اغلاق

مخاض التغيير


من الآثار المدمرة التي تركتها الانظمة العربية الشمولية والاستبدادية في مختلف أقطار وطننا العربي الكبير كانت افساد الحياة السياسية والاجتماعية وذلك بطرق شتى كان من أهمها افساد النخب المجتمعية نفسيا وسلوكيا واقصاء من لم يكن بالامكان افساده اما بالسجن والاعتقال واما بدفعه نحو الهجرة القسرية الى المنافي البعيدة منها والقريبة وتحولت هذة النخب من شرائح يعول عليها قيادة الجماهير نحو الفكر النيير البناء وتعظيم القيم التي عادة ما تقوم عليها نهضة الامم والشعوب ,هذه النخب حولتها هذة الانظمة الى جماعات لا وظيفة لها سوى التطبيل والتزمير والنفاق المبتذل للولاة والحكام وتضليل الناس بافهامهم عبر مختلف الوسائل الاعلامية بان (ليس بالامكان أحسن مما كان).
ولهذا السبب وعندما بلغ السيل الزبى وما عادت الجماهير تحتمل المزيد من الظلم والفقر والبطالة والتهميش ,انفجرت تلك الثورة العارمة من تونس الى سوريا بشكل وسرعة فاقت توقعات أعتى علماء السياسة والاجتماع وعلم النفس وشتى مراكز الدراسات الاستراتيجية والمجتمعية وأصابت صناع القرارات الاقليمية والدولية بالارتباك والذهول, عند ذلك ومع فقدان النخب الراشدة برز دور احزاب عاشت في ظل الاستبداد معيشة هلامية ذات نظرة ضيقة مزركشة بالاحلام والرؤى التي لا تمت الى الواقع بأية صلة حقيقية وكان في مقدمة هذة الاحزاب قوى الاسلام السياسي اخوان وسلفيون وجهاديون ,هؤلاء ليس لديهم الخبرة الكافية في ميادين السياسات الميدانية والقدرات العملية والمنهجيات التي تتطلبها مرحلة التحول من الفكرة الى الثورة على أرض الواقع فمنهم من سارع برفع شعار الخلافة فورا ومنهم من نادى بأسلمة الدولة والمجتمع ومحاربة الآخر أي كان.
أما الاحزاب القومية والاشتراكية وبدلا من ان تعترف بأن الظروف الموضوعية من استبداد سياسي وظلم طبقي ونهب لخيرات البلاد وارتهان لارادة الاجنبي ,هذه الظروف كانت هي المحرك الرئيس لاندلاع الانتفاضة العربية الكبرى, بدلا من ذلك سارعت هذة الاحزاب للوقوف ضد ارادة الامة بالاعلان بان هذه الانتفاضة انما هي مؤآمرة صهيونية استعمارية أسمها (الفوضى الخلاقة) ووقفت هذه الاحزاب من حيث تدري أو لا تدري في خندق واحد مع الحكام بكل ما يمثلونه من استبداد وظلم اجتماعي وقهر فكري.
هذه النخب التي ولدت في حضن الاستبداد لا تمتلك الرؤى والخبرة الكافيتين كي تأهلها لقيادة المرحلة وفهم آليات التحول الديموقراطي , فهي لم تفهم حتى الآن بأن ما حدث ويحدث على أرض الواقع ليست ثورة بما تحتويه الكلمة من معنى في القاموس السياسي وانما نوع من الانقلابات أزاحت حكام عن كراسيهم وأتت بحكام جدد كي يجلسوا مكانهم يملكون نفس العقلية ويستعملون نفس الاساليب التي اتبعها من سبقهم,هذه النخب لا يبدو انها تفهم صعوبة التحول ومخاضه العسير, ولا تدرك معنى ان الشراكة في الوطن وحق المواطنة تعني الشراكة في تحمل مسؤولية ادارة البلاد والعباد , لذلك نحن نرى الآن عقلية الاستقواء على الآخر اما بالاستئثار بالحكم والاقصاء بقوة الاغلبية الغاشمة واما بمقارعة الآخر والعمل على ازاحته عن سدة الحكم بقوة الشارع ,بكل ما يحمله الشارع من صالح وطالح ,من مسالم يعبر عن رأيه ومن مندس مدفوع من قوى الشد العكسي غايتة اثارة الفوضى والدفع نحو العنف والقتل والتخريب.
كلنا نرى بأم اعيننا ما حدث ويحدث في مصر وتونس وغيرها من دول الانتفاضة الشعبية العربية , فلقد جرى تغيير الحكام ,فماذا حدث هل تغيرت الانظمة بعنى هل تغيرت العقلية والمنهجية الفكرية عند الاحزاب والنخب والافراد ؟ أم بقيت كما كانت دائما تسودها الانانية المفرطة والضبابية والتدافع نحو المجهول ؟ والجميع ينادى ويردد كالببغاء شعارات الحرية والديموقراطية ,الشعب يريد ويريد ويريد.
وتبين اننا نفهم الحرية على انها نوع من الفوضى غير المنضبطة ضمن أية حدود , نفهم الحرية على انها الخروج الى الشارع واطلاق الشعارات على شكل صراخ وصخب وعنتريات فاختلط الغث مع السمين وما عدنا نعرف من يريد وماذا يريد ولا نرى غير اغلاق الطرقات وحرق الاطارات والاعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة وسقوط الضحايا, ولا نعرف ماهية هذة الكائنات الفضائية التي تحرق وتدمر وتقتل ثم تختفي عن الاعين ,نقول ذلك ونحن نعرف تماما أن مسببي هذه الفوضى هم أناس منا يعيشون بيننا وربما هم اقرب الينا مما نتصور ولكنهم نوع جديد من المرتزقة يقدمون خدماتهم في التخريب واثارة الفوضي مقابل دراهم معدودة تدفعها لها اياد الشد العكسي التي لا تريد لنا ان نخطو على طريق التقدم والانعتاق من الظلم والاستبداد ولو خطوة
واحدة.
ظهر اننا نفهم الديموقراطية على انها قوة الاغلبية الغاشمة عبر الصناديق وليست قوة الشراكة في الوطن والتشاركية في المواطنة والتوافقية في تحمل المسؤولية ولو في نطاق مرحلة التحول من مجتمع السادة والعبيد الى مجتمع الكفاية والعدل والكرامة الانسانية . اي فهم كارثي هذا للحرية والديموقراطية والى اين يقودنا هذا الفهم وهذه الممارسات الفوضوية .
د. رضـا مومني



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات