|
يعتقد الكثيرون بجمود الهوية ، وهذا الاعتقاد الخاطئ هو السبب فيما يعانيه الإنسان و تعانيه الشعوب حول العالم بسبب ما يسمى أزمة هوية ! ، فالتغيّر و التغيير هما سمة الحياة و ليس الجمود ، أقول التغيّر و التغيير و لا أقول التلوّن و التلوين ؛ فالأولى تمثل إيجابيّة الحياة و الثانية تمثل سلبيتها ، الهويّة الطاغية لشعبٍ ما تمثل هوية أغلبية أفراده ، وهذا يقودني للتحدث عن هوية الفرد قاصداً هوية الشعب . يصل تزاحم الهويّات داخل الفرد الواحد لدرجةٍ تسبّب له أزمة نفسية بسبب عذاب الضمير أو نقص القناعة لديه بالهوية التي يعلنها عن نفسه ، فمثلاً عندما تسيطر عليه هويته الوطنية تنازعه في دواخـل نفسه هويته الدينية فيشعر أنه يقترف ذنباً ، أو تنازعه أيضاً هويته القومية ليشعر أنه يخذل أمته العربية ، و العكس صحيح ، مما يصيبه بعدم القناعة و الحيرة هل هو أردني عربي مسلم ، أم عربي أردني مسلم ، أم مسلم أردني عربي ، أم أردني مسلم عربي ، أم عربي مسلم أردني ؟! لأن ترتيب الوصف مهم ، فالتراتبية تعني الهوية الحقيقية المترسخة في العقل الباطن للإنسان . والاعتقاد بجمود الهوية هو سبب أزمتها ، و بالتالي سبب أزمة الفرد النفسية عندما يضطر لتحديد هويته و لو بينه و بين نفسه ، لكن لو أدرك الفرد أن الهوية ليست جامدة و متغيرة تلقائياً و لا إرادياً لما كان هناك مشكلة ، لأن تغيرها التلقائي يؤدي للنتيجة الصحيحة و المريحة دائماً و سأوضح ذلك لاحقاً . و الخطأ الآخر هو الاعتقاد أنّ هناك عدة هويات مخيّر بينها الفرد و مجبر على اختيار إحداها والتطرف فيها : هوية وطنية ( أنا أردني فقط أو أنا فلسطيني فقط ) ، وهوية قومية ( أنا عربي فقط ) ، هوية دينية ( أنا مسلم فقط أو أنا مسيحي فقط ) ، و إنسانية ( أنا إنسان و حسب أو أنا أُممي فقط ) ، وهذا الاعتقاد الخاطئ الشائع بتعدد الهويات هو ما أورد كثيراً من الشعوب موارد الهلاك ، لأنّ تَمترُس كل مجموعة من الأفراد خلف هوية جزئيّة معينة أدّى إلى انغلاقها على ذاتها و فقدان القدرة على الاتصال مع الآخر و التحاور معه وبناء جسور الثقة و التفاهم بينهم لأنّ الآخر أيضاً متمترس خلف هويته الجزئية و منغلق على نفسه ! الصحيح في الهوية أنّنا كبشر لنا جميعاً هوية واحدة و لكن يوجد لكل فرد هوية لها خصوصية معينة و ليست خاصة فيه وحده ، لأنّ هوية الفرد تتكون من عدة عناصر بداخلها و هذه العناصر هي ( العنصر الوطني ، والعنصر القومي ، و العنصر الديني ، والعنصر الإنساني ) ، فمن اقتنع أن هويته واحدة من عدة عناصر لن يشعر أنه متشرذم بين عدة هويات ، ولن يعاني أزمة هوية ، و ما يحدث في لحظة زمنية معينة ما هو إلا بروز عنصر معين بشكل أقوى من عنصر آخر ، وفي لحظة زمنية أُخرى ذات معطيات أُخرى بروز عنصر آخر بشكل أقوى ، وهذا هو التغيّر في الهوية الذي قصدته . مثال على ما سبق : لو كان يجلس معاً مجموعةً من الأردنيين أحدهم أردنيّ من أصول عشائرية و الآخر أردنيّ من أصول فلسطينية و آخر أردنيّ مسيحيّ متدين بغض النظر عن أصله و كذلك أردني مسلم متدين بغض النظر عن أصله ، و لو أخذ الحديث منحى الانتقاد من الأردنيّ ذو الأصول العشائرية للأردني ذو الأصول الفلسطينية و كان فحوى الانتقاد و أساسه هو بسبب الأصل و المنبت عند هذه اللحظة الزمنية سيبرز – لا إرادياً – لدى الأردنيّ ذو الأصول الفلسطينية العنصر الوطني و ستسيطر على هويته الصبغة الفلسطينية في تلك اللحظة بالذات كردّ فعل بشريّ طبيعيّ و لا يعني ذلك أنه عنصريّ أو ناكرٌ للجميل (!) ، و لكن ظروف تلك اللحظة أدت لبروز مكوّن أساسيّ من هوية الفرد بشكل أقوى من باقي المكونات ، ليدافع عن أصله . و لو أنه أثناء الحديث أتى فرد مصريّ وبدأ يتكلم بشكل سيء عن الأردن، سيبرز لدى الجميع العنصر الوطنيّ الأردنيّ فقط بما فيهم المتديّنان المسلم والمسيحيّ والأردنيّ ذو الأصول الفلسطينية لأن تلك اللحظة التي صنعتها كلمات المصريّ أجبرت العنصر الوطنيّ الأردنيّ أن يطغى على هويتهم ليدافعوا عن وطنهم . و لو دخل على الحديث زائرٌ أمريكيّ و بدأ يُسيءُ للعربِ بشكل كامل عندها سيختفي العنصر الوطنيّ و الـديـنيّ و سيبرز لدى الجميع العنصر القوميّ بما فيهم المتديّنان و المصريّ كذلك كردّ فعل طبيعيّ ليدافعوا عن أمتهم العربية . و لو تغيّر الحديث تجاه قيام الأردنيّ المسيحيّ المتديّن بالإساءة للأردنيّ المتديّن المسلم من ناحية دينية ستختفي جميع العناصر من الهوية ويبرز العنصر الدينيّ حتى عند باقي الموجودين غير المتدينين الذين سيدافعون بتلقائية قويّة ، و لو أنه أثناء الجلسة أتى يهوديّ و أساء للإسلام و للحضارة الإسلامية أيضاً سيبرز العنصر الديني و يدافع الجميع بحرارة حتى الأردنيّ المسيحيّ سيدافع عن الحضارة الإسلامية لأن المعتدي يهوديّ و المسيحيّ الأردنيّ هو مسيحيّ الدّيانة إسلاميّ الثقافة . المثالُ السابق يثبت أنّ لدينا جميعاً هويّة واحدة ولكنها ليست جامدة فهي تتكون من عدة عناصر تتغير قوة العنصر ، بحيث يبرز بقوةٍ شديدة و بتلقائية العنصر المناسب لظروف و معطيات تلك اللحظة الزمنية ، وهناك ميزة لعناصر الهوية أنها تتأثر بالبيئة المحيطة بالفرد ، بحيث تفعل البيئة مفعول المدرّب لعنصر معين ليظهر أكثر و أوضح من العناصر الأخرى ، فبيئة الفرد إذا كانت بيئة متدينة نجد أن العنصر الدينيّ من هويته يزاحم بشكل أقوى العناصر الأخرى فيبرز بوضوح ليصبغ الفرد بصبغته ، فيصبح هجوم هذا الفرد على أي موقف أو دفاعه عن أي قضية من منطلق العنصر الديني في هويته فقط ، ولكن هذا لا يمنع ظهور العناصر الأخرى في الوقت المناسب و رغماً عن الفرد نفسه ، وكذلك لو كانت بيئة الفرد ذات أفكار وطنية بحتة فنجد العنصر الوطنيّ متمرّن على الظهور بشكل أسرع و أقوى وهكذا . يبقى العنصر المهم من الهوية وهو العنصر الإنسانيّ الذي يجمعنا كبشر في هوية واحدة عندما يتمكن هذا العنصر من الظهور ، و ليكن مثلي على ذلك العالم آينشتاين فهو يهوديّ لدرجة أنه عُرِضَ عليه رئاسة إسرائيل و رفض ، و برغم موقفنا من اليهود و إسرائيل إلا أنني أعتقد أنه لا يوجد مسلمٌ واحد يحقد على آينشتاين و السبب أننا ننظر له من خلال العنصر الإنساني في هويتنا والذي فرض علينا احترامه لما قدمه للبشرية من فائدة كبيرة بعبقريته جعلتنا لا نستطيع أن نقزّمه كأيّ يهوديّ بنظرتنا له . وكذلك مثال آخر لو شاهدنا شابين أردنيين أحدهما يلبس (تي شيرت) يحمل صورة عمرو دياب و الآخر يلبس (تي شيرت) يحمل صورة جيفارا ، نجد أننا نظرنا نظرة سلبية للأول لأنه يضع صورة شخص لا نعتقد أنه قدّم لنا أو للإنسانية شيئاً ذي قيمةٍ حقيقيةٍ ! و بنفس الوقت ننظر للشاب الآخر نظرة إعجاب أو على الأقل نظرةً محايدة لأنه يضع على صدره صورة مناضل أُممي ! و هذا بسبب بروز العنصر الإنساني في تلك اللحظة دوناً عن العناصر الأخرى من هويتنا ، فجميعنا نشعر أن جيفارا المناضل من أجل الحرية لنا فيه حصة معينة مع أنه ليس أردنياً أو عربياً و ليس مسلماً ، بينما لا نشعر بأنّ لنا حصة معيّنة في عمرو دياب المطرب المتاجر بصوته مع أنه عربيّ ! نأتي لعناصر هويتنا ، نحن نتعامل مع قضايا أمتنا الإسلامية كمسلمين عرب أردنيين ، ونتعامل مع قضايا وطننا كأردنيين عرب مسلمين ، ونتعامل مع قضايا أمتنا العربية كعرب أردنيين مسلمين ، ونتعامل مع قضايا العالم كإنسانيين مسلمين عرب أردنيين ، و ليس في هذا تلوّن بل فيه ديناميكية الهوية التي تحمي الفرد من الحيرة و التشتت و الضغوطات النفسية و الاجتماعية . هويتنا كأمة عربية بعهد الخلافة العثمانية كنموذج على جميع ما سبق ؛ الخلافة العثمانية بدأت في حكم بلادنا بهويتها الخاصة و لكن كان يطغى العنصر الدينيّ الإسلاميّ على هوية الدولة العثمانية و لم يكن يطغى العنصر القومي التركي ، لذلك العربي برز في هويته العنصر الدينيّ الإسلامي بتعاطيه مع الدولة العثمانية ، ولذا أصبح جزءاً من دولة الخلافة الإسلامية بهويّة يسيطر عليها العنصر الديني لدى العربيّ و التركي ، فكانت صبغة هوية جميع الأفراد في الدولة دينيّة ، فلم يحدث أيّ تناحر بين العنصر القوميّ العربيّ و العنصر القوميّ التركيّ وذلك لأن قوة الخلافة الإسلامية أضعفت العنصر القومي في الهوية لدى الجميع مما تسبب بالاستقرار بسعادة و رضا من الجميع . في النهاية أقول أن من يُحسن استخدام عناصر هويته أو يتركها تظهر بتلقائية لن يواجه مشكلة أزمة هوية ، و يجب أن لا نستهين بترتيب عناصر هويتنا فتقديم العنصر الخطأ على العنصر الصحيح دمّر الخلافة العثمانية ، لذا يجب ألا نفسر خطأ بروز عنصر معين لا نفضله من هوية الآخر في لحظة معينة في ظروف معينة و نبدأ دون تفكير بكيل التهم للآخر ، فلو صبرنا ففي ظروف أخرى للحظة أُخرى سيبرز عنصر من هويته نفضله لدى هذا الآخر ! هذا ما أقوله رداً على من يفسر كل شيء من خلال عنصر واحد من هويته سواء كان دينياً أم وطنياً أم قومياً أم...، لا تحرموا عناصر هويتكم جميعها من الظهور بحسب الموقف و الظرف ، أطلت و لكن لم يكن من ذلك بدّ . تعليقات القراء 2- تحياتي لكاتبنا المبدع على تحليله الواضح لمفهوم الهوية وربطها بنا كأفراد ومجتمعات ، فنحن حقاً خليط من العناصر ولسنا عنصراً واحداً ولهذا فنحن نحتاج أن نجعل أحد العناصر يتفوق على الآخر في الوقت المناسب حتى نستطيع أن نكون متسقين مع داخلنا فإن قلت أنك مسلم فهذا لا يعني أنك لم تعد عربيا وإن قلت أنك أردني فهذا لم يخرجك من عروبتك وهكذا ، لكن فعلا هي الظروف التي تتواجد فيها هي التي تجعلك تظهر عنصرا أكثر من عنصر آخر .
07/24/2010
الأميرة
3- استاذ سميح اخشى ان ياتي على امتنا زمن تتنكر فيه لهويتها العربية وتمتد الى القطرية والى الوطنية لان حالنا كعرب لا يسر بال من كان في قلبه مثقال ذرة من عروبة واسلام ابتعدنا عن ديننا وصار يشتم نبينا الكريم على مراى ومسمع منا واساءات للاسلام من اعدائه في الشرق والغرب فكيف يا ترى من لا يغار ويهتم بدينه وعقيدته سوف يهتم بعروبته اخي المكرم لقد اضعنا هويتنا العربية والاسلامية منذ زمن بعيد وانظر لواقع امتنا الحالي كيف هو مزري وسياتي اليوم الذي يبتعد فيه العربي حتى عن اصله وعشيرته ومسقط راسه قهرنا نفسيا بسبب تخلفنا وفرقتنا والله يستر ما تبقى لدى العرب من ما تبقى من كرامة شعوب مسحوقة تذوق المر والعلقم كيف ستنهض بقوميتها واسلامها والمتوفر حاليا وبكثرة النظرة القطرية الضيقة وهذا ما يدندن عليه اعداء الامة العربية فاصبحنا لا نبالي بما يحدث لاي شعب عربي من المحيط الفاجر الى جهنم لماذا لاننا تقوقعنا واصبحنا سكان حارات لا تهمنا الامصلحتنا ولو ابيد ما تبقى منا المهم راسنا سلم وهذا ينطبق على كل الشعوب العربية بلا استثناء نشمت بمصيبة اشقائنا العرب وتمنى ان يبادو من على وجه الارض ما ظل هوية ولا وطنية قومية ولا هوية اسلامية والحمد لله اشكرك اخي المكرم تبو عجرم واعتذر ان كنت متشائما هذه المرة معك لكنا حالنا يحكي ما بنا نعيب زماننا والعيب فينا وليس لزماننا عيب سوانا ودمتم ووفقكم الله
07/24/2010
القيسي
4- الاخ سميح ...ما كتبته بالنسبه للهويه التي تحدد عند معظم الافراد قيم ومباديء مختلفه حسب اختلاف الهويه وتمسك الفرد بها...اقول بان ما كتبته جميل وقيم ويدل على الوعي والالتزام بالواقع الذي وجد عليه الانسان فانتماء الانسان لهويته يدل على انتماءه لمباديء ثابته بغض النظر عن ماهيتها هل هي في جهة الخير او الشر وانا احترم ذالك الانسان لانني استطيع التعامل معه لانه واضح وثابت في تعامله ولديه القدرة على التغيير للاحسن اذا لقي المنطق السليم لاقناعه بقيم ومباديء افضل انه يتصرف من خلال عقله لا عواطفه وهنالك اعلام اسلاميه كبيرة تحدث عنها التارخ قدمت من جميع امم الارض لتحوز على اسمى هويه قد يمتلكها الشخص وهي الهويه الاسلاميه وشرف دخوله في امة محمد عليه الصلاة والسلام وتلك الهويه الثابته االتي لا يستطيع اي انسان ان يغيرها اويخفيها مهما كان موقعه او مع من كان من الاجناس ... انني اتفق معك ان بروز او اظهار هوية دون اخرى لاي فرد حسب موقف معين لهو غريزي وفطري عند الجميع وهذا يدل على الانتماء لكن عندما تكون هنالك مصلحه عليا للوطن والجميع في انتماء الجميع وانضوائهم تحت هويه واحدة فهذا مما يجب ان يكون وهذا ما تؤيده عزيزي الكاتب فالنقل ما يلي ...نحن كلنا بشر نؤيد كل ما من شأنه ان يرقى بنا كبشر نسكن نفس الكوكب الارضي ...ونحن كلنا مسلمون نحترم جميع الديانات السماويه ..لكننا ندافع عن ديننا الحنيف ونبذل ارواحنا في سبيل نشره واعلاءه ... وكلنا عرب نصبوا الى اليوم الذي تستطيع فيه التجول في كل الاقطار العربيه من المحيط الى الخليج كأننا نتجول في قطر واحد بلا حدود او جواز...كما نتمنى العز والمهابه والمكانه الائقه للعرب بين شعوب العالم وان تتوزع الثروة والخير التي تجود بها ارض العرب للعرب وحدهم بالتساوي وان يكون لديهم جيش واحد موجه على اعدائهم وليس على بعضهم البعض ...وكلنا اردنيوون تبذل العزيز والغالي من اجل عزته ودفاعا عن ثرى ترابه الطهور...وكلنا فلسطينيون لاننا نعرف بان استرجاعها واجب مقدس على الجميع وان فلسطين ستبقى جرح نازف في الخاصره ...ووخز مؤلم ونقاط سوداء في ضمير كل عربي ومسلم لحين استرجاعها من اولاد الافاعي مهما طال الزمن ...عزيزي الكاتب اعرف بانني اطلت بالتعليق وهذا من شدة اعجابي بك باختيارك الموضوع وتقديمه باسلوب بليغ وجميل فهنيئا لقراءك بك مع شكري وتقديري.
07/25/2010
م .ا .م
| |||||||||||||||||||||||||||||||||
|
جميع الحقوق محفوظة لـ وكالة جراسا الاخبارية لامانع من الاقتباس واعادة النشر شريطة ذكر المصدر |
1-
اتمنى ان يقرأ البعض موضوعك بتروي وعقل منفتح ويفهم ما بين السطور لان فعلا بعضنا يعاني اكثر من ازمه هويه او فوبيا الهويه . اجدت واصبت يا استاذ سميح ليت بعضنا يتخلص من تعصب الجاهليه ونستوعب ازماتنا بوعي ونضج . .تحياتي .
07/24/2010
وضحه البنا