ذا هيل: بريطانيا تسعى لدور في خطة ترامب للسلام بالشرق الأوسط
جراسا - لم تكن الهدنة التي توسط فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين إسرائيل وحماس، والتي شكّلت جزءًا من خطة السلام المعلنة في 29 سبتمبر/ أيلول اتفاقا كاملا. فقد شهد قطاع غزة اشتباكات وسقوط قتلى رغم الهدوء النسبي، إلا أن وتيرة العنف بقيت محدودة ومتقطعة. ومع ذلك، وصف نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس، خلال زيارته للمنطقة، تنفيذ الهدنة بأنه “يمضي بشكل أفضل من المتوقع”.
نال ترامب اعترافًا واسعًا، إقليميًا ودوليًا، بل وحتى من بعض معارضيه، بدوره الحاسم في التوصل إلى الهدنة بين الجانبين. في المقابل، بدا الدور البريطاني هامشيًا، على الرغم من الروابط التاريخية العميقة التي تجمع المملكة المتحدة بالشرق الأوسط، وبفلسطين على وجه الخصوص.
فمنذ بدايات القرن العشرين، لعبت بريطانيا دورًا محوريًا في تشكل الصراع العربي- الإسرائيلي. فقد كان وزير خارجيتها هو من أصدر وعد بلفور عام 1917، الذي تعهّد بـ”إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”. كما تولّت إدارة الانتداب البريطاني على فلسطين بين عامي 1920 و1948، وهو ما جعل حضورها في هذا الملف دائمًا موضع جدل بين الشعور بالمسؤولية والتاريخ والندم.
ورغم هذا الإرث الطويل، ظلّ دور بريطانيا في خطة ترامب باهتًا. فعندما صرحت وزيرة التعليم بريجيت فيليبسون بأن حضور رئيس الوزراء كير ستارمر مراسم التوقيع في مصر “يُظهر الدور المحوري الذي لعبناه”، ردّ السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، بوصف التصريحات بأنها “وهمية”. وحاول المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف تهدئة الموقف دبلوماسيًا، مؤكدًا “أهمية الدور البريطاني” و”الجهود المتواصلة” التي بذلها مستشار الأمن القومي جوناثان باول، غير أن تحديد الإسهام الحقيقي لبريطانيا بقي غامضًا.
يسعى كير ستارمر إلى ترسيخ موقع بلاده كفاعل مؤثر في العملية السياسية، معتقدًا أن بإمكانه التعامل مع الرئيس ترامب بفاعلية تفوق بعض القادة الأوروبيين. وخلال مؤتمر صحافي في مصر، تعرض لموقف محرج حين بدا أن ترامب سيمنحه الكلمة قبل أن يقاطعه فجأة، غير أن ستارمر لم يتأثر، بل واصل جهوده لتحديد دور واضح لبريطانيا في المرحلة المقبلة.
وقدم ستارمر مقترحًا عمليًا تمثّل في استعداد بلاده للمشاركة في عملية نزع سلاح حماس. وتنص خطة السلام على “نزع سلاح قطاع غزة تحت إشراف مراقبين دوليين مستقلين، من خلال عملية تفكيك منظمة ومتفق عليها”. وفي خطابه أمام مجلس العموم، قال ستارمر إن المملكة المتحدة “مستعدة للقيام بدور كامل في تفكيك أسلحة وقدرات حماس”، مضيفًا أن “لا مستقبل قابلًا للحياة لغزة ما دامت حماس قادرة على تهديد السلام عبر الدم والإرهاب”، وأن الهدف هو “إنهاء هذا التهديد إلى الأبد”.
يستند تفكير ستارمر في هذا الطرح إلى تجربة بلاده في أيرلندا الشمالية، حيث نصّ اتفاق بلفاست عام 1998 على “التفكيك الكامل لجميع المنظمات شبه العسكرية”، تحت إشراف لجنة دولية ترأسها الجنرال الكندي المتقاعد جون دو شاستيلان. ورغم أن العملية كانت طويلة ومثيرة للجدل ولم تكتمل فعليًا إلا في عام 2010، فإنها شكّلت تجربة ناجحة نسبيًا في تحويل الصراع المسلح إلى مسار سياسي.
غير أن المقارنة بين تجربة أيرلندا الشمالية وحركة حماس تبدو غير واقعية. فالجماعات المسلحة في أيرلندا الشمالية، رغم عنفها الشديد -مثل الجيش الجمهوري الإيرلندي المؤقت الذي تسبب في نحو 1700 من أصل 3500 وفاة- كانت في نهاية المطاف فاعلين عقلانيين يسعون لتحقيق أهداف سياسية محددة؛ فالجمهوريون طالبوا بأيرلندا موحدة، بينما أراد الوحدويون الحفاظ على تبعية أيرلندا الشمالية للمملكة المتحدة.
أما حماس، فالوضع مختلف تمامًا. فبينما ترفع شعار إقامة دولة فلسطينية، فإن خطابها التأسيسي لعام 1988 حمل نزعة دينية وأيديولوجية متطرفة، واستخدم لغة تُفَسَّر أحيانًا كدعوة إلى إبادة اليهود، مشيرًا إلى أن “الجهاد يمتد حيثما وُجد المسلمون الذين يتخذون الإسلام منهجًا للحياة”. ورغم تعديل الميثاق في عام 2017 لتخفيف بعض العبارات، بقيت النزعة العقائدية والعداء لإسرائيل مكونين أساسيين في فكر الحركة. بل إن أحد قادتها، غازي حمد، صرّح قبل عامين فقط بأن “إسرائيل دولة لا مكان لها على أرضنا، ويجب القضاء عليها”.
انطلقت حماس من رحم جماعة الإخوان المسلمين ذات الامتداد العابر للحدود، وهي تسعى إلى ما يتجاوز القضية الفلسطينية في معناها الضيق، إذ تتبنى رؤية أوسع ذات طابع ديني عالمي. ولهذا يصعب التعامل معها كحركة سياسية يمكن احتواؤها عبر اتفاقات نزع سلاح أو تسويات تدريجية، كما حدث مع الجماعات الأيرلندية.
من هنا يظهر التحدي أمام ستارمر: فهو يحاول تطبيق نموذج نجح في تسوية صراع سياسي محلي على حركة ذات عقيدة أيديولوجية ودينية لا تؤمن بالحلول الوسط. فخبرة بريطانيا في أيرلندا الشمالية قد تكون مفيدة من حيث المبدأ، لكنها ليست وصفة جاهزة لمواجهة تنظيم يحمل رؤية دينية عابرة للحدود وأهدافًا يصعب التفاوض حولها.
في النهاية، يمكن لبريطانيا أن تسعى لدور إيجابي في الجهود الدولية لتحقيق السلام، لكنها مطالبة أولاً بفهم طبيعة الصراع وتعقيداته، وتكييف أدواتها بما يتناسب مع الواقع المختلف في غزة. فالتاريخ لا يُعاد ببساطة، وما يصلح لحل نزاع قومي محدود لا يمكن نسخه لمواجهة حركة تحمل أبعادًا دينية وأيديولوجية عميقة. وإلا ستبقى المقارنات التاريخية مغرية في الخطاب، لكنها عاجزة عن تقديم حلول حقيقية على الأرض.
لم تكن الهدنة التي توسط فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين إسرائيل وحماس، والتي شكّلت جزءًا من خطة السلام المعلنة في 29 سبتمبر/ أيلول اتفاقا كاملا. فقد شهد قطاع غزة اشتباكات وسقوط قتلى رغم الهدوء النسبي، إلا أن وتيرة العنف بقيت محدودة ومتقطعة. ومع ذلك، وصف نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس، خلال زيارته للمنطقة، تنفيذ الهدنة بأنه “يمضي بشكل أفضل من المتوقع”.
نال ترامب اعترافًا واسعًا، إقليميًا ودوليًا، بل وحتى من بعض معارضيه، بدوره الحاسم في التوصل إلى الهدنة بين الجانبين. في المقابل، بدا الدور البريطاني هامشيًا، على الرغم من الروابط التاريخية العميقة التي تجمع المملكة المتحدة بالشرق الأوسط، وبفلسطين على وجه الخصوص.
فمنذ بدايات القرن العشرين، لعبت بريطانيا دورًا محوريًا في تشكل الصراع العربي- الإسرائيلي. فقد كان وزير خارجيتها هو من أصدر وعد بلفور عام 1917، الذي تعهّد بـ”إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”. كما تولّت إدارة الانتداب البريطاني على فلسطين بين عامي 1920 و1948، وهو ما جعل حضورها في هذا الملف دائمًا موضع جدل بين الشعور بالمسؤولية والتاريخ والندم.
ورغم هذا الإرث الطويل، ظلّ دور بريطانيا في خطة ترامب باهتًا. فعندما صرحت وزيرة التعليم بريجيت فيليبسون بأن حضور رئيس الوزراء كير ستارمر مراسم التوقيع في مصر “يُظهر الدور المحوري الذي لعبناه”، ردّ السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، بوصف التصريحات بأنها “وهمية”. وحاول المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف تهدئة الموقف دبلوماسيًا، مؤكدًا “أهمية الدور البريطاني” و”الجهود المتواصلة” التي بذلها مستشار الأمن القومي جوناثان باول، غير أن تحديد الإسهام الحقيقي لبريطانيا بقي غامضًا.
يسعى كير ستارمر إلى ترسيخ موقع بلاده كفاعل مؤثر في العملية السياسية، معتقدًا أن بإمكانه التعامل مع الرئيس ترامب بفاعلية تفوق بعض القادة الأوروبيين. وخلال مؤتمر صحافي في مصر، تعرض لموقف محرج حين بدا أن ترامب سيمنحه الكلمة قبل أن يقاطعه فجأة، غير أن ستارمر لم يتأثر، بل واصل جهوده لتحديد دور واضح لبريطانيا في المرحلة المقبلة.
وقدم ستارمر مقترحًا عمليًا تمثّل في استعداد بلاده للمشاركة في عملية نزع سلاح حماس. وتنص خطة السلام على “نزع سلاح قطاع غزة تحت إشراف مراقبين دوليين مستقلين، من خلال عملية تفكيك منظمة ومتفق عليها”. وفي خطابه أمام مجلس العموم، قال ستارمر إن المملكة المتحدة “مستعدة للقيام بدور كامل في تفكيك أسلحة وقدرات حماس”، مضيفًا أن “لا مستقبل قابلًا للحياة لغزة ما دامت حماس قادرة على تهديد السلام عبر الدم والإرهاب”، وأن الهدف هو “إنهاء هذا التهديد إلى الأبد”.
يستند تفكير ستارمر في هذا الطرح إلى تجربة بلاده في أيرلندا الشمالية، حيث نصّ اتفاق بلفاست عام 1998 على “التفكيك الكامل لجميع المنظمات شبه العسكرية”، تحت إشراف لجنة دولية ترأسها الجنرال الكندي المتقاعد جون دو شاستيلان. ورغم أن العملية كانت طويلة ومثيرة للجدل ولم تكتمل فعليًا إلا في عام 2010، فإنها شكّلت تجربة ناجحة نسبيًا في تحويل الصراع المسلح إلى مسار سياسي.
غير أن المقارنة بين تجربة أيرلندا الشمالية وحركة حماس تبدو غير واقعية. فالجماعات المسلحة في أيرلندا الشمالية، رغم عنفها الشديد -مثل الجيش الجمهوري الإيرلندي المؤقت الذي تسبب في نحو 1700 من أصل 3500 وفاة- كانت في نهاية المطاف فاعلين عقلانيين يسعون لتحقيق أهداف سياسية محددة؛ فالجمهوريون طالبوا بأيرلندا موحدة، بينما أراد الوحدويون الحفاظ على تبعية أيرلندا الشمالية للمملكة المتحدة.
أما حماس، فالوضع مختلف تمامًا. فبينما ترفع شعار إقامة دولة فلسطينية، فإن خطابها التأسيسي لعام 1988 حمل نزعة دينية وأيديولوجية متطرفة، واستخدم لغة تُفَسَّر أحيانًا كدعوة إلى إبادة اليهود، مشيرًا إلى أن “الجهاد يمتد حيثما وُجد المسلمون الذين يتخذون الإسلام منهجًا للحياة”. ورغم تعديل الميثاق في عام 2017 لتخفيف بعض العبارات، بقيت النزعة العقائدية والعداء لإسرائيل مكونين أساسيين في فكر الحركة. بل إن أحد قادتها، غازي حمد، صرّح قبل عامين فقط بأن “إسرائيل دولة لا مكان لها على أرضنا، ويجب القضاء عليها”.
انطلقت حماس من رحم جماعة الإخوان المسلمين ذات الامتداد العابر للحدود، وهي تسعى إلى ما يتجاوز القضية الفلسطينية في معناها الضيق، إذ تتبنى رؤية أوسع ذات طابع ديني عالمي. ولهذا يصعب التعامل معها كحركة سياسية يمكن احتواؤها عبر اتفاقات نزع سلاح أو تسويات تدريجية، كما حدث مع الجماعات الأيرلندية.
من هنا يظهر التحدي أمام ستارمر: فهو يحاول تطبيق نموذج نجح في تسوية صراع سياسي محلي على حركة ذات عقيدة أيديولوجية ودينية لا تؤمن بالحلول الوسط. فخبرة بريطانيا في أيرلندا الشمالية قد تكون مفيدة من حيث المبدأ، لكنها ليست وصفة جاهزة لمواجهة تنظيم يحمل رؤية دينية عابرة للحدود وأهدافًا يصعب التفاوض حولها.
في النهاية، يمكن لبريطانيا أن تسعى لدور إيجابي في الجهود الدولية لتحقيق السلام، لكنها مطالبة أولاً بفهم طبيعة الصراع وتعقيداته، وتكييف أدواتها بما يتناسب مع الواقع المختلف في غزة. فالتاريخ لا يُعاد ببساطة، وما يصلح لحل نزاع قومي محدود لا يمكن نسخه لمواجهة حركة تحمل أبعادًا دينية وأيديولوجية عميقة. وإلا ستبقى المقارنات التاريخية مغرية في الخطاب، لكنها عاجزة عن تقديم حلول حقيقية على الأرض.
تعليقات القراء
أكتب تعليقا
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. - يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |


الرد على تعليق
الرجاء الانتظار ...