اغلاق

بارانويا الأسد


لم يستطيع احد لغاية الآن إيجاد الطريقة المثلى لإزالة الاسد عن عرش سوريا والتقدم بالحالة السورية خطوة واحدة للإمام ومنذ عامين رغم الحراك اليومي المستمر الساعي لذلك، فحتى شركاء الاسد في مشاريعه الاقليمية كانوا وما زالوا بحاجة لإقناع الاسد بالتنحي وتسليم الحكم لمنظومة مشتقة من لدن النظم الحالي او بتعديل مساره بالشكل الذي يقبله عامة الشعب وبما يضمن لمصالحهم سلاسة الاستمرارية في الحالة السورية، إلا ان الأسد اصر على ابتزاز الجميع وفضح وتوريط المعسكر الحاضن له حتى النهاية.
فالجميع اصبح الآن يعلم بل ويتفق على أن لا (أسد) في سوريا المستقبل وذلك بعد السقوط الاخلاقي والإنساني لهذا النظام ورغم المصالح الايرانية والصهيونية في بقائه.. وعليه وبعد التأكد من استحالة قبول الشعب والمجتمع الدولية لاستمرار هذا النظام في الحكم اصبح المطلب الملح للمنتفعين من حقبة الأسد إطالة حكمه قدر الامكان لإيجاد البديل المناسب لهم بالابتزاز للمعسكر الآخر أو بالتفاهم معهم على البديل وبحيث يكون الأقل ضررا على مصالحهم.
ورغم معرفة نظام الاسد المفترضة بانتهاء موسمه ودوره.. فأنه ما زال يظهر ويتصرف بعكس توقعات الجميع، وهنا علينا أن نعترف الآن ان (عتاولة) السياسة لم يستطيعوا فهم الآليات التي تحكم تصرفات الاسد وتجعله يظهر بعدة وجوه وينطق بالمتناقضات جميعا في نفس الخطاب بكل صلابة وثقة أمام الملايين.. هذه المتناقضات والإسقاطات المتتالية له لا يمكن تبريريها وحتى عند طرحها من باب المصالح الشخصية أو من خلال صراعات مراكز القوة ووظيفته الإقليمية فيها ..
وبالرغم من أن صراع هذا النظام للبقاء في سدة الحكم محكوم عليه بالفشل أمام الثورة الشعبية العظيمة التي متوقع لها ان تصل الى غرفة نومه بأي وقت.. لكن اصرار الاسد على التصرف كرئيس (للأبد) لفت انتباه الجميع على الحالة النفسية التي يعيشها هذا الرئيس.. فعلى فرض جدلا استطاع الاسد الاحتفاظ بالسلطة لزمن ما ..فلا مصلحة حقيقية له بالاستمرار في حكم شعب لا يطيقه ولن يقبله بالمطلق بعد عقود من الفساد والقهر والدم.. وكذلك لا مصلحة له بحكم دولة ستصبح منبوذه في وجوده رئيسا لها امام العالم العربي والإسلامي والغربي..
ولعل خطابه الأخير الذي ناقض فيه كل (وعوده وبراءته وتسبيل عينيه أمام الأخضر الإبراهيمي) كان الظاهرة المهمة التي جعلت الجميع يدرك ان الحالة التي كان يمر بها الاسد هي حالة مرضية ليس إلا أصابت اعراضه العالم بشكل متفاوت ومتناقض .
كان على المراهنين على قدرة هذا الرئيس للقيام بمهام صبي المشاريع الخارجية وكذلك على المؤمنين بحكمة ورصانة هذا الرئيس مراجعة حساباتهم عند ظهور اعراض (البارانويا) وبشكل سافر على الأسد ونظامه بالمجمل .. فمرض البارانويا هو (حالة نفسية مرضية تجعل المصاب بها يملك جهازا عقائديا معقدا وتفصيليا يدور حول أوهام قد يبنيها هو نفسه لا واقع له مما تجعله يعتقد بأن السبب في استهدافه انه شخص عظيم ومهم للغاية وبحيث يتطور هذا الجهاز العقائدي ببطء شديد وعلى مر زمن طويل ليصبح منظما للغاية وبحيث يظهر بالمنطقية والواقعية).
هذا المرض الفردي قد يصبح مرضا أو ظاهرة جماعية مغلقة بعد الانتقال البطيء لأعراضها ونتائجها التي تعمل على التحول من اعراض الى عادات جماعية وعقائدية لمن حول المريض إذا كان هذا المريض صاحب منصب ومتبوع من قبل المنتفعين له.. وعلينا هنا أن نتذكر ان (فرويد) أول من استطاع كشف تأثير الأمراض النفسية واستغلالها في السياسة مثل تحليله للبارانويا اليهودية التي بدأت منذ اعتقاد اليهود بأنهم شعب الله المختار رغم تغليف هذه القناعة بمظاهر الذل والخنوع لديهم والتي اتخذوا من ( المحرقة ) النازية ذريعة لإيقاظ هذه البارانويا واستطاعوا ابتزاز وتعجيز العالم كله بواسطة هذا الظاهرة.
وما يثبت مرض هذا (الرئيس) ودائرته المغلقة بهذا الجنون أو ربما إدعائه بهذا المرض لاستحضار حالة مشابهه من الناحية المرضية لحالته وهي حالة (التمترس اليهودي) بعد الحرب العالمية الثانية.. هو تطابق جميع عوارض المرض بالكامل مع حالته والتي نجدها واضحة مثلا من خلال عدم ثقة الاسد أو دائرته بالآخرين خارج منظومته مما يدفعه لتركيز كلّ حواسه على تصرفات الناس من حوله وتفسير كل حركة لهم بطريقة تخدم قناعاته، كذلك محاولة صنع اجواء شعبيه وأسرية ضمن دائرته مليئة بالأساطير والتراث المتعالي على الآخر ( المقاومة المزعومة).
وذلك قد يدفعنا لفهم التمرد النرجسي الذي يدفع الاسد ومجموعته الى خوض المذابح العنيفة إثباتا لذات النظام وانتصارا لإيحاءات إنشاءه وتربيته ولو كانت من دماء الشعب السوري.. مما لا يبشر بالنهاية السهلة لمأساة الشعب السوري حين نتعامل مع هذا النظام غير عابئين بالمرض النفسي الذي اصبح ظاهرة عميقة لدى هذا النظام وأركانه الذين اصبحوا يعملون بالإيحاء المباشر بعد الانتقال الحتمي لأعراض هذا المرض خلال فترة اربعة عقود كانوا فيها يتلقون الرسالة خلف الرسالة لتكوين حالة مشابهه للبارانويا اليهودية وربما عن تخطيط في البداية لتصبح حالة التكوين والتمترس (الأسدي) مشابهه للكيان الصهيوني الذي استطاع البقاء في وسط مليار رافض له.

جرير خلف



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات