اغلاق

الراعي و أهل القرية


كلنا نتذكر تلك القصة الشهيرة عن الراعي و أهل قريته الذي جعلهم يفقدون ثقتهم به بعد أن ضللهم أكثر من مرة و قام بخداعهم بعد أن كذب عليهم بخصوص ذلك الذئب الذي كان يدعي أنه قادم لمهاجمة قطيعه, و في كل مرة بعد أن يهبوا لمساعدته, كانوا يكتشفون أن ما ادعاه عليهم ما هو إلا مجرد خداع هدفه الحصول على التسلية, إلى أن جاء ذلك اليوم المشؤوم الذي أصبح فيه بحاجتهم فعلا فلم يجدهم.. حتى أتى الذئب على أغنامه فأصبح نادما حين لا ينفع الندم.
أزمة ثقة و تراكمات هي ما جعلت الشعب هذه المرة يخرج عن صمته و لا يصدق روايتها, و عاندها بالوقوف لجانبها في الوقت الذي احتاجته فعلا به, البعض يحلل بأن السبب الرئيسي للإحتجاج هو سياسي و ليس اقتصادي, و البعض الآخر يقول بأن السب اقتصادي بحت بسبب التوقيت الخاطئ لرفع الدعم جاء في وقت أصبحت لقمة العيش فيه أصعب من ذي قبل, و أنا هنا لا أنوي تبني وجهة نظر أي منهما و لكن المؤشرات و الأرقام جميعها تقول بأن السبب هو اقتصادي رافق عدم استقرار سياسي تعيشه البلد منذ ما يقارب السنتين, فاجتمعت الظروف بذات الزمان لتولد ذلك الانفجار الشعبي و آثاره الذي نقر جميعا بأنه جاء كنتيجة حتمية لممارسات خاطئة نحملها ليس فقط لحكومة النسور و إنما لجميع الحكومات المتعاقبة منذ الحكومة الأولى التي شكلها الروابدة في بداية عهد تسلم الملك عبدالله الثاني لسلطاته الدستورية.
شخصيا تفاءلت عندما استلم النسور مهامه رئيسا للوزراء على إعتبار أنه شخصية وطنية لها تاريخها السياسي النظيف, إلا أنه على ما يبدو جاءنا في التوقيت الخاطئ.. و لكنه الواقع و الأرقام, الذي فرض عليه اتخاذ قرارات عاجلة لإنقاذ قيمة الدينار كأسرع الحلول, في حين أن الحلول الأخرى التي نادى بها الشعب و الحراكيين استغرقت وقتا و لم تتم لغاية الآن, و مع ذلك بصراحة لا زلت أحتفظ بثقتي و تحفظي بنفس الوقت على إدارة النسور لهذه المرحلة الحساسة التي لم تقل حساسيتها عن الفترات التي سبقت عصره.
اذا نظرنا للموضوع من منظور اقتصادي بحت نجد أن حماية الدينار و المحافظة على قيمته من الانهيار هي الملف الأهم هذه الأيام من أي ملف آخر, و بغير التضحية لا يمكن تجاوز هذه الأزمة, فرضا لا قدر الله إذا ما تعرض الدينار لأي هزة سنجد قيمته تقلصت كما حصل في نهاية ثمانينات القرن الماضي, إذ وصل سعر الدينار لدولار و نصف بعد أن كانت تشكل قيمته ثلاثة دولارات, و هذا بحد ذاته خسارة تفوق بكثير أي خسارة قد تلحق بالشعب من مجرد رفع الدعم.. تخيل أن الشاب الذي يمتلك مدخرات بقيمة خمسة آلاف دينار و التي تعادل حوالي سبعة آلاف دولار ( على أساس أن الدينار مربوط عالميا بالدولار ) قد أصبحت بين عشية و ضحاها خمسة آلاف ( دولار ) أو أقل..!!
الرئيس النسور صرح أنه بقراره الأخير بصفته صاحب الولاية العامة لم ينصاع لنصائح المخابرات و لم يتلقى أمرا من أي كان بخصوص الرفع, و بهذا التصريح إتضح لنا بأن جزء كبير من الإصلاح المنشود قد بدأ فعلا بجسم الدولة من خلال استعادة الصلاحيات و العمل ضمن خطة كبيرة تهدف لترتيب قنوات القرارت الحكومية كما يجب أن تكون, لا كما كان يتم بالسابق.. و لا ننسى بأن النار لا يتم مكافحتها بالنار كما شهدنا من ردود فعل تجاهلت المصلحة العليا و ركزت على جزئيات, كان يمكننا التغلب عليها تلقائيا بعد اكتمال الصورة, أجدد ثقتي بخطة النسور للإصلاح و أطلب من الجميع دعمه و النظر لقرارته من أكثر من زاوية... لسبب بسيط: أننا ما عهدنا منه إلا كل خير... و ما هذه إلا البداية فقط.. و لننسى قصة ذلك الراعي القديم الذي نأمل أن لا يعود للرعي في أراضينا, و أن نعطي راعينا الجديد فرصة المئة يوم التي اعتدنا أن يأخذها من كانوا قبله لا أكثر..
و لنتذكر بأن الوطن و مستقبل أبنائنا أغلى بكثير من عشرين دينار.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات