اغلاق

غلاء المعيشة: التعويض العادل بالورقة والقلم


مصر بعد الثورة تنهكها الأزمات بشقيها السياسي والاقتصادي، العنوان الأبرز للأزمة السياسية هو أعداد الدستور، فعدا عن التيارات الإسلامية وتحديداً حزبي الحرية والعدالة "الإخوان" والنور "السلفيين" فإن غالبية القوى السياسية والشبابية التي شاركت بفعالية في الثورة تنظر بارتياب لمسودة الدستور، وتعتقد أن هذا الدستور يؤسس لدولة دينية.

وفي الجانب الاقتصادي، فإنني شعرت أن ما يحدث في القاهرة يحدث في عمان، فحكومة الرئيس الإسلامي محمد مرسي تتفاوض مع صندوق النقد ،ووافقت على قرض من الصندوق يقارب 5 مليارات دولار للتعامل مع الكارثة الاقتصادية التي يمرون بها، وعجز الموازنة الفادح، وعلى هذا الأساس بدأت الحكومة بخطة لرفع المشتقات النفطية بدءا من البنزين وانتهاء باسطوانة الغاز التي أصبح سعرها 55 جنيهاً .

أعجبتني جريدة الوطن المصرية في تناولها لملف غلاء المعيشة حين وضعت المانشيت على النحو التالي :
الأسعار قنبلة "كل بيت"، والمهم والطريف في الأمر أنها وضعت جدول يومي لأكل الغلابى المصريين لتحديد الكلفة الأساسية للطعام فقط، وتحت عنوان "الأسرة والأسعار .. معركة بالورقة والقلم" جردت الجريدة مكونات وجبة الإفطار التي تتكون من الخبز والجبن والبيض والحليب، ووضعت جدولاً أسبوعياً لأكل وجبة الغداء، واقتصر العشاء على الخبز والجبنة والحلاوة، وعملت حساباً لكميات الخضار والسلع الأساسية مثل الزيت والسكر والشاي، وقليلاً من الفاكهة، وكانت النتيجة أن التكاليف الشهرية للطعام فقط بلغت ما يزيد عن ألف و600 جنيه مصري، وهو ما يفوق المعدل الرسمي للرواتب في الوزارات، هذا دون التطرق لإيجار المنزل والتنقل والكهرباء والماء والمدارس.

لم أضع هذه المقاربة لأبرر رفع الأسعار في الأردن، ولكن لأقول بغض النظر عن النظام السياسي فإن الأزمة الاقتصادية عالمية الملامح ،وهي تطحن الكثير من الدول الأوروبية أيضاً .

الأزمة في الأردن معقدة، وأبرز أسبابها عدم الثقة بالحكومات، ولا بصدقيتها، ولا بالمعالجة، وبحثها عن أقصر طرق الحل وهو جيب المواطن ،هذا عدا عن الفساد الذي يرى الناس أنه أكل الأخضر واليابس، وهو السبب فيما وصلنا إليه!.

الطريقة التي قدمتها جريدة الوطن المصرية لاحتساب كلفة معيشية المواطن المتوسط الدخل ،نحتاج أن نقوم بها في الأردن ،لأنها مربط الفرس ،فإن كان لا مفر من رفع أسعار المشتقات النفطية ،فإن علينا في المقابل أن نقدم تعويضاً عادلاً ومنصفاً لشريحة الفقراء ومتوسطي الدخل.

واستناداً لهذه القاعدة فإن السؤال المفصلي .. هل يكفي 70 ديناراً قدرتها الحكومة لتعويض المواطن عن غلاء أسعار المعيشة، وهنا على الحكومة أن لا تتوقف فقط عند فرق أسعار المشتقات، لأن هذه الطريقة بالاحتساب غبية، ومضحكة، وتبعث على التندر؟!.

نريد أن تقوم الحكومة مع مؤسسات المجتمع المدني والمجلس الاقتصادي الاجتماعي والنقابات والأحزاب بجردة حساب لكلفة حياة مواطن بسيط، وباختصار، أكل، وشرب، وسكن، ولباس، ومواصلات، وضمن الحدود الدنيا للإنفاق، وبالتأكيد سيصل الجميع لقناعة أن تقديرات الحكومة للتعويض بائسة، ولا تكفي شيئاً، وهذا من أهم أسباب الاحتجاج الشعبي.

لماذا لجأت الحكومة للدفع النقدي، "وزاد الطين بلة" أنها كانت تخرج كل يوم علينا بتقدير ظلت تتراجع قيمته بدلاً من أن يرتفع ،ولماذا لم تتبع توصية اللجنة المالية لمجلس النواب بإصدار بطاقة ذكية " Smart Card " تحمل نفس الرقم الوطني وتستخدم للمواطنين لتقديم أسعار مدعومة في كل مكان، في محطات البنزين، والمخابز، وحتى محلات الخضار، والسوبر ماركت، والمواصلات، لأن الغلاء بعد رفع سعر المشتقات النفطية يعم، وتداعياته لا يمكن حصرها فقط بأسعار البنزين والسولار والكاز، ومن يعتقد ذلك أما أنه ساذج أو أنه لا يريد رؤية الحقيقة!.

السؤال الذي يطرحه الجميع ما الحل لمواجهة الأزمة وتداعياتها سعياً لوقف الغضب الشعبي الذي تفجر بعد قرار رفع الأسعار؟.

الخطوة الأولى تجميد القرار لمدة شهر على الأقل، ثانياً التوصل مع كل مكونات المجتمع وتحديداً الحراك الشعبي إلى حسبة عادلة لتعويض منصف، وتطبيق نظام البطاقة الذكية حتى يضمن المواطن أن الدعم مستمر، وليس جمعة مشمشية ستنتهي بعد زوال غضب الناس .

أما الخطوات اللاحقة الضرورية فهي مراجعة أوجه الإنفاق في الموازنة، والعودة إلى الترشيد في الإنفاق العسكري والأمني، والمضي في حل قضايا الفساد العالقة، بما يضمن استعادة أموال المجتمع ويقلل عجز الموازنة، وأخيراً أتباع سياسات الشفافية والإفصاح لوقف الإشاعات عن البذخ وحجم الأموال المهدورة في إنفاق مؤسسات الدولة بما فيها الديوان الملكي .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات