الصراعات المركّبة وتسليح التضليل في خدمة التطرف العنيف
محمود عبد المحسن المرزوق باحث في الدراسات الأمنية ومكافحة الإرهاب
لم تعد الصراعات الإقليمية محصورة في ساحات القتال، بل تعبر الحدود عبر الاقتصاد والسياسة وحركة الناس، وتصل اليوم أيضًا عبر الهواتف والشاشات، حاملة معها صور الحرب وخطابها وانفعالاتها.قد تكون الصورة حقيقية، لكن من دون سياقها، وقد يكون التسجيل قديمًا ويُقدَّم باعتباره حدثًا جديدًا، وقد تكون الحادثة نفسها صحيحة، ثم تُحاط بروايات مختلقة تغيّر معناها بالكامل. وفي أحيان أخرى، لا تكون المشكلة في اختلاق الواقع، بل في إعادة صياغة الواقع لخدمة رواية معينة.
فالتضليل لا يقود تلقائيًا إلى التطرف العنيف، ولا يمكن اختزال مسارات التطرف في عامل واحد. فالراديكالية العنيفة عملية معقدة تتداخل فيها عوامل سياسية واجتماعية ونفسية وفكرية. لكن السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا يحدث عندما يدخل التضليل إلى بيئة تحمل في الأصل مظالم حقيقية، وخوفًا وغضبًا وانعدامًا للثقة؟
كان يُنظر تقليديًا إلى تداعيات الحروب من خلال النزوح والاضطراب الاقتصادي وتهريب الأسلحة وأمن الحدود وانتقال الجماعات المسلحة. أما اليوم، فيمكن للصراع أن يصل إلى الإنسان من دون أن يعبر الحدود. فخلال أزمة واحدة، قد يتعرض الشخص لعشرات أو مئات المواد المرتبطة بالصراع؛ قد يكون بعضها صحيحًا، وبعضها مضللًا، وبعضها مفبركًا بشكل متعمد، وبعضها صحيحًا في أصله لكنه منزوع من سياقه.
ومع التكرار، لا يعود السؤال فقط: هل صدّق الشخص معلومة كاذبة؟ بل يصبح: كيف أثرت هذه الروايات في رؤيته للحدث؟ من يراه ضحية؟ ومن يراه مسؤولًا؟ وهل بدأ ينظر إلى جماعة بأكملها باعتبارها عدوًا؟
الحروب تنتج معاناة حقيقية، والصراعات السياسية تخلق غضبًا حقيقيًا، والخوف والخسارة والإهانة تجارب لا تحتاج إلى اختلاق. هناك فرق بين الاعتقاد بأنه وقع ظلم، والاعتقاد بأن شعبًا بأكمله مسؤول عنه. وهناك فرق بين معارضة حكومة، والاعتقاد بأن العنف ضد المدنيين أصبح مشروعًا. وهناك فرق بين الغضب من حرب، والاقتناع بأن العنف هو الطريق الوحيد الممكن.
تشير أبحاث حديثة للمركز الدولي لمكافحة الإرهاب إلى أن التضليل القائم على الهوية يمكن أن يعمق الاستقطاب ويستغل الانتماء لدفع المجتمعات نحو مزيد من الانقسام والتطرف. كما خلصت أبحاث أخرى إلى أن الجماعات المتطرفة تستخدم التضليل لبناء المصداقية، ونشر الكراهية، ودعم التجنيد والتعبئة. لكن الخطر الأكبر ربما لا يكون أن يصدق الناس كل كذبة، بل الخطر أن يصلوا إلى مرحلة لا يثقون فيها بأي حقيقة.
عندما تصبح كل صورة قابلة للرفض باعتبارها مزيفة، وكل مؤسسة متهمة بإخفاء الحقيقة، وكل تصحيح موصوفًا بأنه دعاية، تتحول المشكلة من أزمة معلومات إلى أزمة ثقة. وهنا تحتاج الجماعات المتطرفة إلى واقع معقد يمكن اختزاله إلى «نحن وهم»، وظلم يمكن تحويله إلى انتقام، وهوية يمكن تحويلها إلى حدود تفصل بين من ينتمي ومن لا ينتمي.
المنصات الرقمية لم تخترع هذه الأساليب؛ فالدعاية المتطرفة أقدم منها بكثير، لكن البيئة الرقمية جعلت الرسالة أسرع انتشارًا، وأسهل تعديلًا، وأكثر قدرة على الوصول إلى جماهير مختلفة في الوقت نفسه.
يضيف الذكاء الاصطناعي بُعدًا جديدًا إلى هذه المعادلة. فالخطر الأكثر واقعية ليس بأن يخلق الذكاء الاصطناعي الإرهاب من تلقاء نفسه، بل أن يجعل إنتاج المحتوى المؤثر وتعديله وترجمته وتخصيصه أسرع وأقل تكلفة. فيمكن تعديل الصورة، أو تقليد الصوت، أو ترجمة الرسالة، أو تكييف الرواية لجمهور مختلف خلال وقت قصير، ثم توزيعها عبر منصات متعددة. وهذا مهم لأن الدعاية تعتمد على الوصول والتكرار والقدرة على مخاطبة الجمهور بلغته.
ولهذا بدأت المؤسسات الدولية تتعامل مع المسألة باعتبارها تحديًا قائمًا بالفعل. ففي شباط ٢٠٢٦، أطلق مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب دليلًا مخصصًا للذكاء الاصطناعي والوقاية من التطرف العنيف، يتضمن أدوات لتقييم المخاطر، والاعتبارات الحقوقية والأخلاقية، والاستعداد المؤسسي. والمغزى هنا ليس أن التكنولوجيا ستغير الإرهاب بين ليلة وضحاها، بل أن أدوات التأثير نفسها تتغير.
ربما تبدأ الوقاية قبل الدعاية المتطرفة. لذلك، ربما نحتاج إلى توسيع السؤال التقليدي في مكافحة التطرف العنيف. بدلًا من أن نسأل فقط: كيف نمنع الفرد من الوصول إلى الدعاية المتطرفة؟ علينا أن نسأل أيضًا: ما الذي سبق تلك الدعاية؟ ما الروايات التي شاهدها مرارًا؟ ما مقدار ثقته بالمؤسسات؟ كيف فهم الصراع؟ هل يرى الاختلاف السياسي طبيعيًا؟ وهل تحولت المظلمة في ذهنه من قضية محددة إلى حكم شامل على جماعة أو مجتمع؟ هذه الأسئلة لا تلغي مكافحة الإرهاب التقليدية؛ بل تكملها.
والوقاية هنا لا تعني مراقبة أفكار الناس أو قمع الخلاف السياسي أو اعتبار الغضب تطرفًا، بل تعني بناء قدرة أفضل على التمييز بين الحقيقة والتلاعب، وبين المظلمة وتحميل الجماعة بأكملها مسؤوليتها.
وهنا، الأردن يقدم مثالًا واقعيًا على ذلك. فموقع المملكة في منطقة تتقاطع فيها أزمات وصراعات متعددة يجعلها عرضة لتداعيات تتجاوز الحدود التقليدية للأمن. وفي ٣١ آب ٢٠٢٦، أعلنت القوات المسلحة الأردنية اعتراض ثمانية صواريخ دخلت المجال الجوي للمملكة. وأكدت التقارير أن الصواريخ أُسقطت قبل أن تشكل تهديدًا للسكان أو الممتلكات.
لكن أهمية الحدث لا تتوقف عند اعتراض الصواريخ. ففي اللحظة التي دخل فيها التهديد المجال الجوي، دخلت معه روايات متنافسة إلى المجال المعلوماتي: ماذا استُهدف؟ ما حجم الضرر؟ من المسؤول؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة للأردن؟
وهنا يظهر الدور الأردني بصورة مختلفة. فحماية المجال الوطني لا تعني فقط التعامل مع المقذوفات، بل أيضًا إدارة المعلومة في الوقت المناسب، والاعتماد على المصادر الرسمية، والحفاظ على وضوح الموقف الوطني، ومنع الروايات الخارجية من التحول إلى انقسام داخلي. وهذا يتسق مع طبيعة الاستجابة الأردنية التي ركزت على حماية السيادة والتعامل مع التهديد باعتباره مسألة أمن وطني، وليس مجرد امتداد للصراع بين أطراف أخرى.
قد تتمكن الدولة من اعتراض الصاروخ في السماء، لكنها تحتاج أيضًا إلى منع الرواية المحيطة به من التحول إلى سلاح يستهدف تماسكها الاجتماعي. وهنا تتغير طبيعة مفهوم الأمن نفسه. فحماية الدولة لم تعد تقتصر على الحدود والمجال الجوي؛ بل تشمل أيضًا الفضاء الرقمي الذي تتنافس داخله الروايات حول معنى الأحداث.
ولا يعني ذلك عزل المجتمع عن محيطه أو تقييد النقاش حول الحرب. فالمجتمع القادر على الصمود ليس المجتمع الذي يفكر أفراده بالطريقة نفسها، بل المجتمع الذي يستطيع أفراده الاختلاف بشدة من دون أن يتحول الاختلاف إلى كراهية، أو تتحول المظلمة إلى مبرر للعنف. ولهذا، فإن الصمود المجتمعي في منطقة مضطربة ليس مجرد هدف اجتماعي، بل جزء من الأمن الوطني.
إذا كانت الصراعات تنتقل عبر المعلومات، وإذا كان التضليل قادرًا على تضخيم المظالم، وإذا كانت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يخفضان كلفة التأثير، فإن الاستجابة لا يمكن أن تكون مجرد إصدار مزيد من البيانات الرسمية، بل الحاجة إلى منظومة أكثر ذكاءً تقوم على خمسة عناصر مترابطة: مؤسسات موثوقة، وإعلام مهني، وثقافة رقمية، وأصوات قادرة على الوصول إلى الناس، ومؤسسات قادرة على رصد التضليل والاستجابة له بسرعة، من دون الخلط بين الاختلاف المشروع والتهديد الأمني.
وهذا يتطلب أيضًا تعاونًا أكثر جدية بين الحكومات والمنصات الرقمية ومؤسسات المجتمع المدني والباحثين، مع الحفاظ على الحقوق والحريات وعدم تحويل مكافحة التضليل إلى ذريعة للرقابة غير المنضبطة. فالهدف ليس أن تمنع الدولة الناس من رؤية الصراع؛ الهدف أن تمنع الصراع من أن يحدد الطريقة التي يرون بها بعضهم بعضًا.
في عصر الصراعات المركبة، لم تعد حماية البيئة المعلوماتية مسألة اتصال فقط، بل جزءًا من حماية الثقة العامة، والحفاظ على التماسك الاجتماعي، ومنع المظالم المشروعة من أن تتحول إلى روايات تستغلها الجماعات المتطرفة.
قد تكون ساحة المعركة في مكان آخر، لكن الصراع على كيفية فهم تلك المعركة يمكن أن يحدث في أي مكان.
محمود عبد المحسن المرزوق باحث في الدراسات الأمنية ومكافحة الإرهاب
قد تكون الصورة حقيقية، لكن من دون سياقها، وقد يكون التسجيل قديمًا ويُقدَّم باعتباره حدثًا جديدًا، وقد تكون الحادثة نفسها صحيحة، ثم تُحاط بروايات مختلقة تغيّر معناها بالكامل. وفي أحيان أخرى، لا تكون المشكلة في اختلاق الواقع، بل في إعادة صياغة الواقع لخدمة رواية معينة.
فالتضليل لا يقود تلقائيًا إلى التطرف العنيف، ولا يمكن اختزال مسارات التطرف في عامل واحد. فالراديكالية العنيفة عملية معقدة تتداخل فيها عوامل سياسية واجتماعية ونفسية وفكرية. لكن السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا يحدث عندما يدخل التضليل إلى بيئة تحمل في الأصل مظالم حقيقية، وخوفًا وغضبًا وانعدامًا للثقة؟
كان يُنظر تقليديًا إلى تداعيات الحروب من خلال النزوح والاضطراب الاقتصادي وتهريب الأسلحة وأمن الحدود وانتقال الجماعات المسلحة. أما اليوم، فيمكن للصراع أن يصل إلى الإنسان من دون أن يعبر الحدود. فخلال أزمة واحدة، قد يتعرض الشخص لعشرات أو مئات المواد المرتبطة بالصراع؛ قد يكون بعضها صحيحًا، وبعضها مضللًا، وبعضها مفبركًا بشكل متعمد، وبعضها صحيحًا في أصله لكنه منزوع من سياقه.
ومع التكرار، لا يعود السؤال فقط: هل صدّق الشخص معلومة كاذبة؟ بل يصبح: كيف أثرت هذه الروايات في رؤيته للحدث؟ من يراه ضحية؟ ومن يراه مسؤولًا؟ وهل بدأ ينظر إلى جماعة بأكملها باعتبارها عدوًا؟
الحروب تنتج معاناة حقيقية، والصراعات السياسية تخلق غضبًا حقيقيًا، والخوف والخسارة والإهانة تجارب لا تحتاج إلى اختلاق. هناك فرق بين الاعتقاد بأنه وقع ظلم، والاعتقاد بأن شعبًا بأكمله مسؤول عنه. وهناك فرق بين معارضة حكومة، والاعتقاد بأن العنف ضد المدنيين أصبح مشروعًا. وهناك فرق بين الغضب من حرب، والاقتناع بأن العنف هو الطريق الوحيد الممكن.
تشير أبحاث حديثة للمركز الدولي لمكافحة الإرهاب إلى أن التضليل القائم على الهوية يمكن أن يعمق الاستقطاب ويستغل الانتماء لدفع المجتمعات نحو مزيد من الانقسام والتطرف. كما خلصت أبحاث أخرى إلى أن الجماعات المتطرفة تستخدم التضليل لبناء المصداقية، ونشر الكراهية، ودعم التجنيد والتعبئة. لكن الخطر الأكبر ربما لا يكون أن يصدق الناس كل كذبة، بل الخطر أن يصلوا إلى مرحلة لا يثقون فيها بأي حقيقة.
عندما تصبح كل صورة قابلة للرفض باعتبارها مزيفة، وكل مؤسسة متهمة بإخفاء الحقيقة، وكل تصحيح موصوفًا بأنه دعاية، تتحول المشكلة من أزمة معلومات إلى أزمة ثقة. وهنا تحتاج الجماعات المتطرفة إلى واقع معقد يمكن اختزاله إلى «نحن وهم»، وظلم يمكن تحويله إلى انتقام، وهوية يمكن تحويلها إلى حدود تفصل بين من ينتمي ومن لا ينتمي.
المنصات الرقمية لم تخترع هذه الأساليب؛ فالدعاية المتطرفة أقدم منها بكثير، لكن البيئة الرقمية جعلت الرسالة أسرع انتشارًا، وأسهل تعديلًا، وأكثر قدرة على الوصول إلى جماهير مختلفة في الوقت نفسه.
يضيف الذكاء الاصطناعي بُعدًا جديدًا إلى هذه المعادلة. فالخطر الأكثر واقعية ليس بأن يخلق الذكاء الاصطناعي الإرهاب من تلقاء نفسه، بل أن يجعل إنتاج المحتوى المؤثر وتعديله وترجمته وتخصيصه أسرع وأقل تكلفة. فيمكن تعديل الصورة، أو تقليد الصوت، أو ترجمة الرسالة، أو تكييف الرواية لجمهور مختلف خلال وقت قصير، ثم توزيعها عبر منصات متعددة. وهذا مهم لأن الدعاية تعتمد على الوصول والتكرار والقدرة على مخاطبة الجمهور بلغته.
ولهذا بدأت المؤسسات الدولية تتعامل مع المسألة باعتبارها تحديًا قائمًا بالفعل. ففي شباط ٢٠٢٦، أطلق مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب دليلًا مخصصًا للذكاء الاصطناعي والوقاية من التطرف العنيف، يتضمن أدوات لتقييم المخاطر، والاعتبارات الحقوقية والأخلاقية، والاستعداد المؤسسي. والمغزى هنا ليس أن التكنولوجيا ستغير الإرهاب بين ليلة وضحاها، بل أن أدوات التأثير نفسها تتغير.
ربما تبدأ الوقاية قبل الدعاية المتطرفة. لذلك، ربما نحتاج إلى توسيع السؤال التقليدي في مكافحة التطرف العنيف. بدلًا من أن نسأل فقط: كيف نمنع الفرد من الوصول إلى الدعاية المتطرفة؟ علينا أن نسأل أيضًا: ما الذي سبق تلك الدعاية؟ ما الروايات التي شاهدها مرارًا؟ ما مقدار ثقته بالمؤسسات؟ كيف فهم الصراع؟ هل يرى الاختلاف السياسي طبيعيًا؟ وهل تحولت المظلمة في ذهنه من قضية محددة إلى حكم شامل على جماعة أو مجتمع؟ هذه الأسئلة لا تلغي مكافحة الإرهاب التقليدية؛ بل تكملها.
والوقاية هنا لا تعني مراقبة أفكار الناس أو قمع الخلاف السياسي أو اعتبار الغضب تطرفًا، بل تعني بناء قدرة أفضل على التمييز بين الحقيقة والتلاعب، وبين المظلمة وتحميل الجماعة بأكملها مسؤوليتها.
وهنا، الأردن يقدم مثالًا واقعيًا على ذلك. فموقع المملكة في منطقة تتقاطع فيها أزمات وصراعات متعددة يجعلها عرضة لتداعيات تتجاوز الحدود التقليدية للأمن. وفي ٣١ آب ٢٠٢٦، أعلنت القوات المسلحة الأردنية اعتراض ثمانية صواريخ دخلت المجال الجوي للمملكة. وأكدت التقارير أن الصواريخ أُسقطت قبل أن تشكل تهديدًا للسكان أو الممتلكات.
لكن أهمية الحدث لا تتوقف عند اعتراض الصواريخ. ففي اللحظة التي دخل فيها التهديد المجال الجوي، دخلت معه روايات متنافسة إلى المجال المعلوماتي: ماذا استُهدف؟ ما حجم الضرر؟ من المسؤول؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة للأردن؟
وهنا يظهر الدور الأردني بصورة مختلفة. فحماية المجال الوطني لا تعني فقط التعامل مع المقذوفات، بل أيضًا إدارة المعلومة في الوقت المناسب، والاعتماد على المصادر الرسمية، والحفاظ على وضوح الموقف الوطني، ومنع الروايات الخارجية من التحول إلى انقسام داخلي. وهذا يتسق مع طبيعة الاستجابة الأردنية التي ركزت على حماية السيادة والتعامل مع التهديد باعتباره مسألة أمن وطني، وليس مجرد امتداد للصراع بين أطراف أخرى.
قد تتمكن الدولة من اعتراض الصاروخ في السماء، لكنها تحتاج أيضًا إلى منع الرواية المحيطة به من التحول إلى سلاح يستهدف تماسكها الاجتماعي. وهنا تتغير طبيعة مفهوم الأمن نفسه. فحماية الدولة لم تعد تقتصر على الحدود والمجال الجوي؛ بل تشمل أيضًا الفضاء الرقمي الذي تتنافس داخله الروايات حول معنى الأحداث.
ولا يعني ذلك عزل المجتمع عن محيطه أو تقييد النقاش حول الحرب. فالمجتمع القادر على الصمود ليس المجتمع الذي يفكر أفراده بالطريقة نفسها، بل المجتمع الذي يستطيع أفراده الاختلاف بشدة من دون أن يتحول الاختلاف إلى كراهية، أو تتحول المظلمة إلى مبرر للعنف. ولهذا، فإن الصمود المجتمعي في منطقة مضطربة ليس مجرد هدف اجتماعي، بل جزء من الأمن الوطني.
إذا كانت الصراعات تنتقل عبر المعلومات، وإذا كان التضليل قادرًا على تضخيم المظالم، وإذا كانت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يخفضان كلفة التأثير، فإن الاستجابة لا يمكن أن تكون مجرد إصدار مزيد من البيانات الرسمية، بل الحاجة إلى منظومة أكثر ذكاءً تقوم على خمسة عناصر مترابطة: مؤسسات موثوقة، وإعلام مهني، وثقافة رقمية، وأصوات قادرة على الوصول إلى الناس، ومؤسسات قادرة على رصد التضليل والاستجابة له بسرعة، من دون الخلط بين الاختلاف المشروع والتهديد الأمني.
وهذا يتطلب أيضًا تعاونًا أكثر جدية بين الحكومات والمنصات الرقمية ومؤسسات المجتمع المدني والباحثين، مع الحفاظ على الحقوق والحريات وعدم تحويل مكافحة التضليل إلى ذريعة للرقابة غير المنضبطة. فالهدف ليس أن تمنع الدولة الناس من رؤية الصراع؛ الهدف أن تمنع الصراع من أن يحدد الطريقة التي يرون بها بعضهم بعضًا.
في عصر الصراعات المركبة، لم تعد حماية البيئة المعلوماتية مسألة اتصال فقط، بل جزءًا من حماية الثقة العامة، والحفاظ على التماسك الاجتماعي، ومنع المظالم المشروعة من أن تتحول إلى روايات تستغلها الجماعات المتطرفة.
قد تكون ساحة المعركة في مكان آخر، لكن الصراع على كيفية فهم تلك المعركة يمكن أن يحدث في أي مكان.
تعليقات القراء
أكتب تعليقا
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. - يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |


الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...