عزّام_باشا_الرواحنة… حين تصبح الخبرة الوطنية قيمة عالية التكلفة لا ينبغي أن تُهدر


محمود عبدالمحسن المرزوق
ليست كل الخبرات الوطنية تُقاس بعدد السنوات التي قضاها صاحبها في الخدمة، ولا بعدد المناصب التي شغلها فبعض الرجال تتجاوز قيمتهم حدود المنصب، وتصبح خبرتهم رصيداً وطنياً لا ينبغي أن يُهدر.
خلال مسيرتي العسكرية والمهنية، أتيحت لي فرصة العمل والاحتكاك المباشر مع العديد من القيادات العسكرية والأمنية على المستويين الوطني والدولي. لكن من بين هذه الشخصيات، يبقى #اللواء_المتقاعد_عزام_الرواحنة نموذجاً استثنائياً في الفكر الاستراتيجي، والرؤية بعيدة المدى، والقدرة على تحويل الأفكار إلى برامج عمل ومؤسسات فاعلة.
أقول ذلك ليس من باب المجاملة، وليس لأن التقاعد يقتضي كلمات الوفاء، وإنما من واقع معرفة مهنية امتدت لسنوات، عملت خلالها معه من مسافة الصفر وكنت على تماس مباشر مع ملفات وبرامج كشفت لي بوضوح قيمة الرجل المهنية والفكرية.
عرفت الرواحنة خلال عملي في مركز مكافحة الإرهاب والتطرف وكلية الدفاع الوطني الملكية الأردنية، ومن خلال برامج وشراكات وزيارات عمل دولية، وفي مقدمتها التعاون مع مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية (NESA) وجامعة الدفاع الوطني الأمريكية (NDU) ومركز الابحاث والدراسات الاستراتيجية التابع لها. وهناك لم أتعرف فقط إلى قائد عسكري صاحب مسيرة حافلة، بل إلى عقل استراتيجي أردني يعرف كيف يقرأ المشهد، ويربط الأحداث، ويرى ما وراء التفاصيل، ويحوّل المعرفة والخبرة إلى رؤية تخدم المصلحة الوطنية.
ما يميز الرواحنة، في تقديري، ليس حجم المناصب التي شغلها، وإنما نوعية الأثر الذي تركه فيها. فقد امتلك فكراً عميقاً ومتزناً، وقدرة لافتة على التحليل واستشراف الاتجاهات وصياغة الرؤى والحلول في قضايا أمنية ووطنية وإقليمية ودولية. وكان يؤمن بأن قوة المؤسسات لا تُقاس فقط بما تمتلكه من أدوات، وإنما بما تمتلكه من معرفة، وبما تبنيه من قيادات قادرة على التفكير وتقدير الموقف واتخاذ القرار.
ومن خلال المشاركات والزيارات واللقاءات مع مؤسسات الفكر والدفاع الدولية، لمست بنفسي حجم التقدير والاحترام الذي يحظى به لدى شركاء الأردن الدوليين، وفي مقدمتهم جامعة الدفاع الوطني الأمريكية ومؤسساتها البحثية، ومركز NESA. ولم يكن ذلك التقدير قائم على الرتبة أو المنصب، بل على ما يمثله من خبرة أردنية قادرة على الحوار والتحليل وبناء الجسور وتقديم رؤية متوازنة لقضايا الأمن والاستقرار في منطقة شديدة التعقيد.
وكان واضحاً في تجربته أن الأمن في مفهومه الأوسع لا يُبنى بالقوة وحدها بل بالفكر والمعرفة والتعليم وبناء الشراكات التي تمنح الدولة قدرة أكبر على فهم بيئتها والتعامل مع متغيراتها. ومن هذا المنطلق، كان الباشا له إسهام مهم في تطوير الشراكات الأكاديمية والعسكرية الدولية، وتعزيز حضور كلية الدفاع الوطني الملكية الأردنية وتوسيع آفاق التعاون مع مؤسسات الفكر والدفاع على المستوى الإقليمي والدولي.
ومن هذه الزاوية تحديداً، أرى أن اللواء الركن المتقاعد عزّام الرواحنة يمثل قيمة وطنية عالية التكلفة بما يحمله من خبرة استراتيجية وأمنية، وتجربة مؤسسية، ومعرفة بالبيئة الإقليمية والدولية، وقدرة على بناء الشراكات وربط المؤسسات الوطنية بمراكز الفكر وصناعة القرار.
قد تتغير المواقع، وتنتهي المسؤوليات، وتتبدل العناوين، لكن بعض الرجال تبقى قيمتهم أكبر من المنصب الذي شغلوه. وأرى أن عزّام الرواحنة واحد من أولئك الذين ينبغي أن يُنظر إلى خبرتهم ليس باعتبارها جزءاً من الماضي، وإنما رصيداً وطنياً يمكن أن يصنع فرقاً في المستقبل.
حفظ الله الأردن ووفق أبناءه المخلصين الذين خدموه بصمت وأعطوا من علمهم وخبرتهم ووقتهم من أجل أمنه واستقراره ورفعته.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات