بريطانيا وإسرائيل: حين تنتفض أوروبا المحتضرة على 'بنت أمريكا المدللة'
جراسا - اكثم الخريشة- في دهاليز الدبلوماسية الدولية، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك الخيوط، يبرز مشهد غير مألوف للعيان: خلاف متصاعد بين لندن وتل أبيب. للوهلة الأولى، قد يبدو للرأي العام أن هذا التوتر نابع من حرص بريطاني مفاجئ على حقوق الشعب الفلسطيني، أو من يقظة أخلاقية متأخرة في وجدان أوروبا. غير أن الحقيقة، كما تكشفها قراءة متأنية لخرائط النفوذ والاقتصاد، أبعد ما تكون عن هذا الطرح الرومانسي.
إن ما يجري اليوم بين بريطانيا وإسرائيل ليس أكثر من مناورة سياسية باردة، هدفها الأساسي ليس فلسطين، بل واشنطن. فبريطانيا، التي كانت أول من فرّخ الكيان الإسرائيلي في قلب الشرق الأوسط عبر "وعد بلفور" المشؤوم عام 1917، تجد نفسها اليوم أمام واقع مرير: قارة عجوز تحتضر اقتصادياً، وأسواق تقليدية تتفكك، ونفوذ يتآكل أمام صعود قوى جديدة.
فبعد عقود من الاعتماد على الغاز والنفط العربيين، ومن ثم على الأسواق الآسيوية، وجدت أوروبا نفسها خارج المعادلة. الحرب في أوكرانيا قصمت ظهر الاقتصاد الأوروبي، والعقوبات على روسيا انعكست وبالاً على الصناعات الأوروبية، والصين لم تعد سوقاً مفتوحة كما كانت. وهنا، يبرز السؤال: من أين تعوّض أوروبا خسائرها؟ الجواب واضح: الشرق الأوسط.
لكن إسرائيل، "البنت المدللة" لأمريكا، تقف حجر عثرة أمام أي تسوية كبرى في المنطقة. فهي تريد أن تبقى القوة الوحيدة المهيمنة، مدعومة بغطاء أمريكي غير مشروط، بينما تريد أوروبا، وبريطانيا في مقدمتها، أن يكون لها نصيب من "الحصة" في أي سلام عالمي مرتقب. سلام لن يتحقق إلا إذا تم كبح جماح تل أبيب.
وهنا يتكشف المشهد الحقيقي: بريطانيا لا تختلف مع إسرائيل من أجل فلسطين، بل من أجل الضغط على واشنطن. فالمملكة المتحدة، التي خرجت من الاتحاد الأوروبي وهي تبحث عن دور عالمي جديد، تعي جيداً أن أي تحرك ضد إسرائيل هو تحرك غير مباشر ضد الولايات المتحدة. فإسرائيل ليست سوى امتداد للمشروع الأمريكي في الشرق الأوسط، وكل ضربة توجه إليها هي ضربة إلى الهيمنة الأمريكية.
لقد ذاقت أوروبا الويلات اقتصادياً. لم يعد لها أسواق في الشرق الأوسط، ولا حتى في آسيا. والصين تسحب البساط من تحت أقدامها في إفريقيا، وروسيا تعيد ترتيب أوراقها في آسيا الوسطى. فلم يبقَ أمام القارة العجوز سوى محاولة "محاصرة" أمريكا في الشرق الأوسط، عبر إسرائيل، علّها تنتزع لنفسها مقعداً على طاولة الترتيبات الإقليمية.
بريطانيا، التي تتحمل وزر "وعد بلفور" وكل المآسي التي تلته، تعرف أن اللعبة كبرت عن كونها مجرد خلاف على المستوطنات أو المساعدات الإنسانية. إنها لعبة نفوذ. لعبة أسواق. لعبة من سيرث "الحصة" بعد أن تهدأ الحرب، وتُرفع الرايات، وتُوقّع الاتفاقات.
إن ما نراه اليوم من تصريحات بريطانية "ناقدة" لإسرائيل ليس سوى واجهة دبلوماسية لمشروع أوروبي أكبر: إضعاف الموقع الأمريكي عبر وكيله الإسرائيلي، لعلّ أوروبا المحتضرة تجد لها متنفساً في شرق أوسط جديد، تُرسم فيه الخرائط من جديد، وتُوزع فيه الغنائم على من يملك القوة، لا على من يملك الحق.
وهكذا، تبقى فلسطين، كما كانت دائماً، الضحية الصامتة في معادلة القوى. لا بريطانيا ولا أوروبا ولا أمريكا ولا إسرائيل تحركها قضية فلسطين. كل ما في الأمر أن الجميع يبحث عن مكان تحت الشمس، حتى لو كان ذلك على حساب دماء الأبرياء.
المصير المجهول للشرق الأوسط لا يحدده الفلسطينيون، بل يحدده صراع النفوذ بين واشنطن ولندن وباريس وبرلين. أما إسرائيل، "البنت المدللة"، فقد تجد نفسها يوماً ما وحدها، حين يقرر "الأب" الأمريكي أن الوقت قد حان لتقديم تنازلات، ليس من أجل السلام، بل من أجل الحفاظ على ما تبقى من هيبته.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأبدية: عندما تتصارع القوى العظمى، يدفع الصغار الثمن. وفلسطين، للأسف، ليست استثناءً.
اكثم الخريشة- في دهاليز الدبلوماسية الدولية، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك الخيوط، يبرز مشهد غير مألوف للعيان: خلاف متصاعد بين لندن وتل أبيب. للوهلة الأولى، قد يبدو للرأي العام أن هذا التوتر نابع من حرص بريطاني مفاجئ على حقوق الشعب الفلسطيني، أو من يقظة أخلاقية متأخرة في وجدان أوروبا. غير أن الحقيقة، كما تكشفها قراءة متأنية لخرائط النفوذ والاقتصاد، أبعد ما تكون عن هذا الطرح الرومانسي.
إن ما يجري اليوم بين بريطانيا وإسرائيل ليس أكثر من مناورة سياسية باردة، هدفها الأساسي ليس فلسطين، بل واشنطن. فبريطانيا، التي كانت أول من فرّخ الكيان الإسرائيلي في قلب الشرق الأوسط عبر "وعد بلفور" المشؤوم عام 1917، تجد نفسها اليوم أمام واقع مرير: قارة عجوز تحتضر اقتصادياً، وأسواق تقليدية تتفكك، ونفوذ يتآكل أمام صعود قوى جديدة.
فبعد عقود من الاعتماد على الغاز والنفط العربيين، ومن ثم على الأسواق الآسيوية، وجدت أوروبا نفسها خارج المعادلة. الحرب في أوكرانيا قصمت ظهر الاقتصاد الأوروبي، والعقوبات على روسيا انعكست وبالاً على الصناعات الأوروبية، والصين لم تعد سوقاً مفتوحة كما كانت. وهنا، يبرز السؤال: من أين تعوّض أوروبا خسائرها؟ الجواب واضح: الشرق الأوسط.
لكن إسرائيل، "البنت المدللة" لأمريكا، تقف حجر عثرة أمام أي تسوية كبرى في المنطقة. فهي تريد أن تبقى القوة الوحيدة المهيمنة، مدعومة بغطاء أمريكي غير مشروط، بينما تريد أوروبا، وبريطانيا في مقدمتها، أن يكون لها نصيب من "الحصة" في أي سلام عالمي مرتقب. سلام لن يتحقق إلا إذا تم كبح جماح تل أبيب.
وهنا يتكشف المشهد الحقيقي: بريطانيا لا تختلف مع إسرائيل من أجل فلسطين، بل من أجل الضغط على واشنطن. فالمملكة المتحدة، التي خرجت من الاتحاد الأوروبي وهي تبحث عن دور عالمي جديد، تعي جيداً أن أي تحرك ضد إسرائيل هو تحرك غير مباشر ضد الولايات المتحدة. فإسرائيل ليست سوى امتداد للمشروع الأمريكي في الشرق الأوسط، وكل ضربة توجه إليها هي ضربة إلى الهيمنة الأمريكية.
لقد ذاقت أوروبا الويلات اقتصادياً. لم يعد لها أسواق في الشرق الأوسط، ولا حتى في آسيا. والصين تسحب البساط من تحت أقدامها في إفريقيا، وروسيا تعيد ترتيب أوراقها في آسيا الوسطى. فلم يبقَ أمام القارة العجوز سوى محاولة "محاصرة" أمريكا في الشرق الأوسط، عبر إسرائيل، علّها تنتزع لنفسها مقعداً على طاولة الترتيبات الإقليمية.
بريطانيا، التي تتحمل وزر "وعد بلفور" وكل المآسي التي تلته، تعرف أن اللعبة كبرت عن كونها مجرد خلاف على المستوطنات أو المساعدات الإنسانية. إنها لعبة نفوذ. لعبة أسواق. لعبة من سيرث "الحصة" بعد أن تهدأ الحرب، وتُرفع الرايات، وتُوقّع الاتفاقات.
إن ما نراه اليوم من تصريحات بريطانية "ناقدة" لإسرائيل ليس سوى واجهة دبلوماسية لمشروع أوروبي أكبر: إضعاف الموقع الأمريكي عبر وكيله الإسرائيلي، لعلّ أوروبا المحتضرة تجد لها متنفساً في شرق أوسط جديد، تُرسم فيه الخرائط من جديد، وتُوزع فيه الغنائم على من يملك القوة، لا على من يملك الحق.
وهكذا، تبقى فلسطين، كما كانت دائماً، الضحية الصامتة في معادلة القوى. لا بريطانيا ولا أوروبا ولا أمريكا ولا إسرائيل تحركها قضية فلسطين. كل ما في الأمر أن الجميع يبحث عن مكان تحت الشمس، حتى لو كان ذلك على حساب دماء الأبرياء.
المصير المجهول للشرق الأوسط لا يحدده الفلسطينيون، بل يحدده صراع النفوذ بين واشنطن ولندن وباريس وبرلين. أما إسرائيل، "البنت المدللة"، فقد تجد نفسها يوماً ما وحدها، حين يقرر "الأب" الأمريكي أن الوقت قد حان لتقديم تنازلات، ليس من أجل السلام، بل من أجل الحفاظ على ما تبقى من هيبته.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأبدية: عندما تتصارع القوى العظمى، يدفع الصغار الثمن. وفلسطين، للأسف، ليست استثناءً.
تعليقات القراء
أكتب تعليقا
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. - يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |


الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...