اغلاق

2013 .. عام التهديدات الامنية


عياناً بياناً وبالملموس، ثبت هذا الاوان ان الامن بمعناه الشمولي، وليس البوليسي والاستخباري فقط، درة ثمينة، وغاية عزيزة، وحاجة ضرورية لا تقل عن الحاجة البشرية للماء والغذاء، وفق ما جاء في الآية الكريمة حول حاجة العباد الى رحمة الرب 'الذي اطعمهم من جوع وآمنهم من خوف'. 

ورغم ان اهمية الامن معروفة منذ قديم الزمان، ونعمة الامن مطلوبة ومنشودة على اتساع العالم، الا ان ما خالط 'الربيع العربي' من مذابح وفجائع وفوضويات قد ضاعف من قيمة الامن، واهمية السكينة والاستقرار، واولوية الطمأنينة الفردية والجماعية على كل ما عداها.
قلنا ذات مقال سابق، ان الامن يماثل الماء الذي قيل فيه، 'انه ارخص موجود واثمن مفقود'.. فالناس لا يشعرون بقيمة الامن ما دام حاضراً ومتوفراً، وما داموا يزاولون حياتهم بوتيرة روتينية واعتيادية، غير انهم سرعان ما يجزعون بشدة، ويهرعون للصلاة في محراب الامن 'المقدس'، بمجرد ان تنطلق غيلان العنف والقتل والسطو والخطف والاضطراب.
ولعل اوضح تجليات الواقع العالمي الراهن ومظاهره وظواهره، تقلص ادوار الجيوش والقوات النظامية، واقتصارها على القليل من الساحات والمهمات، مقابل تغول الاجهزة الامنية، واتساع رقاع نشاطاتها ومسؤولياتها، والى حد ان الولايات المتحدة التي احترفت الاعمال العدوانية العسكرية لعشرات الاعوام قد ثابت، بعد ان استنزفت قواها، الى رشدها، وضيقت مساحات تواجدها العسكري في العالم، واعتمدت بدل ذلك على 'القوة الناعمة' المتمثلة في اجهزتها الاستخبارية والتجسسية والتآمرية التي تمكنت من توظيف وتسخير اعداد هائلة من الاعوان والوكلاء والعملاء لكي ينوبوا عنها في خوض معاركها وتنفيذ مخططاتها ومشاريعها.
معظم حروب العالم الحاضر فقدت صفتها العسكرية العلنية، وطبيعتها القتالية المباشرة، واتخذت صيغة المواجهات الامنية، والضربات السرية، والاختراقات الاستخبارية، والمؤامرات الملتوية والالتفافية، والحروب بالوكالة من خلال قوى وجماعات وحركات وواجهات مختلفة يجري تجنيدها وتحشيدها لهذه الغاية.
ومع ازدياد الاعمال الارهابية، وانتشار الحركات التخريبية، واندلاع الحروب الاهلية، ازدادت اهمية الاجهزة الامنية، وتضاعفت وظائفها الاجرائية والوقائية، واتسعت سلطاتها وصلاحياتها بشكل غير مسبوق في التاريخ العربي والعالمي حتى في ايام المد الثوري، والمقاومة الشعبية، والانقلابات العسكرية التي اعقبت الحرب العالمية الثانية.
غير ان الفرق كبير بين امن الدولة والدولة الامنية، فامن الدولة لا يتحقق بالاعتماد على الاجهزة الامنية فقط، بل يتطلب عدة عناصر ومقومات واشتراطات، بعضها سياسي، والآخر اقتصادي، والثالث ثقافي واجتماعي.. في حين تقتصر الدولة الامنية على الجوانب القمعية والتعسفية، وتعتمد بالدرجة الاساس على الدوائر البوليسية والمخابراتية الشرسة التي كثيراً ما تودي بامن الدولة وهي تحاول الحفاظ عليه، وتثير نقمة الشعب وهي تجهد لتدجينه وفرض الوصاية عليه.
لم تنجح الدولة الامنية في صون الامن الوطني طويلاً، ولم تتحول بالتالي الى دولة آمنة، رغم تورطها في كل افانين القمع والضبط والسيطرة والتعذيب.. حدث ذلك في معظم دول اوروبا الشرقية التي كانت مدججة بالاجهزة الامنية ومختلف صنوف البطش والملاحقة، ولكنها سرعان ما انهارت وتوارت بمجرد تهاوي الاتحاد السوفياتي، كما حدث ذلك في معظم دول الربيع العربي التي لم تصمد مؤسساتها الامنية امام هدير الانتفاضات الشعبية، ولم تثبت موجودية حقيقية عندما جدّ الجد، وحانت ساعة الامتحان.
وعليه، فليس امامنا، ونحن نستقبل عاماً جديداً مفعماً بالتحديات، سوى التخوف من الآتي، والتحسب من القادم، والاستعداد لاسوأ الاحتمالات والتوقعات على الصعيدين، العربي العام والاردني الخاص.. ذلك لان نيران الفتنة الكبرى قد اشتعلت داخل البيت العربي بضراوة وبات من الصعب اخمادها، ولان دواليب القتل والذبح والدمار قد انطلقت بسرعة فائقة وبات من المتعذر توقيفها، ولان نعمة السكينة والامان والطمأنينة العامة قد تبددت وتبهدلت وذهبت بغير رجعة، سواء في الدول التي سقطت انظمتها او تلك التي ما زالت على حالها.
المؤلم والمخجل والباعث على الابتئاس، ان امتنا العربية تقف اليوم بازاء دورة تاريخية مرعبة ومكتوبة بالدم وحروف الفوضى والانفلات.. فقد خرج المارد الفتنوي من قمقمه، واستيقظت الضغائن والثارات القديمة، وانبعثت مجدداً وقائع الجمل وصفين وكربلاء، واتسعت - بفعل اكثر من فاعل - دوائر العداء والبغضاء بين المسلم والمسيحي، وبين السني والشيعي، ودخلت على خط الازمات العربية كل الدوائر الاستخبارية والتضليلية والتحريضية الاجنبية.
لقد غاب - او يكاد - العقل السياسي العربي، وغابت معه لغته وفطنته وحضاريته وفاعليته، فيما اكتظت المنابر والميادين والفضائيات بالخطابات الغوغائية، والفتاوى التكفيرية، والثقافات البدائية، والجماعات الوهابية والارهابية المتعطشة للدم، والمتفرغة للقتل والذبح، والمتخرجة من مسالخ تنظيم القاعدة الذي استعاد - بواسطة قطر - سيرته الاولى في خدمة المشاريع والمخططات الامريكية والصهيونية، وبات يشكل مع افرعه واذرعه خطراً داهماً على الامن القومي برمته والمستقبل العربي باسره.
خلال العامين الاخيرين، تمكنت المخابرات الامريكية المتسيدة على مثيلاتها في قطر والسعودية وتركيا، من اعادة تكييف وتأهيل تنظيم القاعدة وتوابعه السلفية الجهادية، ودفعه باتجاه العمل في الداخل العربي والاسلامي، ورفع راية العداء للشيعة والنصارى والعلمانيين العرب، واعتبار الجهاد ضد روسيا وايران والصين اولى منه ضد امريكا واوروبا واسرائيل.
ان الجنون المذهبي، والتجنيد الصهيوني، والتعبئة العرعورية والتكفيرية، هو ما يمكن ان يفسر - ولا يبرر - انتقال الشباب الفلسطيني من كفر قاسم او ام الفحم في قلب الكيان الاسرائيلي الى حلب وادلب، بهدف الجهاد والاستشهاد هناك، في مواجهة 'العلويين الكفرة' الذين يحكمون سوريا، كما يمكن ان يؤشر الى ما ستحمله قادمات الايام من مخاطر وويلات على الامن العربي بفعل هذه العناصر والجماعات الهوجاء والعمياء قلباً وعقلاً.
عما قريب، وربما خلال هذا العام الجديد، سوف يتأكد للعرب اجمعين ان الامن اغلى من النفط، وان صناعة الامن اهم من صناعة المال، وان الدول الفقيرة المستقرة افضل من الدول الغنية المضطربة والمحتربة، وان اول لوازم وشروط الحياة والحرية والديموقراطية والاستثمار والازدهار وحقوق الانسان، يتجسد في الامن والامان والاطمئنان والسلم الاهلي !!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات