كيف نُريح الملك من قلقه؟
الدكتور سعيد المومني
في خطاب العرش الأخير، قال الملك عبارة لافتة:
"نعم يقلق الملك .."
هذه ليست جملة عابرة، بل اعتراف علني بأن الدولة ترى المأزق الذي يعيشه الأردن: اقتصاد خانق، مجتمع متململ، وشباب يقفون عند أبواب المستقبل بلا مفاتيح. لكن القلق في السياسة ليس هدفاً بحد ذاته، القلق يجب أن يقود إلى قرار.
منذ سنوات، تتكرر لغة الخطابات التي تستدعي الثوابت والاستقرار والصمود. لغة تُظهر الأردن كجسر عقلاني بين الأزمات. ولكن ما يراه الناس في تفاصيل حياتهم اليومية يقول أن المسافة بين الخطاب والواقع اتسعت، وأن الاستقرار لم يعد كافياً لتبرير الانتظار.
إذا كان الملك يقلق، فهذا يعني أنه يرى الخطر. وإذا كان يراه، فإن القلق لا يُريح صاحبه ما لم يُسمّى سببه ويُزال جذره.
لكن من يصنع القلق؟
ليس سراً أن في الدولة طبقة ضيقة تمسك بمفاصل الإدارة والاقتصاد والسياسة، هذه المجموعة لا تنتج حلولاً لأنها المستفيد الأول من استمرار الانسداد. طبقة تعيش على إعادة تدوير نفس الوجوه ونفس السياسات ونفس الصياغات، طبقة تخشى فتح المجال العام لأنّ وجود السياسة يعني نهاية امتيازاتها، طبقة وجدت اقتصاد مغلق بأيدي قلة، فيما الأغلبية تطحنها الضرائب. ولهذا كل إصلاح يُعلن يبدأ من خارجها وينتهي عندها.
إنّ هذه الطبقة هي مصنع القلق. وهي المتسببة بحالة القلق العام، والأخطر أنها اليوم تقدّم نفسها أيضاً كصاحبة الحل. هذه الطبقة تتغذى على الأزمة، تعيش منها، وتمنع أي مسار إصلاحي حقيقي. ولهذا بقيت الوعود كما هي؛ خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء. والنتيجة واضحة لكل أردني: لا عمل، لا تمثيل سياسي، لا أفق.
وصفة علاج "القلق الملكي"
القلق لا يُعالج باللجان، ولا بالوثائق التي تُضاف إلى الأرشيف، ولا بخطابات تعيد تدوير اللغة ذاتها. القلق، حين يخرج إلى العلن، يحتاج إلى علاج فعلي لا تجميل لفظي. ودواء القلق السياسي لا يأتي من غرف التخطيط المغلقة، بل من فتح النوافذ واستعادة الهواء السياسي الطبيعي للمجتمع.
يمكن القول إن العلاج يشبه ما يمكن وصفه بـ "الطب الشعبي" في السياسة: وصفة بسيطة، لا تحتاج اختراعاً جديداً ولا تنظيراً مُرهقاً. كل ما تحتاجه هو إرادة قرار:
الإفراج عن معتقلي الرأي والتعبير ووقف ملاحقة الرأي، التحالف مع القوى الشعبية والوطنية؛ مثل الحراك، الشباب، والنخب المستقلة التي لا تطلب مقابلاً.
لكنّ هذه الخطوات لا تكفي وحدها إذا بقيت قواعد اللعبة على حالها. العلاج الحقيقي يبدأ من البنية:
إصلاح قانون الانتخاب لينتج برلماناً حقيقياً يمثل الناس لا موازين النفوذ.
إعادة بناء الإدارة العامة على أساس الكفاءة، لا الولاء والمحاصصة.
فتح المجال العام ليعود المواطن إلى السياسة بدل بقائه في سجون الغضب الرقمي.
تفكيك الامتيازات الاقتصادية المغلقة التي حوّلت الدولة إلى سوقٍ صغير بيد قلة.
هذه الخطوات ليست معركة ضد الدولة، بل معركة لإنقاذ الدولة. وهي وصفة تنهي القلق وتعطي قدرة أوسع للحركة والعمل والتغيير، بدلاً من أن يظل القلق مرافقاً الخطابات.
هل سيتحول القلق إلى قرار؟ أم سيبقى القلق نفسه سياسة؟
الوقت ليس في صالح أحد، لأن الاستمرار كما نحن يعني أننا نعيد تدوير الأزمة بعبارات أجمل وأرق، بينما الأرض من تحتنا تتغير، والشارع يغلي بصمت، والإقليم يعيد ترتيب خرائطه.
الأردنيون شعب صبور ولا يريدون الصدام، بل يريدون دولة عادلة في توزيع الفرص والأدوار والسلطة. يريدون أن يشعروا أن الوطن لهم، لا عليهم.
السؤال إذن ليس: لماذا يقلق الملك؟
بل: هل نحن مستعدون لإراحة الملك من قلقه؟
الجواب نعم والطريق واضحة: فك الارتباط مع الطبقة التي صنعت الأزمة، وإعادة السياسة إلى الناس، وتحويل الاستقرار من شعار دفاعي إلى مشروع حكم عادل.
عندها فقط، يصبح للطمأنينة معنى. وعندها فقط، يمكن للملك أن لا يقلق، ولن يخاف الشعب من المستقبل.
في خطاب العرش الأخير، قال الملك عبارة لافتة:
"نعم يقلق الملك .."
هذه ليست جملة عابرة، بل اعتراف علني بأن الدولة ترى المأزق الذي يعيشه الأردن: اقتصاد خانق، مجتمع متململ، وشباب يقفون عند أبواب المستقبل بلا مفاتيح. لكن القلق في السياسة ليس هدفاً بحد ذاته، القلق يجب أن يقود إلى قرار.
منذ سنوات، تتكرر لغة الخطابات التي تستدعي الثوابت والاستقرار والصمود. لغة تُظهر الأردن كجسر عقلاني بين الأزمات. ولكن ما يراه الناس في تفاصيل حياتهم اليومية يقول أن المسافة بين الخطاب والواقع اتسعت، وأن الاستقرار لم يعد كافياً لتبرير الانتظار.
إذا كان الملك يقلق، فهذا يعني أنه يرى الخطر. وإذا كان يراه، فإن القلق لا يُريح صاحبه ما لم يُسمّى سببه ويُزال جذره.
لكن من يصنع القلق؟
ليس سراً أن في الدولة طبقة ضيقة تمسك بمفاصل الإدارة والاقتصاد والسياسة، هذه المجموعة لا تنتج حلولاً لأنها المستفيد الأول من استمرار الانسداد. طبقة تعيش على إعادة تدوير نفس الوجوه ونفس السياسات ونفس الصياغات، طبقة تخشى فتح المجال العام لأنّ وجود السياسة يعني نهاية امتيازاتها، طبقة وجدت اقتصاد مغلق بأيدي قلة، فيما الأغلبية تطحنها الضرائب. ولهذا كل إصلاح يُعلن يبدأ من خارجها وينتهي عندها.
إنّ هذه الطبقة هي مصنع القلق. وهي المتسببة بحالة القلق العام، والأخطر أنها اليوم تقدّم نفسها أيضاً كصاحبة الحل. هذه الطبقة تتغذى على الأزمة، تعيش منها، وتمنع أي مسار إصلاحي حقيقي. ولهذا بقيت الوعود كما هي؛ خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء. والنتيجة واضحة لكل أردني: لا عمل، لا تمثيل سياسي، لا أفق.
وصفة علاج "القلق الملكي"
القلق لا يُعالج باللجان، ولا بالوثائق التي تُضاف إلى الأرشيف، ولا بخطابات تعيد تدوير اللغة ذاتها. القلق، حين يخرج إلى العلن، يحتاج إلى علاج فعلي لا تجميل لفظي. ودواء القلق السياسي لا يأتي من غرف التخطيط المغلقة، بل من فتح النوافذ واستعادة الهواء السياسي الطبيعي للمجتمع.
يمكن القول إن العلاج يشبه ما يمكن وصفه بـ "الطب الشعبي" في السياسة: وصفة بسيطة، لا تحتاج اختراعاً جديداً ولا تنظيراً مُرهقاً. كل ما تحتاجه هو إرادة قرار:
الإفراج عن معتقلي الرأي والتعبير ووقف ملاحقة الرأي، التحالف مع القوى الشعبية والوطنية؛ مثل الحراك، الشباب، والنخب المستقلة التي لا تطلب مقابلاً.
لكنّ هذه الخطوات لا تكفي وحدها إذا بقيت قواعد اللعبة على حالها. العلاج الحقيقي يبدأ من البنية:
إصلاح قانون الانتخاب لينتج برلماناً حقيقياً يمثل الناس لا موازين النفوذ.
إعادة بناء الإدارة العامة على أساس الكفاءة، لا الولاء والمحاصصة.
فتح المجال العام ليعود المواطن إلى السياسة بدل بقائه في سجون الغضب الرقمي.
تفكيك الامتيازات الاقتصادية المغلقة التي حوّلت الدولة إلى سوقٍ صغير بيد قلة.
هذه الخطوات ليست معركة ضد الدولة، بل معركة لإنقاذ الدولة. وهي وصفة تنهي القلق وتعطي قدرة أوسع للحركة والعمل والتغيير، بدلاً من أن يظل القلق مرافقاً الخطابات.
هل سيتحول القلق إلى قرار؟ أم سيبقى القلق نفسه سياسة؟
الوقت ليس في صالح أحد، لأن الاستمرار كما نحن يعني أننا نعيد تدوير الأزمة بعبارات أجمل وأرق، بينما الأرض من تحتنا تتغير، والشارع يغلي بصمت، والإقليم يعيد ترتيب خرائطه.
الأردنيون شعب صبور ولا يريدون الصدام، بل يريدون دولة عادلة في توزيع الفرص والأدوار والسلطة. يريدون أن يشعروا أن الوطن لهم، لا عليهم.
السؤال إذن ليس: لماذا يقلق الملك؟
بل: هل نحن مستعدون لإراحة الملك من قلقه؟
الجواب نعم والطريق واضحة: فك الارتباط مع الطبقة التي صنعت الأزمة، وإعادة السياسة إلى الناس، وتحويل الاستقرار من شعار دفاعي إلى مشروع حكم عادل.
عندها فقط، يصبح للطمأنينة معنى. وعندها فقط، يمكن للملك أن لا يقلق، ولن يخاف الشعب من المستقبل.
تعليقات القراء
لا يوجد تعليقات
أكتب تعليقا
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. - يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |


الرد على تعليق