها، جمال ياقوت كإنسية أم شعورها بأنها قد تخسر اميرها الى الأبد لهذه الإنسية التي استطاعت بكل خبث و جبروت ان تتملك قلبه، كانت تارة جميلة جميلات قومها فكان شكلها الإنسي جذاب جدا، كانت طويلة القوام ذات بشرة سمراء و شعر اصفر طويل ناعم يصل لغاية اسفل خصرها، كانت عينيها البنفسجية براقة تشبه عيني المها و تبرق لمعانا و اناقة كالأحجار الكريمة، كان وجهها بريئ و ناعم المعالم لدرجة انها كانت تروق للرجال من جنسها من الجان من النظرة الأولى، كانت الغيرة تأكلها و هي ترى ياقوت بين يدي بركان لدرجة ان دمائها البنفسجية سالت من شفاهها الزرقاء و هي تعضدها بأسنانها، فجأة شعرت برغبة جامحة بمداهمة الكوخ لتصرخ بوجه خطيبها لكي يبتعد عن ياقوت قبل ان يعاشرها، و لكنها انتظرت و حاولت تمالك اعصابها، فبركان ما سمح لها يوما بتخطي حدودها معه كأمير و التدخل بأمر جليساته، كانت تعلم ان بركان مزواجا و رغم ذلك قبلت بأطباعه طمعا بحبه و طمعا بمملكة الجان لكي تصبح هي مليكتها بعد ان يتوفى والده و يرث ملكه، و لكن ها هي قد تخسر كل شيئ بلحظة بسبب إنْسِيًة حقيرة علمت كيف تتودد لبركان سَيِدْ من اسياد الجان الأحمر، قالت في ذاتها 'يا وقاحتكِ يا ياقوت، اتتجرئي من حبيبي، لا بد انك إمرأة كاسرة بسحرك و نواياكِ فعلمت كيف توقعي من سيحقق لكِ احلامكِ السوداء كساحرة، و لكنني سأعلم كيف سأحطمكِ و آخذ بركان منكِ مرة ثانية،'
******************************************************
قالت ياقوت بثقة كبيرة و هي بين يديه 'اريدك ان تَعِدْني بأن قُوًتِيْ ستزداد لأكمل انتقامي من إليريون،'
قال و يداه تداعب خصل شعرها الناعمة 'سأعطيك راس إليريون على طبق من ذهب...و لكن...'
اجابت 'لا بد انك على علم بوجودهم...'
ابعدها لبرهة عنه و نظر اليها قائلا 'اشعر بإيمانهم، الصليب مع القرآن...اشعر بوجود الله بإليريا،'
اجابت مطمئنة 'لكل امر حله، فهم بشر ضعفاء امامنا، و هم اثنين فقط بين آلآف من قوم يعبدونكم انتم و خدامكم كآلهة لهم،'
اجاب بركان 'قوتي تنقص بوجود ايمانهم، إليريا من دون الصليب و القرآن لقمة سهلة لي،'
'و لكن هذا يعتمد على كم هم مؤمنون يا بركان...' اكملت متوعدة 'لن ادع اي انسي يقف دون ان اتمم انتقامي، سأقتلهم، فإيلريا بعيدة عن ايمانهم، ماذا سيفعل ايمان شخصين فقط بوسط مجتمع وثني غير مؤمن...أنت لم ترى كم إليريون اذلني حينما امر بجلدي امام قومه،'
اقترب منها من جديد و قال مواسيا 'سأفعل ما بوسعي لتنتقمي منه، اعدك، و لكن لنكمل الحديث في ما بعد، قلت لكِ سأمنحك ما تريدين من قوة...و لكن لا اضمن لكِ شيئ و لا اضمن نجاح مخططك، فمملكة الأديان السماوية تضعف قوتنا جدا بعالم البشر، كان لنا سلطان خارج المملكة اليهودية فكان العالم مرتعنا قبل و بعد طوفان نوح رجل الله، و لكن مع ازدياد ملكوت الله على الأرض و مع انتشار المسيحية و الإسلام بعدها بالعالم تم تحجيم قوتنا، لا نستطيع العبور الى العالم الإنسي الا بدعوة من سحرة امثالك...' نظر اليها من جديد و عينيها تبرق لمعانا و جمالا و اكمل 'نحن ضعفاء من دون خدام لنا امثالك يجعلوننا نعبر الى العالم الإنسي، اريد جمالك الليلة كي تكوني لنا الى الأبد...'
خلعت ثوبها بالكامل و قالت 'و انا ملكك الليلة،'
********************************
قَبًلَ بركان ياقوت بقبلات حارة فاشتد غضب تاره، فجأة فقدت السيطرة على اعصابها لدرجة انها لم تشعر بنفسها و هي تسير بغضب عارم نحو الكوخ، اقتحمت المكان كالعاصفة و هي تصرخ 'أَلَحْمُ الإنسيين يعجبك اكثر من بنات قومك يا سمو الأمير!'
إلْتَفَتَ نحوها بصدمة عنيفة من كلماتها و قال بغضب 'و كيف تجرؤين على اقتحام خلوتي مع جليسة لي؟'
تسترت ياقوت امام تارة، ربطت ثوبها لتتفاجئ بإشرة من يدي تارة، فانطلقت من يدها كرة كبيرة من نار ملتهبة و لكن صدتها ياقوت بيديها، فتبخرت مع الهواء لتصرخ تارة من الصدمة 'كيف!!! متى!!!! كيف حدث هذا؟!!! لماذا لم تحترقي؟!!!'
صرخ بركان بغضب 'تارة عودي من حيث اتيتي!!! و سنتكلم لاحقا!!!'
قالت ياقوت بمحاولة لزيادة غيظ تارة 'ألم يخبرك بركان؟!َ!!'
أجابت بغصة حزن شديدة 'و تقولي اسمه هكذا من دون ألقاب!!!'
'هذه ليست اول مرة يعاشرني حبيبك!!!'
صرخ بركان بغضب ليشتعل جسده كله بالنار و هو يأمر 'ياقوت اصمتي!!! و انت تارة عودي الي عالمنا، و سنتكلم لاحقا!!!'
قالت و نيران التَوَعُدْ تشتعل في عينيها و تشع من وجهها 'حتى لو معاشرتك لسيدي بركان حَوًلَتْ جبلتك الإنسانية الوضيعة الى جبلة جان...لن تكوني واحدة من قومنا!!! افهمتي يا قحبة البشر!!!' اقتربت منها فشعرت ياقوت بِحَمْ جبلتها النارية على جلدها، صفعتها ياقوت صفعة جعلتها تصرخ من الألم، نظرت اليها تارة بصدمة عنيفة و الدموع تسيل من عينيها لبرهة من الزمن، قالت ياقوت 'تكلمي معي بأدب، فحينما تكلمي زوجة اميركم التزمي ادبك!َ!!،' حاولت تارة اخفاء صدمتها مما فعلته ياقوت و لكنها لم تستطع، فصرخت ببركان فجاة 'زوجة اميركم؟!!!'
التزم بركان الصمت و هو ينظر الى تارة فَرًبِطَ لسانه امام مواجهة كان يعلم انها ستحدث عاجلا ام آجلا، و لكن لم يكن ليتمنى ان تكون بهذه الحِدًة، صرخت تارة بوجه بركان 'هل هي زوجتك؟!!! هل ستختار هذه الإنسية عِوَضْ عن ابنة عمك؟ و انا...يا سمو الامير...انا ما هو مكاني بحياتك؟!!!'
صرخ بركان بوجه تارة 'قلت لك عودي الى ديارك و سنتكلم لاحقا، انت تعلمي انك لست الوحيدة بحاتي من اول العلاقة يا تاره، انا لم اخفي عنكِ شيئ،'
كانت تعلم تاره بقرارة نفسها انه لطالما كان بركان بصف ياقوت فلن تقوى عليها، و لكن سرعان ما استجمعت قُوًتُها و أكملت بغضب لياقوت 'لن اترك لك بركان و سادعك تتذوقين المُرْ لما فعلتِ!!! ثقي يا ياقوت انني سارد لكِ صفعتك مئة ضعف، اعلم كيف سأقتلك و اجعلك تتلوعين من الآلآم و انت تموتين!!!'
نظرت ياقوت الى عيناي تارة و اجابت بكل ثقة غير مكترثة الى توعدها 'لن تستطيعي فعل شيئا معي!!! و أنا واحدة منكم قبلتِ ام لا!!! انت و قوتك لا تؤذيني!!!'
انحنت امامها تارة بسخرية تامة و اجابتها بنبرة جافة 'سنرى يا سمو الأميرة، فلن أخسر الحرب معكِ،'
فجأة هبة بالمنزل كرة نار كبيرة ثم اختفت تارة تاركة بركان و ياقوت بمفردهما، قال بركان 'هيا لنكمل ليلتنا مع بعض فستتقبل الأمر عاجلا ام آجلا،' انقبض قلب ياقوت و هي تسير مع بركان الى غرفة نومها، فبالرغم من ان تارة جان من النار الا انها بالنهاية إمرأة من قومها مشتعلة بنار الغيرة و ستفعل المستحيل لتنتقم منها و لتمنع مخططها بإليريا، كانت تعلم انها ستضايقها جدا، و لكن الذي كان يطمئها انه بعد الليلة ستتغير اشياء كثيرة لصالحها،
*********************************************
وقف صلاح الدين الايوبي بوسط خيمته الرئاسية بمعسكره الضخم يفكر بعمق بشتى السيناريوهات لما قد يواجهه بالمسقبل القريب، كان معسكرهم على مقربة من السواحل الفلسطينية و كان مُشَيًدْ على سلسلة من التلال حيث ضم آلآف الخيمات التي كانت تأوي اربعة و عشرين ألف جندي جاهزين للقتال، كان رد رسول ريتشارد قلب الأسد على رسالته مقلق للغاية، فكان برفقة قائد جيشه عماد الدين الشامي يتفحص المخطوط الذي وصل مع رسول من رُسُلِ جيوش الأفرنجة التي ملأت الساحل الفسلطيني منذ اربعة ايام استعدادا للمعركة الحاسمة على القدس، أمر الناصر صلاح الدين ان يعود الرسول سالماً معافاً الى بلاده بعد ان يزود بالطعام و الشراب لرحلته، فعامل رسول ريتشارد كما عامل ريتشارد رسوله حينما عاد الى المُخَيًمْ سالما، فحينما قرأ ريتشارد خطاب صلاح الدين طلب مهلة يومين للتفكير قبل ان يجيبه حيث كان جوابه سيحدد مجريات المعركة التي كانت ستحصل،
استغرب صلاح الدين من طبيعة الرد الذي أتاه، و استغرب اكثر من احترام ريتشارد لرسوله، حيث تبين ان اخلاق هذا القائد كانت غير اخلاق من كان قبله من ملوك اتوا على رأس حملات كبيرة غزوا و قتلوا و فعلوا الأمَرًيَنْ بابناء قومه من الآمنين على السواحل الفلسطينية و بمناطق عدة من امبراطوريته، كان صلاح الدين رجل طويل القامة مفتول العضلات عريض المنكبين ذو بشرة حنطية و شعر قصير، كان يمتلك وجه يشبه القلب فكان ودود المعالم ذو عينين عسليتين و إطلالة انيقة شابة، نظر الى وجه قائد قواته الذي كان يشع غضبا و سخطا، كان عمادالدين لا يقل ضخامة و قوة عنه فكان رجل حرب من الطراز الرفيع، ارتفعت بالخلفية اصوات إلتحام سيوف و صرخات للجند و هم يتدربون على القتال فكانت الإستعدادات على قدم و ساق للمعركة الأتية، سـأل قائد قواته و هو محتد على صنيع رئيسه 'يا سيدي ما حاجتنا اساسا لأرسال مندوب لهم برسالة، اكثر من تحديد موقعة و موعد للنزال ليس بيننا و بينهم اي امر آخر، ثم ان طلائع جنودنا اخبرتنا انه يبدو ان قواتهم اقل عددا من قواتنا، يعني المعركة محسومة لنا،'
نظر اليه صلاح الدين بقلق و قال 'مصير المعركة ليس ما يقلقني، فهذا نزال و حرب قد نربحها و قد نخسرها، هذا سَيُحْسَمْ بالغد و إن الغد لناظره قريب،'
اجاب رئيس الجيش بنبرة مُلِحَةُ 'هل حددتم وقت المعركة؟ قل لي،'
'هم من حددوا التوقيت برسالتهم،'
'ما يقلق سيدي اذا؟ الا إن تضمنت الرسالة على اكثر من تحديد التوقيت،'
قال مجادلا 'فعلت ما يمليه علي ضميري، و طلبت انسحابهم لتبقى القدس في عهدتنا، انت تعلم جيدا ان معاركنا معهم غير محسومة لغاية هذه اللحظة، فخسرنا ما خسرناه و ربحنا ما ربحناه من اراضي متنازع عليها بالماضي، و لكن طلبت انسحابهم من المعركة حقناً لدماء جنودهم و جنودنا،'
تغيرت تعابير وجه عمادالين و اصبحت اقل حدة، ففجأة عَلِمَ ما كان يجول بخاطر سيده، سأل 'و ماذا اتاك بالرد؟'
ضرب صلاح الدين كف بكف و قال 'انت لا تعلم ريتشارد، انه رجل حرب و قائد معارك كبيرفي بلاده، فكمية الإنتصارات التي حققها لإنجلترا كبيرة جدا، هذه الأخبار التي أتتني عنه، انه رجل و قائد لجيوش بلده منذ ان كان بالسادسة عشر من عمره و له خبرة ضخمة بقيادة المعارك، و ما خسر معركة لغاية هذه اللحظة، المشكلة ليست بقلة عدد جنودهم، فربما كان هنالك حليف تخلى عنهم، او تأخر وصول قوات كانت ستساندهم بهذه المعركة...لا أعلم...انت تعرف السفر البري و البحري و مخاطره و خفاياه...،' سار لبضعة خطوات امام عمادالدين و كأنه يفكر بأمر ما، ثم انفجر غضبا و صرخ 'و لكنه مجنون!!! مجنون!!! أُحدثه عن حقن دماء البشر، فيحدثني بعزمه على خوض هذه المعركة!!! الى متى ستبقى بلادنا غارقة بدماء ابناؤنا و ابنائهم!!! الى متى يا عمادالين!!!'
قال بمحاولة لتهدئة سيده 'انت فعلت ما كان عليك فعله، فهو من اختار النزال، أعدك بأننا سنكون على اهبة الإستعداد، فنحن ايضا من شِيَمُنَا ان لا نستخف بأعداؤنا، فهذه غلطة ما ارتكبتها يوما كقائد لجنودي، انت حتى خَيًرْتَ المسيحيون في جيوشنا من الإنسحاب من هذه المعركة و العودة الى ديارهم آمنين كي لا يقتلوا اشقائهم من دينهم من الأفرنجة، و قَبِلْتَ قرارهم حين ابلغونا برغبتهم بالبقاء في صفوف جيشنا لخوض المعركة، تممت ما عليك على اكمل وجه، '
نظر الى وجه عمادالدين و اكمل بنبرة قلقة 'لم اكن يوما رجلا ظالما و لن اكون غير عادل مع قومي و رعايانا، مسيحيوا الشرق هم اشقاؤنا و ها اختاروا العيش معنا على الحُلْوَةِ و المُرًةِ، لن تخذلنا كنائسهم و لن يخذلونا باي مقصد نقصدهم به، و لكن ريتشارد...' صمت قليلا و عاد ليسير بخطوات امام عمادالدين و هو يفكر بعمق ثم أكمل 'عدم انسحابه بالرغم من عدم تكافئ عدد جيشه مع جيشنا قد يعني لي كقائد عسكري احتمالا آخر ايضا، أنه اتى لبلادنا بصفوة جنودهم و بواسلهم، لا بد انهم أرسلوا من يستكشف امر معسكرنا و قدروا اعدادنا، ريتشارد ليس غبيا كي يدخل بمعركة لم يحسب نتائجها جيدا، يا عمادالدين لا تستخف بهذا القائد، فيجب ان لا نلغي الإحتمال انه خرج علينا بصفوة رجاله، لذلك حَدًدَ موعدا للنزال و لم ينسحب من سواحلنا،'
اجاب عمادالدين مطمئنا 'اعدك سيدي ان لا نستخف بجيوش هذا الرجل و ان نكون على أهبة الإستعداد،'
قال محذرا 'نحن امام جيوش منظمة أكثر من اي وقت مضى، هذا الرجل ليس لقمة سهلة، يجب ان نكسب هذه المعركة لنحدد امر و مصير بلادنا، اذهب و جهز المعسكر للسفر باكرا، امامنا يومين من السفر لبلوغ حطين للنزال،'
ذهب عمالدين و بقي صلاح الدين بمفرده في خيمته، فكر كثيرا برسالة ريتشارد له، فتح المخطوط من جديد و قرأه 'الى القائد صلاح الدين الأيوبي، وصلني عرضكم مشكورا، و قررت ان اختار مسار المعارك بيننا، فما قطعنا كل هذه المسافة من ديارنا لكي نتراجع بتاتا عن هدفنا، و هو تحرير القدس و عودتها الى حكم المملكة الرومانية المقدسة، كلانا قائدان لجيوش و حروب و نفهم انه بالرغم من قساوة الحروب الا ان نتيجتها ستريح الطرفين من نزاع دام لعقود طويلة بيننا، بل سُفِكَتْ دماء ابناءنا طويلا بسببه، فحان الوقت ليحسم بهذه المعركة، فالندع المعركة التي ارى ان تكون بعد يومين بالمكان الذي طلبته لتحدد مصير القدس بيننا، فانا على ثقة انك ستتقبل نتائجها مهما كانت مثلما سأتقبل نتائجها، و هذا وعد من قائد لقائد،'
اغمض صلاح الدين عينيه لبرهة من الزمن، فكان بقرارة نفسه يتمنى ان يتفادى هذه الحرب، و لكن خصمه عنيد و قد اختار، ضرب تحية لكلام ريتشارد بالمخطوط و قال في ذاته 'اعدك ان اكون ندأً لتاريخك العسكري العظيم يا قلب الاسد، فلو لم تكن كذلك لما خرجت علي بجيش قوامه نصف جيشي، بل فررت من امام جيوشنا الجرارة كالجبان، و اعدك كقائد انني سأتقبل نتيجتها مهما كانت،'
خرج من خيمته و نادى على عمادالدين، ارتفعت بالأجواء اصوات و ضجيج و إلتحام سيوف الجنود بكثافة و هي تتدرب على النزال، اتاه على وجه السرعة قائلا 'ما هي اوامر سيدي،'
'اريد سمية ان تأتي الى خيمتي،'
قال بتردد 'و ما حاجتنا الى عرافة...اعوذوا بالله من ذكر اسمها؟'
اجاب و صبره يكاد ينفذ منه 'عمادالدين ليس عندي احتمال لشيئ بهذه الأوقات، لا تكثر من الاسئلة، قل لها ان تأتيني على وجه السرعة، نفذ اوامري، هيا!!!'
قال بحذر 'سيدي اتسمح لي بسؤال آخر؟'
اجاب بمحاولة لإمتصاص قلق صديقه 'تفضل...اتحفنا بسؤالك،'
'هل ترسل آخر ليجلبها، استعوذ بالله ألف مرة و انا امر بجانب خيمتها...'
ضرب جبينه بيده و قال بصدمة 'واه مصيبتاه!!! قائد جنودي عماد الدين...اسد البراري و الوديان...يخاف من عرافة....كيف سأسلمك معركتنا مع الإفرنجة إذ انك تخاف من حرمة...'
اجاب و جبينه قد اكتسا بعرق التوتر 'انا لا احاف منها، و لكن اخاف من اصدقاء لها لا اراهم...حسنا...حسنا...قدري ان امون قاىد لجيوشك... انا ذاهب اليها سيدي،'
***********************************
وقفت الساحرة بوسط خيمة صلاح الدين و هي تمسك قارورة ماء بيدها، كانت قد تلت عليها بعض التعاويذ السحرية مسبقا لِتُسَهِلْ مهامها لرؤية المستقبل لبضعة ايام، اغمضت عينيها و ابتدأت تتمتم بصورة متكررة باللاتينية
Aperite Ianuam Temporis (1)
كررت الكلمات لفترة من الوقت ثم قالت لصلاح الدين و عمادالين 'ابتعدوا قليلا عني،' ابتعدا الرجلان و ابتدأت برش الماء بشكل دائري من حولها و هي تكمل ترداد الكلمات باللاتينية، فجأة تغيرت الأجواء داخل الخيمة، وجد الجمع نفسه بقلب معركة مهيبة يتصارع بها جنودهم مع الإفرنجة، كانت معركة شرسة حيث سمعوا بها صيحات القتال و صليل السيوف الجبار و صرخات الجنود و هي تذبح و تجرح من المعارك، فجأة رأى الجمع بعد برهة من الزمن الأفرنجة يتراجعون الى نواحي الساحل من ارض المعركة و فرسانهم يلحقون بهم، انتهت الرؤيا و غابت المشاهد من حولهم و عادت اجواء الخيمة الى سابق عهدها،
بلع ريقه عمادالدين و أبتدأت قطرات العرق بالظهور مجددا على جبينه، قال في ذاته و هو يرتجف بعض الشيئ 'اعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم هيا انصرف...ما هاذا الذي رايناه للتو يا سيدي؟'
اجابت سمية 'انا خدامي لا يخرجون عن طوعي و لا يؤذون احدا،' فجأة رشت بعض الماء من القارورة الى يسارها فرأتها واقفة بجانبها، لم يراها صلاح الدين و عمادالدين و لكن رأتها هي فقط، ابتسمت لصلاح الدين و قالت 'جعلتكم ترون بحسب ما منحتني اياه قواي من سلطان على رؤية الماضي و الحاضر و بعض من المستقبل، اما اكثر من هذا فلم يكتب لي ان اعطيكم، كل الدلائل تشير الى انتصار سيدي صلاح الدين بالمعركة،
اجابها و هو ثابت المقام امامها 'شكرا يا سمية، يمكنك الإنصراف،'
خرجت سمية و سارت بين الخيمات بالظلام قاصدة خيمتها التي كانت تبعد بعض الشيئ عن الخيمة الرئاسية، سارت ببطئ بين الجند الذين كانوا يسيرون بكثافة بالمخيم يُحَضِرونْ للرحيل الباكر حيث كانوا سينطلقون نحو المكان المتفق عليه للمعركة المرتقبة، سارت بخطى بطيئة بين المشاعل الكبيرة التي كانت تنتشر بأماكن مختلفة بالمخيم لإنارة طرقه للمارة، نظرت من حولها عن عَمدْ لتتأكد إن كانت تلحقها، فرأتها بوضوح و هي تراقب الرؤيا التي احدثتها للقائد في خيمته، لم تعرف من كانت و لكنها رأتها وسط نيران كاوية تطفو فوق الأرض فتيقنت على الفور انها من الجن الأحمر، كانت الجنية بالفعل طائرة فوق رمال المخيم تلحق بها فشعرت بأنها تتعمد تتبعها، و لكن ماذا كانت تريد منها؟ تَعَوًدَتْ ان تكون هي المبادرة لطلب خدام لها من نفس قوم تلك الجنية و لكن لآول مرة في تاريخها الطويل بالسحر تحاول جنية التقرب منها، فجأة اوقفت جندي كان يسير بخيله و سألته 'متى موعد تحرككم من المكان بالضبط؟ فاراكم تتجهزون للرحيل،'
اجابها 'سيدتي موعدنا الصباح الباكر قبل الفجر، سيتحرك المخيم بأكمله،'
شكرت سمية الجندي و أكملت مسيرها نحو خيمتها، فتحت مدخلها المصنوع من القماش و استدارت فجأة لتراها امامها، صرخت بها باللغة العربية 'ويحك ايتها التابعة، من انتِ و ماذا تفعلين بديارنا و بخيمتي؟'
انطفأت النيران عنها و هي تجيبها 'اسمي افروديت إلهة و معبودة الرومانيون قديما،'
فجأة شعرت سمية بهيبة قوية تجاهها، ابتسمت لها فحينما تلاشت النيران التي احاطت بها بان شكلها الإنسي بالكامل، كان مظهرها الخارجي جميل جدا و جذاب،
احنت لها رأسها قليلا احتراما لها ثم سألتها بفضول 'خدامي يشعرونني بهيبتك بين قومك، انتِ كان لكِ شأنك بايام روما العتيقة، كانت معابدهم تكرمك و تكرم جمالك لآلآف السنين و ارى الآن ان اسبابهم كانت وجيهة يا حسناء قومك، و لكن لماذا تخفين اسمك الحقيقي عني؟ و ماذا تستطيع ساحرة انسية مثلي تقديمه لمليكة بقومها،'
فجأة أشتعلت النيران من جديد و هاجت من حولها ألسنة لهب كبيرة جعلت سمية تعود الى الوراء من شدتها، انتشر الحَمْ من وهج نيران الجنية بصورة كبيرة و هي تقول بغضب 'اريد ان انتقم مِنْ مَنْ حرق قلبي، انتِ عندك ما قد ينفعني، انت ند لها،'
اجابت برهبة 'من هي هذه الإمرأة و ما شأني بحربك معها، اجوكِ يا سيدتي، لا اظنني امتلك سحر اقوى من سحركم، انتم ملوك السحر و انتم من تعطوننا قدراتنا، ارجوكِ، هل تتركيني بسلام،'
اكملت بغضب و النيران الكاوية تشتعل من حولها، ابتعدت سمية اكثر و ألْسِنَةُ اللهب تزداد حولها 'انت حرة لتقبلي او ترفضي، و لكن لرفضك ضريبة قاسية، مجريات المعركة التي اريتيها لسيدك صلاح الدين قد اغيرها، و قد اعمي أَعْيُنْ و دروب جنودكم بالمعركة و قد يخسرونها، انت ساحرة و لك خبرة طويلة بمجال السحر و تعلمين ان لرفضكم طاعتنا ضريبة و عقوبة قاسية، حينها سيدك صلاح الدين لن يرحمك لأنه سيعرف ان سحرك خائب و أنك خدعتيه و سينبذك بعيدا عن قومه!!! و او ربما يروق لكِ اكثر إن ضَمِنْتُ أَسْرُكِ على يداي الإفرنجة و انت تعلمين ما يفعلوه قوم الملك ريتشارد بالسحرة، الجلد حتى الموت او حرقكم و أنتم على قيد الحياة!!! انت حرة!!!'
ابتدأت الجنية بالتلاشي من امامها لتركع سمية و تصرخ صرخة مدوية ورائها 'انتظري!!! لا ترحلي!!! سأطيعك بما تطلبين!!!'
عادت ألسنة اللهب الى اوجها امامها، اكملت سمية و هي على ركبيتها 'سمعا و طاعة لمليكة الجان الأحمر، ما هي اوامرك،'...يتبع
******************************************************
1...كلمات باللاتينية تعني افتح يا باب الزمن،
بقلم فراس الور
وقفت الساحرة بمنتصف الكوخ الذي تسكنه تنظر الى نافذة من نوافذه العديدة، كانت اضاءة المشاعل تتراقص من حولها و تنير بعض من ارجاءه حينما سمعت اصوات جناحيها و هي تهتز بالهواء على مقربة من الكوخ، فعلمت انها على وصول، غطت يدها بوعاء كان مليئا بدماء بشرية كانت قد اخذتها من نزيف رحم الكساندرا، فَعِلَمَتْ انها بطقوسها القادمة ستحتاج اليها، رسمت دائرة كبيرة بالدماء بأصبع يدها ثم كتبت باللغة اللاتينية الجحيم، شعرت فجأة بالأرض من تحت تزداد سخونه بينما دخلت الحمامة من النافذة و حطت امامها على الأرض، أومأت لها فطارت و استقرت على يدها، اخذت الرسالة المربوطة من على ساقها و قرأت المكتوب عليها باللغة اللاتينية 'اريد ان اراكِ شخصيا لأوكافئك على معروفك،' ابتسمت الساحرة لمضمون الرسالة ثم اخذت ورقة صغيرة و حبرا و كتبت عليها 'بالغد قبل منتصف الليل عند اول النهر القريب من البلدة...عند مربط الخيول،'
لَفًتْ الرسالة و ربطتها بقدم الحمامة ثم اطلقتها صوب النافذة، فجأة شعرت بضجيج يصدر من باطن الأرض، اهتزت الأرض من تحتها بضعة مرات و كأن زلزال ضرب المنطقة، تحولت الأرض داخل الدائرة الى زجاج شفاف رأت من خلالها اربعة اشخاص و هم بالقرب من مزرعة على مشارف إليريا، رأتهم متأهبين ممسكين مقابض سيوفهم ينظرون من حولهم بحذر شديد، ابتسمت قليلا و قالت في سرها 'لن تنجوا مما دبرت لكم هذه الليلة...'، صرخت بأعلى صوتها 'يابن جهنم ارسل قائد جندك حالا...،' توقف الزلزال الذي دام قرابة دقيقة ثم إمتلأ الكوخ بالضباب الكثيف، فجأة سمعت وقع حوافر ضعيف متلاحقة تشبه حوافر عدة الخيول و كأنها تجري من بعيد، بعد برهة من الزمن ارتفعت و كأنها تقترب من الكوخ اكثر، انقشع الضباب لتتوقف صوت الحوفر و ليظهر ما اخفاه وراءه، وقف امامها يتأملها بقوامه العملاق و ارجله الأربعة، كان نصف إنسان من الأعلى بسواعد بشرية و نصف ثور بأربعة قوائم من الأسفل، كان يكسي جسده الفرو الكثيف و كان ذو وجه ثور كبير يبرز من جانبي رأسه قرنان طويلان، فتح فاه فبانت اطْقُمْ اسنانه الحادة و كأنه يتوعد قريسة ما امامه، تقدم اليها ليرتفع صوت حوافره من جديد، فقالت آمرة 'يا قائد جند ابن جهنم آمرك ان تقتل...تذبح...تقطع اوصال هاؤلاء البشر بالبوابة على الأرض امامك،' اخذت دماء بشرية من وعاء الدم بجانبها و رشتها عليه، اصدر زمجرة موحشة و عالية وهو يقول 'شرب الدماء البشرية تروق لنا كثيرا،' شعرت بأنفاسه و هو يتكلم تعصف بالكوخ من حولها و كأنها ريح قوية،
قالت آمرة 'أْخْبَروني خدامي من الجان اسمائهم...سولا...اميمة...آيون...كونراد...'
اجاب 'سمعا و طاعة سيدتي...سأتولى أمرهم...'
'اريد ان تسفك دمائهم امامي على الأرض،'
فجأة إلْتَفَتَ خلفه نحو الباب، ثم رفع يمينه و انزلها و كانه أمر بشيئ، فأبتدأت اصوات زحف تعلو رويدا رويدا خارج الكوخ، نظرت الساحرة بترقب لترى ما اعًدا قائد الجند، فإبتسمت ابتسامة عريضة حينما رأتهم يقتربون نحو الكوخ، كانوا اربعة احناش ضخمة جدا لم ترى مثيل لهم من قبل، نظرت الساحرة بشغف ممزوج مع سرور و هم يقتربون من باب الكوخ، كانت كل منها بطول عشرة امتار و كان سُمْكها كبير يكفي لإبتلاع إنسان كامل، تملكتها الرهبة قليلا من احجامها و لكنها رفعت يدها و قالت بصوت آمر 'الى الدائرة!'، ابتعدت بضعة خطوات بعيداً عن دربها و هي تدخل كوخها من الباب و النوافذ و تتجه نحو البوابة السحرية بكل انصياع، دخلت فيها الأحناش و اختفت بلمح البصر من شدة سرعتها، اقتربت الساحرة مرة آخرى من الدائرة و شاهدتها و هي تزحف بإتجاه الجمع الذين وقفوا بجانب خيولهم الأربعة بترقب لما سيحدث، فجأة قال لها قائد جند جهنم 'لن ينجوا منهم،'
******************************************
وقف الجمع يستمع الى اصوات الحفيف المريبة التي انتشرت من حولهم، كان صهيل خيولهم المربوطة بشجرة على مسافة منهم يرتفع من حين لآخر ليطغى على الحفيف و لكن سرعان ما كان يعود مع هدوء الخيل، تلبدت السماء من فوقهم فجأة بالغيوم لتنتشر عتمة مريبة و داكنة وليختفي ضوء القمر تماما، لم يكن بين ايديهم لإنارة المكان الا شعلة كونراد التي كانت تتراقص مع نسائم الجو التي كانت تنشط من حين لآخر،
فجأة خفق قلب اميمة بقوة، فاستطاعت تميز اكثر من حفيف على مسافة منهم، نادت بصوت منخفض و بحذر شديد 'سولا، سولا...'
اجابها بصوت منخفض 'ماذا هنالك؟'
تقدم كونراد بحذر نحو الشجرة التي كانت خيولهم مربوطة بجذعها، فشعر أن الضجيج يأتي من حولها، اصدرت خطواته طقطة خفيفة و هو يدوس الحشائش على الأرض فكانت النبتات و الخُضْرَة كثيفة نظرا لخصوبة التربة و المكان، راقبه أيون عن كثب بينما اجابت اميمة بصوت منخفض و لكن مسموع للجَمْع 'اظن ان ما يسير من حولنا ليس كائن واحد،'
اجاب كونراد 'اشعر بذلك، و انهم ضخام جدا...اشعر و كأنهم يزحفون على الأرض...'
قال بقلق آيون 'قلبي غير مطمئن،'
اكمل كونراد مسيره لبرهة من الوقت و توقف بجانب الشجرة الكبيرة، كانت شجرة لَوْز و كانت مثمرة تملئها الأوراق الخضراء، فجأة اجتاح كيانه موجة خوف عارمة و قوية، فشعر بأن ما كان حولهم شيئ موحش جدا، أكمل سيره نحو الأحصنة التي ابتدأ تراقُصَهَا يزيد و حرك المشعل بيده ببطئ من اليمين الى اليسار، فجأة سمع صوت فحيح عالٍ جدا، صرخ باعلى صوته 'انها افاعي...و افاعي كبيرة جدا...!!! اسحبوا سيوفكم!!!' استل الجميع سيفهم و راقبوا المكان من حولهم و استعدوا لهجومها، رأقب كونراد برعب ما كان يزحف صوب الشجرة منذ قليل، رأه يتحرك من على اغصان الشجرة بسرعة البرق بإتجاه الأحصنة، اهتزت الشجرة بعنف كبير رغم ضخامتها و هو يقذق نفسه بقوة صوب احد الأحصنة و يلتف حوله، صرخ للجمع 'سولاا!!! أيون!!!'
ركض الجمع اليه بهلع و الحنيش يكمل إلتفافه على خيل سولا، صرخ سولا 'بيغاسوس!!! صديقي!!!'
حاول الحصان مقاومة الحنش و سرعته و لكن من دون جدوى، فالتف بسرعة و ابتدا بخنقه ليقع بيغاسوس على الأرض بقبضته كالفأر المسكين، ارتفع صهيل الحصان بقوة و هو موجوع بينما استل سولا سيفه و حاول مهاجمة الحنش، رفع ساعده لينزل ضربة على رأسه الذي كان كبيرا جدا و لكن قذف الحنيش بوجهه ألسنة متتالية من النيران من فمه، صرخ سولا من هول الموقف و ابتعد الى الوراء بينما انتظر الجمع الفرصة المناسبة لمهاجمة الحنش، فجأة تحرك آخر نحو المعركة و انتصب على ذيله بوضع يشبه التنين، نظر الجمع الى الأعلى ليصدموا من ضخامته و طوله، انطلق من فمه سيلا من الألسنة النارية ليبتعد الجمع اكثر عنهم، صرخت اميمة و هي مصدومة من منظرها 'هل هذه تنانين صغيرة متوحشة ام حنائش؟!!! ماذا نواجه بالضبط يا رفاقي؟!!'
اجاب أيون بقلق بالغ 'هذه اساطير!!! لم اواجه مثلها!!! سمعت عنها بالاساطير فقط!!!'
اقتربت باقي الثلاثة أحناش و وقفت بجانب بعض مثل وقفة الحراس و اطلقت من أفواهها نيران لاسعة، شعر الجمع بحرارتها فابتعدوا بضعة خطوات الى الوراء و بيغاسوس يتلوى و يصرخ من قبضة الحنيش الرابع، فجأة اختلطت مشاعر سولا من العراك، فاجتاحته موجة غضب عارمة ممزوجة مع خوف كبير، فدخل بحالة هلع على حصانه و رمى سيفه بقوة بإتجاه التنين، فجرحه تحت عنقه و سالت دماءه لبضعة ثواني، ضعفت قبضته على الحصان فحاول بيغاسوس الوقوف، و لكن سرعان ما توقفت الدماء عن النزف و حاول مهاجمة الحصان من جديد، صرخت اميمة 'هذه لا تموت!!! فكروا معي بحل لها!!!'
صرخ كونراد'السنة اللهب لا تعطينا فرصة لمهاجمتها!!!'
اضاءت ألسنت النيران الخارجة من اوفواهها الطبيعة من حولهم من شدتها، اصابت احدا ألسنتها شجرة اللوز فإبتدأ ورقها بالإحتراق على الفور، فجأة هربت باقي الخيول من الخوف مما كان يحدث فإرتفع صهيلها مع اصوات حوافرها بقوة بالأجواء، وقف بيغاسوس بقوة على ساقيه الخلفية و حاول ركل الحنيش بساقيه الأمامية، اخرج الحنيش لسان لهب بإتجاهه فصهل الخيل بقوة من وجع الإحتراق، و لكنه اصاب الحنش برأسه و دفعه الى الخلف، تلوى الحنيش من ضربة الخيل و مكث لبضعة ثواني من دون حراك، و لكن سرعان ما نهض و تقدم نحو الجمع بمحاولة لمهاجمتهم، رفع أيون سيفه و حاول قطع عنقه و لكنه قذف النيران عليه مما جعله يعود الى الوراء و يصرخ من حمم النيران، تفقد أيون ذاته ليرى إن لسعته النيران فتنفس الصعداء لشعوره بأنه لايزال سليم، فجأة تبادر الى ذهن اميمة فكرة شعرت انها قد تنجح بقلب ميزان المعركة مع هذه الوحوش الهائجة، ركضت صوب سولا الذي بات من دون سلاح و فريسة سهلة لأي هجوم قاتل و قفزت بالهواء تجاه الحنيش، حاولت قطع جسده الى نصفين و لكنه ابتعد عنها بلمح البصر من دون ان تتمكن منه، صرخ أيون 'اميمة ماذا تفعلي! هل فقدتِ صوابكِ؟!'
قالت له و هي تجري صوب باقي الأحناش 'هل هنالك بحيرة ماء من حولنا؟' فذف احدا الأحناش النيران صوبها و لكنها ركضت بسرعة بعيدا عنه فاحترقت بعض المزروعات على الأرض حولها من دون ان يصيبها الأذى، اجاب كونراد و هو يحاول مهاجمة احداها بسيفه 'هنالك بحيرة للري بالقرب من المزرعة،'
قذف حنيش من الاحناش لسان لهب على كونراد و لكنه لم يفلح بإصابت الا بعض الشعر في ساعديه، فأبتعد قبل ان تصله النيران بخفية تامة، صرخ من الخوف من حم اللهب و هو يتفقد ساعديه، انتشرت بالأجواء حوله رأئحة شعر محروق، نفض ساعديه قليلا و عاد الى الوراء قائلا 'لماذا تسألي عن البركة؟'، صرخ آيون فجأة 'فهمت، فهمت ما تريد اميمة،'
فجأة نظر الجمع برهبة الى الاربعة احناش و هي تقترب من بعض، التصفت اجسادها ببعض لِتُكَوِنْ حنيش ضخم كان جسده اشبه بتنينن كبير، بقيت رؤسها الأربع منفصلة و لكن بلمح البصر و كأنه سحر ساحر أصبح نصف جسدها ملتصق ببعض، أطلقت زمجرة موحشة بالمنطقة جعلت الجمع يرتجف من شراستها، صرخ كونراد 'هذا لا يعجبني إطلاقا!!!'
اجاب ايون 'اين تلك البحيرة، آمل ان تنجح خطتك يا أميمة!!!'
فجأة انطلقت من جنبي الوحش اجنحة طويلة و اطلقت ألسنت نارية أحرقت كل المرزوعات من حولهم،
صرخ سولا 'سيطير خلفنا، هي بنا!!!'
ركض الجمع بسرعة وراء كونراد الذي قادهم صوب بحيرة مياه اصطناعية صنعها بعض المعمارين لتروي المزارع على مشارف الإمارة، نظر أيون و اميمة ورائهم ليروا التنين و لكن لم يستطيعوا رؤيته، فجأة سمعا صوته الموحش و هو يطير فوقهم بسرعة جنونية، اطلق نيران صوبهم و لكنهم ابتعدوا عن دربها لتصيب كروم عنب كانت داخل مزرعة قريبة منهم، هاجت النيران بشراسة بكروم العنب ليصرخ أيون للجمع 'هيا بسرعة قبل ان نصبح طعام مشوي لها!!! انها سريعة جدا!!!'
سمع الجمع اصوات ناس خرجت على الصراخ و المعارك على مسافة منهم، اطلقوا صرخات تَعَجُبْ على رؤيتهم للتنين و هو يحلق فوق اراضيهم، فعاد بعضهم الى الداخل بينما وقف آخرون يراقبوا ما كان يجري عن بعد، انطفأ المشعل بيد كونراد من سرعة الجري و خيم ظلام دامس حولهم لبرهة من الزمن، و لكن انقشعت الغيوم فجأة من فوقهم لينير القمر المكان بصورة كافية ليروا الطريق امامهم، صرخ كونراد ها اقتربنا!!!' قالت اميمة للجمع 'اغطسوا داخل البركة فسيلحق بنا التنين!!! الماء سيطفئ قدرتها على قذف النيران!!!' وصل الجمع الى البركة الكبيرة و قفزوا بداخلها ليسببوا أرتجاج كبير بالبحيرة، فجأة انتشرت من حولهم امواج عاتية و كبيرو فشعروا ان التنين لحق بهم، غاصت اميمة الى اعماقها ثم سبحت نحو السطح و بحثت عن رفاقها، وجدتهم على مقربة منها عائمون على وجه المياه، صرخت لهم 'فالنخرج، بسرعة!!!'
إلْتَفَتَ الجمع الى ضجيجٍ عالٍ و امواج عالية بالبحيرة فرأوا التنين يتخبط محاولاً الخروج من مياهها العميقة، سبح الجمع الى الخارج و نظروا اليه و هو يعوم بالماء بحثا عنهم، أَلْقَتْ اميمة من خارج البركة بضعة احجار لتلفت انتباههم اليها، فجأة بسرعة البرق لحقت بهم الحنائش الى خارجها و انتصبت لتحاول قذف نيرانها و لكن من دون جدوى، امسك كل من اميمة و ايون و كونراد سيوفهم و قذفوها بقوة نحو اعناق ثلاثة من الأحناش فاخترقتها بسهولة كبيرة، تَلَوًتْ الأحناش من آلم السيوف و اطلقت صرخات موحشة زلزلت المكان، وقعت على الأرض و هي تنزف بغزارة شديدة، انتفضت بقوة و هي تصارع الموت ثم مكثت ثلاثة منها من دون حراك، بقية رأس رابع على قيد الحياة ينظر اليهم بنظرات موحشة، كانت عينيه تشع غضبا و هو ينظر اليهم، استل سولا خنجرا من شدة غضبه على ما كان يحصل و سار نحوه ببطئ شديد، صرخة له اميمية 'سولا لا تفعل، سيموت بمفرده فنزيف باقي التنانين ستقتله ولو بعد حين،
صرخ سولا بمرارة و الدموع بعينيه 'حاولوا قتل بيغاسوس و حرقوه، لا اعلم اذا كان لا يزال على قيد الحياة، كان هدية من سيدي إليريون فلم يبخل علي به...' اقترب سولا اكثر و اكثر من التنين الذي كان يحرك رقبته بعنف شديد، حرك رقبته الى الأمام و حاول غرس انيابه الحادة بجسده و لكن كان سولا لا يزال على مسافة آمنة منه، صَوًبَ خنجره الحاد و قذفه صوب عين من عينيه فانغرز بها، هاج التنين بشراسة و اطلق صرخة من شدة ألمه، امتلأت الأجواء من صوته لبرهة من الزمن ثم مكث من دون حراك كباقي التنانين،
************************************************************************
ضربة الساحرة كفاً بكف على خيبة الأمل التي اصابتها من موت الأحناش، لم تصدق بسالة و قوة الأربعة جنود و هم يحاربون الأحناش فكادت ان تتخلص منهم لتنفذ رغبتها بالإنتقام من قصر إليريون، نظرت بِتَمَعُنْ الى الدائرة السحرية بأرض كوخها و الاربعة يتحاورون و يتلذذون بالنصر الذي حققوه للتو، كان الإرهاق باديا عليهم و كانوا يلهثون من التعب، لكن ارتسمت على وجوههم علامات انتصار اشعرتها بالقهر و الغيظ على فشلها الكبير، فقالت في ذاتها متوعدة 'هذه حرب و هنالك عدة معارك، فإذا خسرت معركة لا يعني انني سأخسر الحرب،' مسحة يدها فوق الدائرة فاختفت و كأنها لم تكن،
وقفت من على الأرض و سارت نحو مرآة في صالة كوخها الصغير، نظرت الى ذاتها لتتفقد اناقتها إن كانت جاهزة لقدومه، كان يحب جمالها جدا لذلك كانت دائما حريصة على ان تكون بقمة زينتها وقت لقاءه، أَرْخَتْ شعرها الذي كان مربوطاً فوق رأسها فنزل كأمواج شلال حول كتفيها، ابتسمت حينما رأت وجهها الذي اشرق لمعان بفضل مساحيق لترتطيب البشرة كانوا خدامها يأتون اليها بها من محلات مشهورة في باريس، فتحت العلبة التي كانت امامها على منضدة و اخذت بعضها و دهنت وجهها، ابتسمت حينما قرأت إسم شانتال باريس عليها و تاريخ الإنتهاء حيث كان فبراير 2025، كانت تُعَدْ خصيصا للطبقات المقتدرة في تلك العصور التي يزداد بها العلم كثيرا، اخذت قارورة من خلاصة ناردين الملوك و مسحت رقبتها فكان يحب تقبيل رقبتها كثيرا، كانت في ريعان شباب لن يذبل سريعاً بفضل عنايتها بجمالها، كانت ذات بشرة بيضاء و عينان عسليتان شكلهما كعيناي المها، كانت ممشوقة القوام ذات خصر رشيق و جسد رقيق و ناعم و شعر طويل غزير يصل الى منتصف ظهرها، نظرت الى السماء و شعرت بقربه...بل كادت ان تشعر بدقات قلبه و كأنه بالغرفة معها، ذهبت الى خزانة ثيابها بغرفة نومها و خلعت ردائها و ارتدت رداءا احمر كان يحب ان يراها فيه، عادت الى الصالة و وقفت امام المرآة و لكنها اطلقت صرخة حينما رأت قرونه من خلفها، فجأة استدارت لتراه امامها، شعر بخوفها فَتَحَوًلَ بثانية من الزمن من شكله الحيواني الى رجل انسي بالكامل، قال 'أأخفتك؟'
اجابت و هي تبلع ريقها 'قليلا، فتعودت ان تظهر لي كإنسان دائما،'
اقترب منها و هو يتفحص إطلالتها قائلا 'ألم تتعودي علي؟ ألم يحن الوقت يا ياقوت؟'
حاولت رسم إبتسامة رغم قلبها الذي كام يخفق بقوة من رهبة الموقف 'انا انتظر لحظات قدومك بفارغ الصبر يا حبيبي،'
كان الرجل طويل القامة ذو بشرة بيضاء و شعر اشقر طويل يصل لغاية كتفيه، كان عريض المنكبين مفتول العضلات ذو جسد رياضي و ذو وجه وسيم جعلت عينين ياقوت تبرق اعجابا به، كان يرتدي رداءا ابيض طويل كأردية الرومان القديمة، اقترب منها و امسك شعرها الذي كان منسدل حول كتفيها و خصرها بيديه قائلا 'منذ مدة و لم اشعر بدفىء جسدك في حضني،'
قالت بنبرة هادئة و لكن معاتبة 'انا لم احرمك من نفسي، و لكن جليسات سيدي أمير الجان الأحمر كثيرات،'
نظر اليها بنظرات راغبة قائلا 'والدي يريد ان يزوجني باكرا، فلم يَمُرْ على عمري مئتي عام فقط و هو عازم على تزويجي، و لكنه غير راضٍ لانني اشتهيت إنسية،'
أَرْخَتْ رباط ثوبها من على كتفيها فسقط ثوبها الى النصف كاشفاً جسدها من الأعلى، أكمل و هو يسير ببطئ حولها يتفحص جمالها 'حتى لو خَضَعْتُ لرغبته و تزوجت تاره ابنة عمي كما يريد، ستبقي انتِ في قلبي، اريدك على الدوام فأنت تعجيبينني اكثر منها،'
ألهبت عيناه الراغبة ياقوت لدرجة الجنون، فكان وسيما جدا في عينيها لدرجة انها نسيت مَظْهَرَهُ الحقيقي و الموحش كجَانْ، حاول ضمها و لكنها ابتعدت عنه و سارت بقوامها الرشيق كالغزال الشارد بالبراري محاولةً اغوائه بِعُرْيُهَا، قالت بثقة 'و إن قَبِلْت ان تدخل علي و انت متزوج من آخرى، فلي مهر اريده منك، انت تعلم طبعنا كإنسيات جيدا، نحن لا نحب ان ندخل بأي زواج على ضَرًه،'
اقترب منها امير الجان و الرغبة تَمْتَحِنْ صبره، إبتسم و قال لها 'اطلبي ما تريدين، فمنذ ان بعتي نفسك لنا و انت تأمرين و انا انفذ، ما هو مهرك؟' نظرت الى ظل الثور الذي كان يرافقه و الذي تراقص مع السنة نيران الشعلات بالكوخ، عاد الى ذهنها مظهره الحيواني اول ما دخل كوخها و لكنها حاولت نسيات ما جرى، فتمالكت اعصابها و قالت بثقة 'اريد ان تتحطم إليريا، اريد ان اسحقها لأنتقم من اميرها،'
سار فجأة الأمير اليها بخطوات سريعة و ضمها اليه، شعرت بحرارة جسده و يديه تسرح على ظهرها و توقظ رغبات جامحة في ذاتها، كان وسيما جدا و امير لمملكة قد تعطيها نفوذ سَحَرَةٍ كبار، فقال لها مترجيا 'لك ما تريدين، و لكن هل قبلتِ عرضي بالزواج بي؟ ارجوكِ، اريدك الليلة قبل الغد!'
*****************************************************
نظرت تارة من امام الكوخ بغضب شديد الى اميرها و حبيبها و هو يضم ياقوت اليه بكل حنو، شعرت بنار الغيرة تكوي قلبها بسياط لا ترحم و هي تشاهده كالطفل المسكين يستسلم لِعُرْيُهَا و جمالها و يرقد بين يديها، لم تكن في قرارة نفسها تعلم ما ايقظ نار هذه الغيرة اكثر في قلبها، جمال ياقوت كإنسية أم شعورها بأنها قد تخسر اميرها الى الأبد لهذه الإنسية التي استطاعت بكل خبث و جبروت ان تتملك قلبه، كانت تارة جميلة جميلات قومها فكان شكلها الإنسي جذاب جدا، كانت طويلة القوام ذات بشرة سمراء و شعر اصفر طويل ناعم يصل لغاية اسفل خصرها، كانت عينيها البنفسجية براقة تشبه عيني المها و تبرق لمعانا و اناقة كالأحجار الكريمة، كان وجهها بريئ و ناعم المعالم لدرجة انها كانت تروق للرجال من جنسها من الجان من النظرة الأولى، كانت الغيرة تأكلها و هي ترى ياقوت بين يدي بركان لدرجة ان دمائها البنفسجية سالت من شفاهها الزرقاء و هي تعضدها بأسنانها، فجأة شعرت برغبة جامحة بمداهمة الكوخ لتصرخ بوجه خطيبها لكي يبتعد عن ياقوت قبل ان يعاشرها، و لكنها انتظرت و حاولت تمالك اعصابها، فبركان ما سمح لها يوما بتخطي حدودها معه كأمير و التدخل بأمر جليساته، كانت تعلم ان بركان مزواجا و رغم ذلك قبلت بأطباعه طمعا بحبه و طمعا بمملكة الجان لكي تصبح هي مليكتها بعد ان يتوفى والده و يرث ملكه، و لكن ها هي قد تخسر كل شيئ بلحظة بسبب إنْسِيًة حقيرة علمت كيف تتودد لبركان سَيِدْ من اسياد الجان الأحمر، قالت في ذاتها 'يا وقاحتكِ يا ياقوت، اتتجرئي من حبيبي، لا بد انك إمرأة كاسرة بسحرك و نواياكِ فعلمت كيف توقعي من سيحقق لكِ احلامكِ السوداء كساحرة، و لكنني سأعلم كيف سأحطمكِ و آخذ بركان منكِ مرة ثانية،'
******************************************************
قالت ياقوت بثقة كبيرة و هي بين يديه 'اريدك ان تَعِدْني بأن قُوًتِيْ ستزداد لأكمل انتقامي من إليريون،'
قال و يداه تداعب خصل شعرها الناعمة 'سأعطيك راس إليريون على طبق من ذهب...و لكن...'
اجابت 'لا بد انك على علم بوجودهم...'
ابعدها لبرهة عنه و نظر اليها قائلا 'اشعر بإيمانهم، الصليب مع القرآن...اشعر بوجود الله بإليريا،'
اجابت مطمئنة 'لكل امر حله، فهم بشر ضعفاء امامنا، و هم اثنين فقط بين آلآف من قوم يعبدونكم انتم و خدامكم كآلهة لهم،'
اجاب بركان 'قوتي تنقص بوجود ايمانهم، إليريا من دون الصليب و القرآن لقمة سهلة لي،'
'و لكن هذا يعتمد على كم هم مؤمنون يا بركان...' اكملت متوعدة 'لن ادع اي انسي يقف دون ان اتمم انتقامي، سأقتلهم، فإيلريا بعيدة عن ايمانهم، ماذا سيفعل ايمان شخصين فقط بوسط مجتمع وثني غير مؤمن...أنت لم ترى كم إليريون اذلني حينما امر بجلدي امام قومه،'
اقترب منها من جديد و قال مواسيا 'سأفعل ما بوسعي لتنتقمي منه، اعدك، و لكن لنكمل الحديث في ما بعد، قلت لكِ سأمنحك ما تريدين من قوة...و لكن لا اضمن لكِ شيئ و لا اضمن نجاح مخططك، فمملكة الأديان السماوية تضعف قوتنا جدا بعالم البشر، كان لنا سلطان خارج المملكة اليهودية فكان العالم مرتعنا قبل و بعد طوفان نوح رجل الله، و لكن مع ازدياد ملكوت الله على الأرض و مع انتشار المسيحية و الإسلام بعدها بالعالم تم تحجيم قوتنا، لا نستطيع العبور الى العالم الإنسي الا بدعوة من سحرة امثالك...' نظر اليها من جديد و عينيها تبرق لمعانا و جمالا و اكمل 'نحن ضعفاء من دون خدام لنا امثالك يجعلوننا نعبر الى العالم الإنسي، اريد جمالك الليلة كي تكوني لنا الى الأبد...'
خلعت ثوبها بالكامل و قالت 'و انا ملكك الليلة،'
********************************
قَبًلَ بركان ياقوت بقبلات حارة فاشتد غضب تاره، فجأة فقدت السيطرة على اعصابها لدرجة انها لم تشعر بنفسها و هي تسير بغضب عارم نحو الكوخ، اقتحمت المكان كالعاصفة و هي تصرخ 'أَلَحْمُ الإنسيين يعجبك اكثر من بنات قومك يا سمو الأمير!'
إلْتَفَتَ نحوها بصدمة عنيفة من كلماتها و قال بغضب 'و كيف تجرؤين على اقتحام خلوتي مع جليسة لي؟'
تسترت ياقوت امام تارة، ربطت ثوبها لتتفاجئ بإشرة من يدي تارة، فانطلقت من يدها كرة كبيرة من نار ملتهبة و لكن صدتها ياقوت بيديها، فتبخرت مع الهواء لتصرخ تارة من الصدمة 'كيف!!! متى!!!! كيف حدث هذا؟!!! لماذا لم تحترقي؟!!!'
صرخ بركان بغضب 'تارة عودي من حيث اتيتي!!! و سنتكلم لاحقا!!!'
قالت ياقوت بمحاولة لزيادة غيظ تارة 'ألم يخبرك بركان؟!َ!!'
أجابت بغصة حزن شديدة 'و تقولي اسمه هكذا من دون ألقاب!!!'
'هذه ليست اول مرة يعاشرني حبيبك!!!'
صرخ بركان بغضب ليشتعل جسده كله بالنار و هو يأمر 'ياقوت اصمتي!!! و انت تارة عودي الي عالمنا، و سنتكلم لاحقا!!!'
قالت و نيران التَوَعُدْ تشتعل في عينيها و تشع من وجهها 'حتى لو معاشرتك لسيدي بركان حَوًلَتْ جبلتك الإنسانية الوضيعة الى جبلة جان...لن تكوني واحدة من قومنا!!! افهمتي يا قحبة البشر!!!' اقتربت منها فشعرت ياقوت بِحَمْ جبلتها النارية على جلدها، صفعتها ياقوت صفعة جعلتها تصرخ من الألم، نظرت اليها تارة بصدمة عنيفة و الدموع تسيل من عينيها لبرهة من الزمن، قالت ياقوت 'تكلمي معي بأدب، فحينما تكلمي زوجة اميركم التزمي ادبك!َ!!،' حاولت تارة اخفاء صدمتها مما فعلته ياقوت و لكنها لم تستطع، فصرخت ببركان فجاة 'زوجة اميركم؟!!!'
التزم بركان الصمت و هو ينظر الى تارة فَرًبِطَ لسانه امام مواجهة كان يعلم انها ستحدث عاجلا ام آجلا، و لكن لم يكن ليتمنى ان تكون بهذه الحِدًة، صرخت تارة بوجه بركان 'هل هي زوجتك؟!!! هل ستختار هذه الإنسية عِوَضْ عن ابنة عمك؟ و انا...يا سمو الامير...انا ما هو مكاني بحياتك؟!!!'
صرخ بركان بوجه تارة 'قلت لك عودي الى ديارك و سنتكلم لاحقا، انت تعلمي انك لست الوحيدة بحاتي من اول العلاقة يا تاره، انا لم اخفي عنكِ شيئ،'
كانت تعلم تاره بقرارة نفسها انه لطالما كان بركان بصف ياقوت فلن تقوى عليها، و لكن سرعان ما استجمعت قُوًتُها و أكملت بغضب لياقوت 'لن اترك لك بركان و سادعك تتذوقين المُرْ لما فعلتِ!!! ثقي يا ياقوت انني سارد لكِ صفعتك مئة ضعف، اعلم كيف سأقتلك و اجعلك تتلوعين من الآلآم و انت تموتين!!!'
نظرت ياقوت الى عيناي تارة و اجابت بكل ثقة غير مكترثة الى توعدها 'لن تستطيعي فعل شيئا معي!!! و أنا واحدة منكم قبلتِ ام لا!!! انت و قوتك لا تؤذيني!!!'
انحنت امامها تارة بسخرية تامة و اجابتها بنبرة جافة 'سنرى يا سمو الأميرة، فلن أخسر الحرب معكِ،'
فجأة هبة بالمنزل كرة نار كبيرة ثم اختفت تارة تاركة بركان و ياقوت بمفردهما، قال بركان 'هيا لنكمل ليلتنا مع بعض فستتقبل الأمر عاجلا ام آجلا،' انقبض قلب ياقوت و هي تسير مع بركان الى غرفة نومها، فبالرغم من ان تارة جان من النار الا انها بالنهاية إمرأة من قومها مشتعلة بنار الغيرة و ستفعل المستحيل لتنتقم منها و لتمنع مخططها بإليريا، كانت تعلم انها ستضايقها جدا، و لكن الذي كان يطمئها انه بعد الليلة ستتغير اشياء كثيرة لصالحها،
*********************************************
وقف صلاح الدين الايوبي بوسط خيمته الرئاسية بمعسكره الضخم يفكر بعمق بشتى السيناريوهات لما قد يواجهه بالمسقبل القريب، كان معسكرهم على مقربة من السواحل الفلسطينية و كان مُشَيًدْ على سلسلة من التلال حيث ضم آلآف الخيمات التي كانت تأوي اربعة و عشرين ألف جندي جاهزين للقتال، كان رد رسول ريتشارد قلب الأسد على رسالته مقلق للغاية، فكان برفقة قائد جيشه عماد الدين الشامي يتفحص المخطوط الذي وصل مع رسول من رُسُلِ جيوش الأفرنجة التي ملأت الساحل الفسلطيني منذ اربعة ايام استعدادا للمعركة الحاسمة على القدس، أمر الناصر صلاح الدين ان يعود الرسول سالماً معافاً الى بلاده بعد ان يزود بالطعام و الشراب لرحلته، فعامل رسول ريتشارد كما عامل ريتشارد رسوله حينما عاد الى المُخَيًمْ سالما، فحينما قرأ ريتشارد خطاب صلاح الدين طلب مهلة يومين للتفكير قبل ان يجيبه حيث كان جوابه سيحدد مجريات المعركة التي كانت ستحصل،
استغرب صلاح الدين من طبيعة الرد الذي أتاه، و استغرب اكثر من احترام ريتشارد لرسوله، حيث تبين ان اخلاق هذا القائد كانت غير اخلاق من كان قبله من ملوك اتوا على رأس حملات كبيرة غزوا و قتلوا و فعلوا الأمَرًيَنْ بابناء قومه من الآمنين على السواحل الفلسطينية و بمناطق عدة من امبراطوريته، كان صلاح الدين رجل طويل القامة مفتول العضلات عريض المنكبين ذو بشرة حنطية و شعر قصير، كان يمتلك وجه يشبه القلب فكان ودود المعالم ذو عينين عسليتين و إطلالة انيقة شابة، نظر الى وجه قائد قواته الذي كان يشع غضبا و سخطا، كان عمادالدين لا يقل ضخامة و قوة عنه فكان رجل حرب من الطراز الرفيع، ارتفعت بالخلفية اصوات إلتحام سيوف و صرخات للجند و هم يتدربون على القتال فكانت الإستعدادات على قدم و ساق للمعركة الأتية، سـأل قائد قواته و هو محتد على صنيع رئيسه 'يا سيدي ما حاجتنا اساسا لأرسال مندوب لهم برسالة، اكثر من تحديد موقعة و موعد للنزال ليس بيننا و بينهم اي امر آخر، ثم ان طلائع جنودنا اخبرتنا انه يبدو ان قواتهم اقل عددا من قواتنا، يعني المعركة محسومة لنا،'
نظر اليه صلاح الدين بقلق و قال 'مصير المعركة ليس ما يقلقني، فهذا نزال و حرب قد نربحها و قد نخسرها، هذا سَيُحْسَمْ بالغد و إن الغد لناظره قريب،'
اجاب رئيس الجيش بنبرة مُلِحَةُ 'هل حددتم وقت المعركة؟ قل لي،'
'هم من حددوا التوقيت برسالتهم،'
'ما يقلق سيدي اذا؟ الا إن تضمنت الرسالة على اكثر من تحديد التوقيت،'
قال مجادلا 'فعلت ما يمليه علي ضميري، و طلبت انسحابهم لتبقى القدس في عهدتنا، انت تعلم جيدا ان معاركنا معهم غير محسومة لغاية هذه اللحظة، فخسرنا ما خسرناه و ربحنا ما ربحناه من اراضي متنازع عليها بالماضي، و لكن طلبت انسحابهم من المعركة حقناً لدماء جنودهم و جنودنا،'
تغيرت تعابير وجه عمادالين و اصبحت اقل حدة، ففجأة عَلِمَ ما كان يجول بخاطر سيده، سأل 'و ماذا اتاك بالرد؟'
ضرب صلاح الدين كف بكف و قال 'انت لا تعلم ريتشارد، انه رجل حرب و قائد معارك كبيرفي بلاده، فكمية الإنتصارات التي حققها لإنجلترا كبيرة جدا، هذه الأخبار التي أتتني عنه، انه رجل و قائد لجيوش بلده منذ ان كان بالسادسة عشر من عمره و له خبرة ضخمة بقيادة المعارك، و ما خسر معركة لغاية هذه اللحظة، المشكلة ليست بقلة عدد جنودهم، فربما كان هنالك حليف تخلى عنهم، او تأخر وصول قوات كانت ستساندهم بهذه المعركة...لا أعلم...انت تعرف السفر البري و البحري و مخاطره و خفاياه...،' سار لبضعة خطوات امام عمادالدين و كأنه يفكر بأمر ما، ثم انفجر غضبا و صرخ 'و لكنه مجنون!!! مجنون!!! أُحدثه عن حقن دماء البشر، فيحدثني بعزمه على خوض هذه المعركة!!! الى متى ستبقى بلادنا غارقة بدماء ابناؤنا و ابنائهم!!! الى متى يا عمادالين!!!'
قال بمحاولة لتهدئة سيده 'انت فعلت ما كان عليك فعله، فهو من اختار النزال، أعدك بأننا سنكون على اهبة الإستعداد، فنحن ايضا من شِيَمُنَا ان لا نستخف بأعداؤنا، فهذه غلطة ما ارتكبتها يوما كقائد لجنودي، انت حتى خَيًرْتَ المسيحيون في جيوشنا من الإنسحاب من هذه المعركة و العودة الى ديارهم آمنين كي لا يقتلوا اشقائهم من دينهم من الأفرنجة، و قَبِلْتَ قرارهم حين ابلغونا برغبتهم بالبقاء في صفوف جيشنا لخوض المعركة، تممت ما عليك على اكمل وجه، '
نظر الى وجه عمادالدين و اكمل بنبرة قلقة 'لم اكن يوما رجلا ظالما و لن اكون غير عادل مع قومي و رعايانا، مسيحيوا الشرق هم اشقاؤنا و ها اختاروا العيش معنا على الحُلْوَةِ و المُرًةِ، لن تخذلنا كنائسهم و لن يخذلونا باي مقصد نقصدهم به، و لكن ريتشارد...' صمت قليلا و عاد ليسير بخطوات امام عمادالدين و هو يفكر بعمق ثم أكمل 'عدم انسحابه بالرغم من عدم تكافئ عدد جيشه مع جيشنا قد يعني لي كقائد عسكري احتمالا آخر ايضا، أنه اتى لبلادنا بصفوة جنودهم و بواسلهم، لا بد انهم أرسلوا من يستكشف امر معسكرنا و قدروا اعدادنا، ريتشارد ليس غبيا كي يدخل بمعركة لم يحسب نتائجها جيدا، يا عمادالدين لا تستخف بهذا القائد، فيجب ان لا نلغي الإحتمال انه خرج علينا بصفوة رجاله، لذلك حَدًدَ موعدا للنزال و لم ينسحب من سواحلنا،'
اجاب عمادالدين مطمئنا 'اعدك سيدي ان لا نستخف بجيوش هذا الرجل و ان نكون على أهبة الإستعداد،'
قال محذرا 'نحن امام جيوش منظمة أكثر من اي وقت مضى، هذا الرجل ليس لقمة سهلة، يجب ان نكسب هذه المعركة لنحدد امر و مصير بلادنا، اذهب و جهز المعسكر للسفر باكرا، امامنا يومين من السفر لبلوغ حطين للنزال،'
ذهب عمالدين و بقي صلاح الدين بمفرده في خيمته، فكر كثيرا برسالة ريتشارد له، فتح المخطوط من جديد و قرأه 'الى القائد صلاح الدين الأيوبي، وصلني عرضكم مشكورا، و قررت ان اختار مسار المعارك بيننا، فما قطعنا كل هذه المسافة من ديارنا لكي نتراجع بتاتا عن هدفنا، و هو تحرير القدس و عودتها الى حكم المملكة الرومانية المقدسة، كلانا قائدان لجيوش و حروب و نفهم انه بالرغم من قساوة الحروب الا ان نتيجتها ستريح الطرفين من نزاع دام لعقود طويلة بيننا، بل سُفِكَتْ دماء ابناءنا طويلا بسببه، فحان الوقت ليحسم بهذه المعركة، فالندع المعركة التي ارى ان تكون بعد يومين بالمكان الذي طلبته لتحدد مصير القدس بيننا، فانا على ثقة انك ستتقبل نتائجها مهما كانت مثلما سأتقبل نتائجها، و هذا وعد من قائد لقائد،'
اغمض صلاح الدين عينيه لبرهة من الزمن، فكان بقرارة نفسه يتمنى ان يتفادى هذه الحرب، و لكن خصمه عنيد و قد اختار، ضرب تحية لكلام ريتشارد بالمخطوط و قال في ذاته 'اعدك ان اكون ندأً لتاريخك العسكري العظيم يا قلب الاسد، فلو لم تكن كذلك لما خرجت علي بجيش قوامه نصف جيشي، بل فررت من امام جيوشنا الجرارة كالجبان، و اعدك كقائد انني سأتقبل نتيجتها مهما كانت،'
خرج من خيمته و نادى على عمادالدين، ارتفعت بالأجواء اصوات و ضجيج و إلتحام سيوف الجنود بكثافة و هي تتدرب على النزال، اتاه على وجه السرعة قائلا 'ما هي اوامر سيدي،'
'اريد سمية ان تأتي الى خيمتي،'
قال بتردد 'و ما حاجتنا الى عرافة...اعوذوا بالله من ذكر اسمها؟'
اجاب و صبره يكاد ينفذ منه 'عمادالدين ليس عندي احتمال لشيئ بهذه الأوقات، لا تكثر من الاسئلة، قل لها ان تأتيني على وجه السرعة، نفذ اوامري، هيا!!!'
قال بحذر 'سيدي اتسمح لي بسؤال آخر؟'
اجاب بمحاولة لإمتصاص قلق صديقه 'تفضل...اتحفنا بسؤالك،'
'هل ترسل آخر ليجلبها، استعوذ بالله ألف مرة و انا امر بجانب خيمتها...'
ضرب جبينه بيده و قال بصدمة 'واه مصيبتاه!!! قائد جنودي عماد الدين...اسد البراري و الوديان...يخاف من عرافة....كيف سأسلمك معركتنا مع الإفرنجة إذ انك تخاف من حرمة...'
اجاب و جبينه قد اكتسا بعرق التوتر 'انا لا احاف منها، و لكن اخاف من اصدقاء لها لا اراهم...حسنا...حسنا...قدري ان امون قاىد لجيوشك... انا ذاهب اليها سيدي،'
***********************************
وقفت الساحرة بوسط خيمة صلاح الدين و هي تمسك قارورة ماء بيدها، كانت قد تلت عليها بعض التعاويذ السحرية مسبقا لِتُسَهِلْ مهامها لرؤية المستقبل لبضعة ايام، اغمضت عينيها و ابتدأت تتمتم بصورة متكررة باللاتينية
Aperite Ianuam Temporis (1)
كررت الكلمات لفترة من الوقت ثم قالت لصلاح الدين و عمادالين 'ابتعدوا قليلا عني،' ابتعدا الرجلان و ابتدأت برش الماء بشكل دائري من حولها و هي تكمل ترداد الكلمات باللاتينية، فجأة تغيرت الأجواء داخل الخيمة، وجد الجمع نفسه بقلب معركة مهيبة يتصارع بها جنودهم مع الإفرنجة، كانت معركة شرسة حيث سمعوا بها صيحات القتال و صليل السيوف الجبار و صرخات الجنود و هي تذبح و تجرح من المعارك، فجأة رأى الجمع بعد برهة من الزمن الأفرنجة يتراجعون الى نواحي الساحل من ارض المعركة و فرسانهم يلحقون بهم، انتهت الرؤيا و غابت المشاهد من حولهم و عادت اجواء الخيمة الى سابق عهدها،
بلع ريقه عمادالدين و أبتدأت قطرات العرق بالظهور مجددا على جبينه، قال في ذاته و هو يرتجف بعض الشيئ 'اعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم هيا انصرف...ما هاذا الذي رايناه للتو يا سيدي؟'
اجابت سمية 'انا خدامي لا يخرجون عن طوعي و لا يؤذون احدا،' فجأة رشت بعض الماء من القارورة الى يسارها فرأتها واقفة بجانبها، لم يراها صلاح الدين و عمادالدين و لكن رأتها هي فقط، ابتسمت لصلاح الدين و قالت 'جعلتكم ترون بحسب ما منحتني اياه قواي من سلطان على رؤية الماضي و الحاضر و بعض من المستقبل، اما اكثر من هذا فلم يكتب لي ان اعطيكم، كل الدلائل تشير الى انتصار سيدي صلاح الدين بالمعركة،
اجابها و هو ثابت المقام امامها 'شكرا يا سمية، يمكنك الإنصراف،'
خرجت سمية و سارت بين الخيمات بالظلام قاصدة خيمتها التي كانت تبعد بعض الشيئ عن الخيمة الرئاسية، سارت ببطئ بين الجند الذين كانوا يسيرون بكثافة بالمخيم يُحَضِرونْ للرحيل الباكر حيث كانوا سينطلقون نحو المكان المتفق عليه للمعركة المرتقبة، سارت بخطى بطيئة بين المشاعل الكبيرة التي كانت تنتشر بأماكن مختلفة بالمخيم لإنارة طرقه للمارة، نظرت من حولها عن عَمدْ لتتأكد إن كانت تلحقها، فرأتها بوضوح و هي تراقب الرؤيا التي احدثتها للقائد في خيمته، لم تعرف من كانت و لكنها رأتها وسط نيران كاوية تطفو فوق الأرض فتيقنت على الفور انها من الجن الأحمر، كانت الجنية بالفعل طائرة فوق رمال المخيم تلحق بها فشعرت بأنها تتعمد تتبعها، و لكن ماذا كانت تريد منها؟ تَعَوًدَتْ ان تكون هي المبادرة لطلب خدام لها من نفس قوم تلك الجنية و لكن لآول مرة في تاريخها الطويل بالسحر تحاول جنية التقرب منها، فجأة اوقفت جندي كان يسير بخيله و سألته 'متى موعد تحرككم من المكان بالضبط؟ فاراكم تتجهزون للرحيل،'
اجابها 'سيدتي موعدنا الصباح الباكر قبل الفجر، سيتحرك المخيم بأكمله،'
شكرت سمية الجندي و أكملت مسيرها نحو خيمتها، فتحت مدخلها المصنوع من القماش و استدارت فجأة لتراها امامها، صرخت بها باللغة العربية 'ويحك ايتها التابعة، من انتِ و ماذا تفعلين بديارنا و بخيمتي؟'
انطفأت النيران عنها و هي تجيبها 'اسمي افروديت إلهة و معبودة الرومانيون قديما،'
فجأة شعرت سمية بهيبة قوية تجاهها، ابتسمت لها فحينما تلاشت النيران التي احاطت بها بان شكلها الإنسي بالكامل، كان مظهرها الخارجي جميل جدا و جذاب،
احنت لها رأسها قليلا احتراما لها ثم سألتها بفضول 'خدامي يشعرونني بهيبتك بين قومك، انتِ كان لكِ شأنك بايام روما العتيقة، كانت معابدهم تكرمك و تكرم جمالك لآلآف السنين و ارى الآن ان اسبابهم كانت وجيهة يا حسناء قومك، و لكن لماذا تخفين اسمك الحقيقي عني؟ و ماذا تستطيع ساحرة انسية مثلي تقديمه لمليكة بقومها،'
فجأة أشتعلت النيران من جديد و هاجت من حولها ألسنة لهب كبيرة جعلت سمية تعود الى الوراء من شدتها، انتشر الحَمْ من وهج نيران الجنية بصورة كبيرة و هي تقول بغضب 'اريد ان انتقم مِنْ مَنْ حرق قلبي، انتِ عندك ما قد ينفعني، انت ند لها،'
اجابت برهبة 'من هي هذه الإمرأة و ما شأني بحربك معها، اجوكِ يا سيدتي، لا اظنني امتلك سحر اقوى من سحركم، انتم ملوك السحر و انتم من تعطوننا قدراتنا، ارجوكِ، هل تتركيني بسلام،'
اكملت بغضب و النيران الكاوية تشتعل من حولها، ابتعدت سمية اكثر و ألْسِنَةُ اللهب تزداد حولها 'انت حرة لتقبلي او ترفضي، و لكن لرفضك ضريبة قاسية، مجريات المعركة التي اريتيها لسيدك صلاح الدين قد اغيرها، و قد اعمي أَعْيُنْ و دروب جنودكم بالمعركة و قد يخسرونها، انت ساحرة و لك خبرة طويلة بمجال السحر و تعلمين ان لرفضكم طاعتنا ضريبة و عقوبة قاسية، حينها سيدك صلاح الدين لن يرحمك لأنه سيعرف ان سحرك خائب و أنك خدعتيه و سينبذك بعيدا عن قومه!!! و او ربما يروق لكِ اكثر إن ضَمِنْتُ أَسْرُكِ على يداي الإفرنجة و انت تعلمين ما يفعلوه قوم الملك ريتشارد بالسحرة، الجلد حتى الموت او حرقكم و أنتم على قيد الحياة!!! انت حرة!!!'
ابتدأت الجنية بالتلاشي من امامها لتركع سمية و تصرخ صرخة مدوية ورائها 'انتظري!!! لا ترحلي!!! سأطيعك بما تطلبين!!!'
عادت ألسنة اللهب الى اوجها امامها، اكملت سمية و هي على ركبيتها 'سمعا و طاعة لمليكة الجان الأحمر، ما هي اوامرك،'...يتبع
******************************************************
1...كلمات باللاتينية تعني افتح يا باب الزمن،
التعليقات