اغلاق

من ضيّع هيبة الدولة !


لاول مرة يعترف رئيس وزراء اردني أن الدولة الأردنية قد فقدت هيبتها بل وكرامتها في جوانب عدة ، وإن كان الحديث خرج من اجتماع " تربوي " شكلا كان تناول عملية امتحانات الثانوية العامة ، و سياسيا لحث الناس على المشاركة الانتخابية ، فأن النسور هنا ومن خلال " استجداء " رجال التربية للمشاركة وحث القطاع على المشاركة في الانتخابات ، فإن ما قام به اصلا يُعد تعديا على هيبة الدولة !! ولم يراع الرئيس المبجل أن حديثه كان يجب أن يقتصر على امتحان الثانوية العامه من أجل منح هذه الجزئية الهامة من منظومة التعليم في الأردن وما أدته عملية التراخ والامبالاة حيال الأمتحان سواء على صعيد ضبط السلوكات الطلابية وحالة الفوضى التي ترافق العملية و التي حالت الامتحان الى فوضى ومهزلة لم تعشها البلاد منذ عقود ، حيث كان لامتحان الثانوية العامه في الأردن سمعته الطيبة التي كانت تدفع بعض طلابنا للهجرة الى مصر او لبنان للحصول على الشهادة الثانوية لقناعتهم بضعف اماكانات الاستجابة لمتطلبات الحصول على الثانوية العامة في بلادنا ،فتحول الحال الى أن يحصل الأمي على شهادة التوجيهي بكل يسر، مستغلا التكنولوجيا والغش المباشر وعوامل تكرار الأسئلة او تهريبها قبل أن توزع على الطلبة بساعة ..
لم يكن امتحان الثانوية العامة وحده من تأثر بنتائج سياسات الخصخصة التي قادها تيار التدمير وليس التصحيح الأقتصادي وأدى لإضعاف هيبة الدولة ، فقد عانت منه قطاعات واسعة شملت التعليم العالي والمنح الجامعية غير المتوازنة ولا العادلة ، وشمل كذلك قطاعات الصحة والخدمات البلدية والبيئة والسياحة وانتشرت مظاهر المؤسسات الحكومية الرفيعة المخصصة لأبناء الذوات، وانتشرت معها مظاهر الرشي والمال الخاص مقابل الخدمة والعطاءات المحالة بالتلزيم لشركات ومؤسسات وشخصيات مقابل رشاوي باتت هي السمة الغالبة لتلك القطاعات ،ناهيك عن قطاع فقدان الدولة لكرامتها في مجالات ملاحقة الفاسدين وتبرئتهم عبر قوانين العفو العام او الخاص أو عبر مجلس نواب ، او حتى عبر تغييرات وتعديلات طالت الجسم القضائي من أجل استهداف شخصية كالنائب العام لمجرد أنه استدعى أو حبس متهمين بقضايا فساد ..
هيبة الدولة مرتبطة بالنظام السياسي دوما ، وبنقاء ونزاهة وقوة من يديرون البلاد ، واستقلالية قضاء يعيثون به فسادا كيفما شاءوا ورغبوا خدمة لمصالحهم ،إمتهان هيبة الدولة متعلقة بغياب الاستقلالية التي طالت كل السلطات تشريعية او قضائية او تنفيذية ، فكيف لنا أن نوفر هيبة لدولة تنتقي اعضاء سلطاتها التشريعية تزويرا وتعيينا ، والمصيبة أنهم يقدمون نماذج فاسدة وذات تاريخ أسود الى مقاعد البرلمان ! وكيف لهيبة الدولة أن تكون حاضرة في سلطة قضائية تديرها أجهزة أمنية وافراد وغالبية احكام من سجنوا وارسلوا للمعتقلات كانت تصفية حسابات ليس إلا ، والأعظم من كل هذا أن هيبة الدولة ضعفت مع عملية إضعاف هيبة الأجهزة الأمنية التي كانت ولازالت هدفا لكل الفاسدين والأعداء ، فخرج من دوائر أمنية اكثر من مدير مخابرات قيل انهم " فاسدون " في قضايا لم تقنع المواطن العادي حتى عدد سنوات وطرق اعتقالهم ! وخرج اكثر من مدع وأشيع أن قيادة الجيش العربي هي الأخرى كانت تدار من قبل فاسدين وسماسرة وان طريقهم الى القضاء يجري التمهيد له لاحقا ،والمشكلة الأبرز أن " الانهيار الكبير " الذي لحق بالدولة الأردنية وهيبتها تسارع في السنوات العشر الأخيرة بسبب التحالف المقيت الذي تم بين طبقة التجار المحتكرين وبين بعض رموز النظام والمقربين واصحاب الاتجاه النيوليبرالي المحكم قبضته على البلاد حتى الساعه ، بدليل أن اي من كباره لم يستدعى حتى لسماع أقولهم فيما ينسب اليهم من مفاسد ، وقد أدى هذا الى انتعاش سياسات الهوية وبروز المعارضة العشائرية والدينية والمذهبية طلبا للحماية من تغول هذا التيار الذي نجح في تفكيك مؤسسات الدولة وإضعاف دور الدولة ، عبر تصفية شبكات الحماية الأجتماعية ،فانتفت الى حد ما الطبقة الوسطى التي تدحرج غالبتها الى الطبقة الدنيا ، واستفاد البعض من الترهل فصعد الى نادي الفساد والكمبرادور والنيوليبرالية ،وانتشرت معها مظاهر أوسع واعظم للفساد في كل مؤسسة وكل ركن من أركان الدولة فضاعت هيبة الدولة هنا ..
لا أحد في البلاد منشغل للساعة بإعادة الهيبة للدولة ، وبالرغم من ان الحراك الشعبي يحاول جاهدا توجيه ضربته الى هذا الاتجاه النيوليبرالي عبر الدعوة الى محاكمة رموزه واسترداد ثرواته وتوسيع الانتاج واستغلال الثروات لصالح القطاع العام والمطالبة بتعديلات دستورية تمنح الشعب صلاحية أوسع للمشاركة في الحكم بما يعيد القوة والهيبة للدولة ويمنح النظام هيبة باتت معرضة للضعف ،إلا أن تلك المطالب لم تلقى الآذان الصاغية من لدن النظام الذي يحاول جاهدا الالتفاف على تلك المطالب عبر تعديلات " شكلية " لم ترق لمستوى الطموح ،والتي قد تصّعد مستقبلا من حدة المواجهة بين الشعب والنظام ، وخاصة في ظل أزمة اقتصادية ومديونية عظيمه بات المواطن وحده هو الكفيل بسدادها ،وتلك أزمة كبيرة افقدت الناس ثقتها بالنظام ومؤسساته وحملته مسئولية ما يجري من تسرب الهيبة عن الدولة الأردنية والنظام نفسه ، وجعلته يزيل من صفحات وطنيته تعاليم الولاء والانتماء اوالحفاظ على هيبة دولة لم تقيم لكرامته وحاجته ومعاناته وزنا ...



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات