خرزات إربد ..


تشير الروايات المتداولة بين الناس، والمصادر، والمخطوطات التي اطلعت على جزء كبير منها من مصادرها في جامعة اليرموك، وعند بعض من عاصروا بدايات تشكيل الحكم في الأردن، وممن يملكون وثائق تركية؛ تبين وجود عدد من العائلات سبقت غيرها في التكوين الإجتماعي، وإنشاء نواة لعشيرة ممتدة العروق، تشير الى أن هناك عائلات سكنت قرية إربد قبل بداية ظهور أول حكومة أردنية عام (1921)، بل يمكننا أن نقول أن كثير من العائلات والأفراد سكنوا القرية في العهد العثماني، منهم من سكن إربد ومنهم من بقي يسكن على أطرافها أو في القرى المجاورة.

نحن نتحدث اليوم عن خرزات إربد، وعن تاريخ عشيرتنا، توضيحاً لبعض الملابسات التي تظهر بين الحين والآخر، إذ ينبري بعض ممن يعتقدون بأنهم يفهمون بالتاريخ العشائري، يبدأون بالتخبيص، ونشر معلومات خاطئة عن أصل العشائر الأردنية، دون أن يستند الى الجذور، ويقرأ المصادر المتعددة، بل ويستزيد من المراجع حتى لا يقع في الخطأ، فيدمر أصل المعلومة، وتأخذ الناس عنه ما يتداولونه لعشرات السنين.

نتحدث عن أصل كلمة خرزات؛ قبل أن نعدد العشائر التي حملت هذه التسمية، إذ يخلط البعض بين من سكنوا المدينة وكانت لهم بصمات في تاريخ تشكيلها، وبين من كان لهم بئر يشربون منه، ويسقون الحلال والإبل، وبالرغم من وجود اختلاف بين بعض العشائر على تسمية الخرزات، إلا أن حقيقة وجود مثل هذه التسمية يجب أن لا تزعج البعض؛ إذا ما علموا أن التسمية لا تتعلق بالأصل، والأقدمية، بقدر ما تتعلق بمن يمتلك بئراً من مجموعة آبار كانت موجودة في إربد وعليها خرزات سوداء اللون أو تميل الى اللون الأزرق الغامق، كما سنشرح بعد قليل.

عندما استقرت عشيرة التل في الربع الأول من القرن التاسع عشر في قرية إربد، أنشأوا أول ديوان لهم يقع بالقرب من الديوان الحالي، ولا يبعد عنه أكثر من خمسين متراً، وفيه البئر المشهور الذي أطلقوا عليه (بير القُرنة)، وكانت خرزة (التلول) تجثم على فوهة البئر.

هناك ديوان آخر يقع بمحاذاة الديوان الحالي، وهو بيت الشيخ عبد القادر التل، كان يستقبل فيه الوفود، ويعقد المؤتمرات، وقد انعقد فيه المؤتمر الوطني الثالث عام (1938) وضم وجوه ومشايخ الأردن، وبعد وفاة الشيخ عبد القادر التل تحول البيت الى مدرسة، وبعد هدم المدرسة التي كان يُطلق عليها: مدرسة سمخ، أخذت الحجارة واستخدمت في عملية تلبيس جدران الديوان الحالي الذي رُمم في السبعينات.

أما تاريخ إنشاء الغرفة الصغيرة – الديوان الثالث، فقد أنشأت عام (1327 هجري – 1909 ميلادي)، وما زالت موجودة، ونستخدمها بشكل يومي، إضافة الى الديوان الكبير الملاصق للديوان الصغير، وهناك لوحة حجرية مثبتة على مدخل الديوان من الخارج تبين تاريخ البناء بالهجري (18 صفر 1327) مع ذكر أول آية من آيات سورة الفتح: إنا فتحنا لك فتحاً مبينا، والآية (29) من سورة المؤمنون: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ.

فيما يتعلق بالخرزات، فقد أشارت المصادر الى ما يلي:

أولاً: تشير كثير من المراجع الى أن الكرازمة هم من أوائل العشائر التي سكنت قرية إربد، وكانت مشيخة القرية تعود لكبيرهم الشيخ (أبو بكر) صالح كريزم إبان حكم الدولة العثمانية لبلاد الشام، أي أن مشيخة قرية إربد بقيت عند الكرازمة، ما بين عام (1757) وحتى بداية القرن التاسع عشر.

هناك تقرير نشرته قبل أشهر عن هذه العشيرة الأردنية الأصيلة، وهذا هو رابط التقرير:

ثانياً: تُعد عشيرة التل من العشائر التي سكنت قرية إربد في بداية القرن التاسع عشر، وكان الشيخ مصطفى اليوسف الملحم التل شيخ قرية إربد وكبيرها، يعمل موظفاً في الدولة العثمانية، برتبة شيخ مشايخ، بالإضافة الى أن الشيخ مصطفى اليوسف كان أحد مؤسسي بلدية إربد عام (1881)، وصاحب أول مدرسة لتربية وتنشئة وتعليم الأولاد من خلال مبدأ المقايضة، التعليم مقابل: الأطعمة، والأخشاب، والتمور، وما يتوفر من مواد صالحة للاستخدام اليومي، وهذا يدل على أن النقود كانت شحيحة وغير متوفرة في ذلك الزمن، بسبب استحواذ الأتراك على العملة النقدية إبانئذٍ، وسار على ذات النهج أكبر أبناء الشيخ مصطفى اليوسف، المُعمر المرحوم المحامي صالح (أفندي) التل، والد الشاعر الكبير (مصطفى وهبي) الملقب بعرار.

ولد المحامي والوزير صالح مصطفى اليوسف التل عام (1850) وفق ما تشير إليه الوثائق، وكان أحد أكبر المعمرين في بلاد الشام، وصل عمر هذا الرجل حوالي مائة وثمانية عشر سنة، ومن مآثره وفضله على المدينة، أنه افتتح مدرسة أطلق عليها: المدرسة الصالحية الرشيدية.

ثالثاً: هناك عشائر جاءت من خارج قرية إربد، كانت تسكن في عمان، والزرقاء، وجرش وعجلون، أو جاءوا من القرى المحيطة بإربد، واستوطنوا القرية، وأصبحوا بحكم الاستملاك من العشائر الأصيلة، ولم تغادر مدينة إربد حتى يومنا هذا.

أما التعداد السكاني الذي أجراه عدد من أبناء اربد، فيشير الى أن عدد سكان القرية عام (1914) وصل الى (1065) نسمة، نصفهم وزيادة قليلاً؛ من الذكور، وخمسمائة نسمة من الإناث، استطاعوا تسجيل أسماء الذكور في كشف يبين عدد أفراد كل عشيرة.

قائمة بالعدد الكلي لأبناء الخرزات قبل عام (1914):

- (31) فرداً من أبناء عشيرة التل ما عدا النساء، والتلول هم من خرزات إربد.

- (17) فرداً من عشيرة الخريسات، وهم ليسوا خريسات السلط إنما خريس من خرزات إربد.

- (17) فرداً من عشيرة الدلاقمة، وهم من الخرزات.

- (16) فرداً من عشيرة الحجازات، وهم من الخرزات.

- (16) فرداً من العبندات، وهم من خرزات إربد.

- (11) فرداً من عشيرة الشرايري وهم من الخرزات.

- (14) فرداً من رشيدات وهم من خرزات إربد.

بلغ العدد الكلي لأبناء الخرزات: (122) نسمة من أصل عدد أبناء قرية إربد البالغ عدد الذكور منهم دون الإناث، (565) نسمة.

نتحدث في نهاية هذا التقرير عن خرزات إربد، وكل ما يتعلق بهذه التسمية التي تُغضب البعض، وتزعجهم على اعتبار أن كلمة خرزة تمنح الأفضلية لعشائر دون غيرها من سكان المدينة، وهذا غير صحيح لأن عشائر إربد من العشائر المحترمة، وقدمت الكثير في سبيل إربد لتكون عروساً، ومن أجمل المدن الأردنية، إذا لم تكن أجملها على الإطلاق.

تعود سبب تسمية الخرزات الى امتلاك هذه العشائر الى مجموعة من الآبار ، لكل عشيرة بئر خاص بها، وكانت أكبر هذه البئار، بئر عشيرة التل وكان يُطلق عليه: (بير القرنة) كما ذكرنا في أكثر من تقرير، وجاءت تسمية البئر بالقرنة لأنه يقع في زواية الديوان القديم الذي هدم وأنشىء بدلاً منه مخازن ما زالت موجودة الى الآن، ويقع (بير القرنة) خلف هذه المخازن.

كانت عشائر البلد ترتد على (بير القرنة) لأنه كان يتسع لآلاف الأمتار من المياه، فهو من البئار الكبيرة، وقد تم وصفه بأنه كان يستوعب كل الأمطار والسيول التي كانت تصب من جميع المناطق المرتفعة إليه، أما البئر الثاني فيقع داخل الديوان الحالي، وهو بئر كبير جداً، يقال إنه (سيح) أي أنه كالوادي الذي يستوعب مئات وآلاف الأمتار دون أن يمتلىء لضخامة حجمه، أما خرزة التلول فهي موجودة داخل الديوان الحالي، وهي من الحجارة الصوانية الضخمة التي تحتاج الى رافعة لحملها.

إن كلمة خرزات لا تعني أن الخرزة أو العشيرة تُعد أقدم من غيرها من العشائر، إنما جاءت لأن بعض العشائر امتلك بئراً عليه الحجر المجوف وأطلق عليه اسم خرزة، والقِدم هنا ليس للعشيرة بقدر ما هو للبئر وخرزته التي تقبع على فوهته، بدليل أن الكرازمة هم أقدم العشائر الإربداوية، بل أقدم من بعض الخرزات أنفسهم، لكن ربما لم يكن لهم بئر كبقية العشائر، فلم يكونوا من الخرزات، مع الاحترام لتاريخهم المشرف وتاريخ بقية العشائر.

ثم إن أفراد عشيرتنا اجتهدوا، وقدموا الكثير من الإنجازات في سبيل بناء الأردن على مر التاريخ، فكانت لهم مقاعد نيابية، وحكومية، وبلدية، وعلمية، واقتصادية، ولكل مجتهد نصيب، وبالنسبة لبقية العشائر فنحن من هذا المنطلق لا ننسى دورها في بناء الوطن، وكل عشيرة من عشائر إربد قدمت ما عليها من جهد يُسجل في تاريخها، وكما قال أحد رجالات الإعلام: عشائر البلد قدمت الكثير في سبيل بناء الوطن، منها من بنى خمسة حجارة، ومنها من بنى عشرة حجارة وهكذا، حتى أصبحت على ما هي عليه من قوة ومنعة.

ولأننا في هذا التقرير لم ننسى عشائر الخرزات، هناك عشائر وعائلات لا تقل أهمية عن بقية العشائر، منهم: آل كريزم شيوخ إربد في القرن الثامن عشر، والحتاملة، السكران، الغرايبة، اللوباني، الجودة، الجمل، الجمال، المقالدة، الغزَّاوي، شاهين، أبو سالم، شوتر، أبو السميد، أبو زيد، الجيزاوي، الشبَّار، طخشون، أبو عيـَّاد، سعادات، أبو دولة، الشيخ حسين، قناة، الغرَّام، عناب، أبو سليم، صبح، اللمع، العزام، الخطيب، النوري، أمين آغا، أبو مسعود، أبو الشبل، الصباغ، بيبرس، الحلبي، الرجال، سوسان، الخطيب، السلاخ، الموصللي، يغمور، جمعة، النابلسي، الملقي، الأعرج، عُرابي، أبوالسكر، ظاظا، عليكو (أكراد)، الإبراهيم، فركوح، يارد، حنوش، الصايغ، نصراوي، والعديد من العائلات التي سكنت واستقرت في إربد بعد قدومها من فلسطين وسوريا ولبنان في بداية القرن العشرين، قبل استقرار بعض العائلات والعشائر صغيرة العدد، وخدمت قرية إربد في بداية تكوينها، وأصبحت مدينة تحملت آلاف الأخوة من فلسطين، وسوريا، والعراق، ومختلف الدول العربية، وقدمت عشائر إربد كل ما تملك للمحافظة على تاريخها المشرف.

الى هنا، انتهى التقرير بحمد الله جل وعلا.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات