حين ينتصر الروح على الجسد


جراسا -

كل  صباح ينسدل بهدوء على أروقة مركز طبي حيث الضوء الأبيض البارد ينعكس على الجدران النظيفة، وكأن الزمن هنا يمشي بخطوات محسوبة. في إحدى الزوايا، خلف الأجهزة الدقيقة التي تقرأ ما تخفيه الأجساد، يجلس رجل لا يشبه الآخرين… ليس لأنه مختلف في مهنته، بل لأنه انتصر على ما كان كفيلاً بأن ينهي حياة غيره.

 

هو طبيب أشعة هو الطبيب صاحب الهمه والعزم الطبيب عبدالباسط الرواشده والتي قصته أعمق من صورة تُقرأ أو تقرير يُكتب. جسده مقيد بشلل رباعي، لا يطاوعه كما يشاء، ولا يمنحه تلك البساطة التي نأخذها نحن كأمرٍ مسلم به. ومع ذلك، فإن عينيه… نعم، عينيه وحدهما كفيلتان بأن تخبرك أنه ما زال واقفًا، حتى وإن كان جالسًا.

 

يصل إلى عمله محمولًا بإرادة لا تُقاس، يسبق حضوره صوته الهادئ، وابتسامته التي تبدد رهبة المرضى. هو لا يفسر الصور فقط، بل يمنح الطمأنينة، كأن كلماته امتداد ليدٍ حانية لا يستطيع جسده أن يمدها.

 

لم يكن الطريق سهلًا. لحظة الإصابة كانت كزلزالٍ صامت، حطم كل ما كان يعرفه عن نفسه. بين ليلة وضحاها، انتقل من طبيب يركض بين الأجهزة، إلى إنسان يحتاج من يعينه على أبسط تفاصيل الحياة. سقطت أحلام كثيرة، واهتزت ثقته، وسأل نفسه السؤال الذي يخشاه الجميع: “هل انتهيت؟”

 

لكن الإجابة لم تأتِ من الخارج… جاءت من داخله.

 

اختار أن يعيد تعريف نفسه، لا كضحية، بل كقصة مقاومة. تعلم أن يعمل من جديد، أن يتكيف مع كل قيد، أن يجعل من التكنولوجيا جسراً بينه وبين مهنته. لم يعد يرى في إعاقته نهاية، بل بداية مختلفة، ربما أصعب، لكنها أكثر عمقًا.

 

زملاؤه لا يرونه مريضًا، بل مرآة لقوة الإنسان لجبروت حطم معنى العجز 

مرضاه لا يتذكرون كرسيه المتحرك ولا يأبهون بع بل يتذكرون صوته الذي يطمئنهم  وهم  على حافة الخوف. أما هو، فيرى في كل يوم يمر انتصارًا صغيرًا، وفي كل حالة يشخصها حياة تستحق أن تُحارب من أجلها.

 

قصته ليست عن شلل الجسد، بل عن حرية الروح. عن رجل رفض أن يُختصر في عجزه، وقرر أن يكون أكبر من الألم، وأقوى من القيود. في عالمٍ سريعٍ وقاسٍ، هو تذكير حي بأن الإنسان لا يُقاس بما فقد… بل بما بقي لديه من إصرار

 

 

 

وما بقي لديه… كان كافيًا ليصنع معجزة كل يوم



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات