مظاهر زعزعة المتطرفين لأفكار المسلمين


التطرف عرفاً و اصطلاحاً هو الغلو في عقيدة أو فكرٍ أو مذهبٍ أو غيره مما يختصّ به دين أو جماعة أو حزب و يسمّى من يصدر عنه فعل التطرف و ما كان في معناه متطرفاً.

ويلحق بالتطرّف من حيث المعنى المصطلحات الآتية: الغلو الباطل و هو في اللغة مجاوزة الحدّ و تعدّيه.

وفي الإصطلاح: مجاوزة المقدار المعتبر شرعاً في أمر من أمور الدين، و إلحاق الغلو بالتطرف له ما يبرره لأنه أخذٌ بأحد الطرفين.

ومن مظاهر التطرف التنطع وهو في اللغة: المغالاة و التكلف، يقال: تنطّع فلان في الشيء أي: غالى وتكلف فيه، و هو في الإصطلاح: التشديد في غير موضعه، وفي الحديث الشريف عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ((هلك المتنطعون ))،"صحيح الجامع الصغير" و إلحاق التنطع بالتطرف مبرر بأنه ميل إلى أحد الطرفين و ابتعاد عن الوسط.

ومن مظاهر التطرّف ـ أيضاً ـ التكفير: وهو نسبة الكفر إلى الغير. يقال: كفّر فلاناً، أي نسبه إلى الكفر أو قال له: كفرت.

ودخول التكفير في عموم التطرف له مسوغ لأن من مشمولات التطرف الغلو في العقيدة، و من صور الغلو في العقيدة تكفير المسلمين من غير مسوغ شرعي يقتضي التكفير بل لمجرد مخالفتهم للمكفَّر في أمر يعتقده هو.

لقد تكرر النهي عن معنى التطرف في القرآن الكريم و السنّة الشريفة في أكثر من موضع و من ذلك قوله تبارك وتعالى: {{ قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق }} (المائدة، آية 77)، فأمر الله تبارك و تعالى نبيه صلى الله عليه و سلم بأن يقول لأهل الكتاب لا تجاوزوا الحد في تعظيم من أمرتم باتباعه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية، والآية وإن كانت خاصة في سببها فهي عامة في دلالتها لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وفي ذلك قوله صلى الله عليه و سلم: (( إياكم و الغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)) رواه أحمد.
وقوله صلى الله عليه و سلم: (( هلك المتنطعون, هلك المتنطعون, هلك المتنطعون ))صحيح الجامع.

وقوله صلى الله عليه و سلم: (( أيما رجل مسلم أكفر رجلاً مسلماً فإن كان كافراً و إلا كان هو الكافر )) رواه أبو داود.

ومن مظاهر زعزعة أفكار المسلمين من قبل دعاة التطرف الوقوف على ظواهر النصوص دون التعمّق في المعاني والمدلولات المرادة من النص، والذي يترتب عليه جمود الفكر وإهمال العلل والمقاصد الشرعية والمصالح المرسلة التي بُنيت عليها والأحكام المتعلقة بغير العبادات.

والصواب الذي ينبغي الإلتزام به لمعرفة الأحكام الشرعية هو النظر إلى العلل والمقاصد والمدلولات بحكمة ومراقبة لله عز وجل و وعي كامل بما تحمله هذه النصوص من دلائل دون إغفال للظاهر.

ولا شك أن الوقوف على ظواهر النصوص وعدم التعمّق في فهم علل الأحكام ومقاصد التشريع يؤديان إلى التضييق في بيان الأحكام الشرعية من ناحية واتهام المخالفين لأصحاب هذا المنهج من ناحية أخرى وينتج عن ذلك زعزعة في أفكار المسلمين تتركهم في حيرة من أمرهم.

بل إنّ الأمر تعدّى ذلك عند هؤلاء إلى التطرف والمغالاة في العبادات، ومعلومٌ أنه من سمات هذا الدين الاعتدال والتوازن في كل شيء وإعطاء كل ذي حق حقه، فقد قال صلى الله عليه وسلم (إن لربك عليك حقاً وان لنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه) رواه البخاري.

والإعتدال منهج في العبادات بل في الدين كله فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم ((إنّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغّض إلى نفسك عبادة الله، فإن المنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى)) رواه البيهقي.

وبناءً عليه فإن حصر الكيفية الشرعية للعبادات من قبل المتطرفين في صور معينة واعتبار غيرها من الصور التي تُؤدَّى بها تلك العبادات من قبل غيرهم من المسلمين باطلة ! يؤدي إلى زعزعة أفكار المسلمين وتشكيكهم في عباداتهم التي مارسوها طوال حياتهم مع العلم بأن تلك الممارسات صحيحة وتستند إلى أدلة صحيحة وتبنّتها المذاهب الفقهية المعتمدة لدى المسلمين وأفتى بها كبار علماء الأمة الربانيين.

إنّ محاربة الفكر المتطرف يحتاج جهوداً مشتركة من جميع أرباب الشأن من المسلمين علماء وحكومات وهذا واجبٌ على كل مسلم دفاعاً عن دينه وعقيدته وصيانةً لجناب الإسلام العظيم من أن يُلوَّث أو يظهر للآخرين بصورةٍ مزيفة غير صورته الحقيقية الناصعة.

ونحن هنا في الأردن وبفضل الله تعالى وثم قيادتنا الهاشمية الحكيمة وأجهزتنا الأمنية الساهرة على أمن الوطن نعتبر من أول وأفضل دول العرب والمسلمين التي تدافع عن جناب الإسلام وتحميه من أصحاب الفكر المتطرف الدخيل الذين عاثوا في الأرض فساداً وإراقةً للدماء تحت إسم الإسلام والجهاد !!! والخلافة المزعومة !! وتطبيق الشريعة !! وغيرها من المسميات التي يزعمونها كذباً وزوراً وهم أبعد ما يكون عن جوهر الإسلام بل هم أعدى أعداء الإسلام لأنهم يظهرونه للعالم على أنه دين قتلٍ وتدميرٍ وخراب !! والإسلام منهم ومن أفعالهم براء.

وما كانت رسالة عمان التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين - حفظه الله تعالى وأعزّ ملكه - قبل سنوات إلا بياناً واضحاً للعالم في التعريف بجوهر الإسلام النقيّ سيرةً وصورةً ومنهجاً ومُعتقَداً.

ثمّ إني أتسائل هنا: من هو المستفيد الأول والأخير من مثل هذه الفظائع الإجرامية من قتلٍ وتدميرٍ وتفجيرٍ وقطعٍ للرؤوس التي يرتكبها المتطرفون وخوارج العصر بإسم الإسلام ـ زعموا ـ ؟؟؟ بالتأكيد أنّ المستفيد الأول والأخير منها هم أعداء الإسلام، الذين سيطيرون بمثل هذه الأفعال الدنيئة الشنيعة ليقولوا للعالم أنظروا هذا هو الإسلام الوحشي الإرهابي وها هم المسلمون. !!

والنبي صلى الله عليه وسلم قد ابتُلي في حياته بالكثير من المنافقين وعلى رأسهم زعيم النفاق في المدينة عبدالله بن سلّول الذي فعل الأفاعيل بالمسلمين !! وحينما قال الفاروق عمر رضي الله عنه: يا رسول الله دعني أقطع عنق هذا المنافق لأريح المسلمين من شرّه !! قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يا عمر .. مهلاً يا عمر .. أتريد أن يقول الناس محمدٌ يقتل أصحابه بل نُحسن إليه ونترفّق به... كل هذا من النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا تتشوّه صورة الإسلام أمام الآخرين لأنّ ابن سلّول في نظر الآخرين هو من أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وهم لا يفهمون غير ذلك كما يفهم ابن سلول أتباع الإسلام الصحابة الكرام.

ألا ليت شعري هل يفقه دعاة التطرف ومن يقرؤون الإسلام بالمقلوب وخوارج العصر هذا ؟؟ ومتى سيفيق هؤلاء ويدركون أنهم بأفعالهم الدنيئة هذه إنما ينفّذون مخططات أعداء الإسلام ويطعنون الإسلام بإسم الإسلام ؟؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إن أفعال التفجير والتكفير والتبديع والتضليل والتفسيق والإقصاء كلها أفعال إجرامية لا تليق بديننا العظيم، بل إن ديننا الإسلامي الحنيف جاء بمحاربتها والتحذير منها لأنه دين الوسطية والإعتدال والرأفة والرحمة، وهذا مصداق قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وما أرسلناكَ إلاّ رحمةً للعالمين }.

فآن الأوان لنا أن نعيد النظر في خطابنا الديني ليتوافق من النصوص القرآنية والهدي النبوي بإظهار عالميته ورحمته وإنسانيته في أفياء العالم.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات