الزيارات الملكية للعشائر


يقوم الملك بين الفينة والأخرى بزيارات لبعض القبائل والعشائر الأردنية تكون أهدافها المعلنة هي الإطلاع على واقع حياة الناس ومعرفة همومها ومشاكلها ووضع الحلول الناجعة لها. وقد لوحظ في الآونة الأخيرة وتحديدا خلال العام المنصرم تكثف الزيارات الملكية هذه ولعشائر وقبائل بعينها وتخلل هذه الزيارات ارتداء العباءات وتقديم السيوف والهدايا والتلويح بالتهديد والوعيد لطروحات الملكية الدستورية، وتنازل الملك عن جزء من صلاحياته لصالح قوى سياسية منتخبة وهيئة الحكومة ممثلة بمجلس الوزراء. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل الزيارات الملكية للعشائر هي فعلا لتسهيل حياة المواطنين الأردنيين من أبناء القبائل والعشائر الأردنية وإذا كان الأمر كذلك فهل هذا يعني أن الحكومات مقصرة دوما في أداء واجباتها والتي يأتي في مقدمتها معرفة مشاكل وهموم الناس والتصدي لها والتجاوب معها! .معظم المشاكل والمطالب التي تطرح تتعلق إما بإنشاء مركز صحي أولي أو ترفيع مركز صحي أولي إلى شامل أو فتح طريق أو إنشاء مبنى مدرسي أو توظيف للعاطلين عن العمل وما شابه ذلك من مطالب عادلة ومهمة والتي تقع من ضمن مسؤوليات الحكومة ونواب المناطق التي يقطنها هؤلاء المواطنون.والملفت للنظر أن مثل هذه المطالب غالبا ما يتم تنفيذها أو المباشرة بتحقيقها من قبل الحكومة وبتمويل من الموازنة العامة للدولة لا بل فإن الحكومة يمكن أن تستطلع احتياجات بعض شرائح المجتمع وتعلم الديوان الملكي بها وبإمكانية تحقيقها ليذهب الملك بزيارة ميدانية ويستمع للمطالب ثم يعلن إرادته بالبدء بتنفيذها من قبل الحكومة فلماذا لا تقوم الحكومات بواجبها مباشرة دون هذا التدخل الملكي والذي يأتي على شكل مكرمة ملكية خصوصا وأن الحكومة تدعي بحصولها على الولاية العامة!
أما إذا كان غرض الزيارات الملكية للقبائل والعشائر هو حشد الدعم والتأييد والولاء للنظام السياسي فأعتقد بأن ذلك له سلبيات ومثالب كثيرة ويعطي نتائج عكسية(Counter Productive ) على المدى المتوسط والبعيد وذلك للأسباب التالية:
أولا ، الملك والنظام الملكي ليس مهددا وهو محط إجماع وتأييد معظم شرائح وأطياف المجتمع الأردني ،فحشد التأييد لماذا إذا كان هذا التأييد تحصيلا حاصلا كما أن هذا التأييد ليس موضع جدل واختلاف بين الأردنيين. وعليه وبما أن لا خلاف على القيادة الهاشمية فإن زيارات الملك للقبائل والعشائر بهدف حشد التأييد يمكن أن تحدث استقطابا غير مطلوب وغير مبرر وغير محمود لما له من تبعات على تماسك اللحمة في النسيج الشعبي الأردني.
صحيح أن نسبة مهولة من الأردنيين بعضهم ممثل بأحزاب وتجمعات وتكتلات سياسية يطرحون قواعد وأطر ومعايير جديدة تقوم عليها العلاقة بين النظام السياسي والشعب من خلال إجراء تعديلات دستورية حقيقية تعطي الولاية العامة للحكومة بحيث تستطيع أن تكون مسئولة عن إدارة شؤون الدولة وتتحتمل تبعات قراراتها وسياساتها أمام القانون والقضاء دون تدخل من الملك الذي لا يمكن مساءلته دستوريا عن نتائج تدخله وقراراته في الشأن العام ، فالملك ذاته مصونة بحكم الدستور والقانون ومع ذلك فهو يتولي إدارة الشؤون الخارجية للمملكة بالكامل ووزير الخارجية والعاملين في الوزارة هم موظفين بيروقراطيين لا يستطيعون أن يصرحوا تصريحا عاما عن سياسية الأردن دون الرجوع للديوان الملكي،وينطبق الأمر على وزير الدفاع وهو رئيس الوزراء الذي لا أعتقد أنه له صلة بهذا الملف سوى الموافقة على ما يأمر به الملك ،وينطبق نفس المنطق على أجهزة العسس والدوائر الأمنية فهي تبدوا خارج صلاحيات الحكومة لا بل فإنها في مناحي كثيرة تدير الحكومة وتملي عليها وربما تسهم في إقالتها واختيار رئيس وشخوص الحكومة التالية.
ثانيا، أن هذه الزيارات للعشائر والقبائل تحديدا تفرق الأردنيين ولا تجمعهم لأنها تنمي الهوية القبلية والعشائرية الضيقة على حساب الهوية الوطنية والانتماء للأردن ككل . أستطيع أن أتفهم زيارات ميدانية لمؤسسات ومستشفيات وجامعات ومصانع ومناطق سكانية معينة ولكن لا أستطيع تفهم هذا الإصرار الملكي على زيارات لقبيلة معينة والتي بالضرورة يتبعها سلسلة من الزيارات للقبائل والعشائر الأخرى من باب المعاملة بالمثل وأسوة بالعشائر والقبائل الأخرى . والسؤال الذي لا أجد عليه إجابة مقنعة هل زار الملك جميع القبائل الأردنية والتي يتجاوز عددها 1000 قبيلة وعشيرة وبعضها يتكون من أكثر من سبع قرى وتجمعات سكانية؟ لقد هالني ما سمعت من أحد الوزراء السابقين ومن على شاشة التلفزيون الأردني يقول لقد أكمل الملك بزيارته الأخيرة للبادية الشمالية زياراته لجميع العشائر الأردنية من قال ذلك وما هو موقع العشائر الأخرى في الأرياف والمخيمات وأطراف المدن؟ والحقيقة أن بعض فروع العشائر في البادية أبدت عدم رضاها عن بعض الإقصاء والتمثيل لها في زيارات الملك واعتذرت عن المشاركة في فعاليات الزيارة احتجاجا على ذلك.
ثالثا، الملك لجميع الأردنيين وهو يقود كل الأردنيين قبائل وعشائر وموالاة ومعارضة ومن الأفضل أن لا يخص قوم أو فرقة أو طائفة بقرب أو مدح أو امتياز على أسس قبلية أو عرقية أو طائفية لان ذلك سيضعف من الارتباط والانتماء للهوية الوطنية وسيشعر هذه الفئة أو تلك بأنها هي الوطن وهي حامية الحمى وهي سبب وجود واستمرار النظام السياسي. وكما هو معروف ومألوف في علم القيادة والإدارة بأن القائد الفعال هو قائد لجميع مكونات شعبه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وفي حالة انحياز هذا القائد للموالاة والموالين والأنصار فإنه يصبح قائدا للموالين من أنصاره فقط وليس لجميع شرائح شعبه مما يفقده التأثير والميزة القيادية.
الملك مدعوا لأن تكون زياراته لمناطق ومحافظات ومؤسسات تضم في ثناياها مواطنين من جميع مناطق الوطن وان تكون موجهة للوقوف على معلومات راجعة عن واقع الشعب ومعاناته ومدى قيام الحكومات بواجباتها وليس لحشد الدعم والتأييد والهجوم على المعارضة والتحريض عليها بشكل مباشر أو غير مباشر. الملك مرجع لجميع الأردنيين ونتمنى عليه أن يقف على مسافة واحده من جميع الأردنيين من قبائل وعشائر ومخيمات ومناطق وأحزاب موالاة ومعارضة وغيرها كما أن الملك مدعوا إلى إعادة تنظيم فريقه في الديوان الملكي حيث أن نصائح بعض مستشاريه ومساعديه لا تخلو من مصلحة أو هوى أو قلة خبرة أو معرفة أو دراية.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات