اغلاق

الثورة السورية


مضى ما يقارب من ثمانية عشر شهراً على إنطلاق الثورة السورية، يرى البعض في إنطلاقتها محاكاة وتأثراً بثورات الربيع العربي التي عصفت بأنظمة حكم فاسدة ( زين العابدين ومبارك والقذافي وعلي)، هذا الاعتقاد فيه من الصواب نصيب ولكنه يقزم الثورة السورية ويلقي ببعض الظلال على الدوافع الحقيقية الكامنة وراء هذة الثورة المباركة.
منذ تولي حزب البعث زمام الأمورعام 1963 في إنقلابه الشهير على الانفصاليين بدأ يسعى لتركيز السلطة الفعلية بيد منتسبيه من خلال سياساته الاقصائية، أدت تلك الاجراءات الى إجبار المعارضة على الاختيار بين السجن أوالمنفى، أو الانضمام الى الجبهة الوطنية المحرومة من كل انواع الحرية والمحكوم عليها مسبقاً بالموت السياسي،أدى ذلك الى تركيز السلطة بيد الجماعات المنتمية والموالية لحزب البعث مما حرم الكثير من أبناء سوريا الأكفاء من فرص الوصول الى مواقع قيادية وإدارية متقدمة .
تولت عائلة الأسد الحكم بعد تصفيات قام بها حافظ الأسد ضد رفاق الأمس وتعديلات دستورية سمحت له تولي رئاسة الجمهورية. بدأ الأسد بإعادة بناء الدولة السورية على أساس الدولة العميقة التى تحكم من قبل الأجهزة الأمنية،فأعاد بنائها في أربعة أجهزة رئيسةهي:المخابرات العامة والأمن السياسي والمخابرات الجوية والاستخبارات العسكرية ، تشرف على اعمالها نظرياً خلية الأزمة(مجلس الأمن القومي)، فيما يتفرع عنها خمسة عشر جهازاً أمنياً تتجسس جميعاً على بعضها ولديها قنوات إتصال مباشر مع قمة الهرم السياسي، أدى ذلك الى تغول هذه الجهزة على المواطن السوري فسامته كل أنواع العذاب والظلم، وأصبحت مرتعاً للفساد والافساد. لم يكتفي الأسد بذلك فأعاد بناء القوات المسلحة السورية على أسس طائفية خاصة القوات البرية منها والتي تزيد حصة ابناء الطائفة العلوية فيها عن 70%، وخير مثال على ذلك قوات الحرس الجمهوري التي شكلت من سرايا الدفاع (صاحبة اليد السوداء في مجزرة حماة) بقيادة شقيقه العقيد رفعت الأسد.
حاول الشعب السوري مراراً الثورة على نظام البعث وعائلة الأسد ، وتمثل ذلك في الحركات المناوئة للنظام في كل من حلب وحماة بين عامي 80و82 من القرن الماضي، ولكن رد النظام كان دموياً قاسياً فقتل عشرات الالاف في اقل من شهر فيما عرف لاحقا بمجزرة حماةً. أدت تلك الاجراءات القمعية الدموية الى إسكان الرعب في صدور بعض السوريين، وحملت البعض الآخر على الرحيل خارج الوطن ،فيما كظم غالبية الشعب السوري غضبه في صدره منتظراً لحظة الخلاص.
جاء الربيع العربي ليزرع الأمل في صدور السوريين من جديد وليكسر حاجز الخوف فكانت المظاهرة الاولى في دمشق والتي فرقت بالقوة ليتلوها اطفال درعا بكتابتهم على بعض الجدران (أجاك الدور يادكتور) ، ولأن رجالات النظام ليسوا من أهل الكفاءة بل من الاقارب والانسباء والمحاسيب،جاء رد محافظ درعا إبن خالة الرئيس لوجهاء درعا المطالبين بإطلاق سراح الأطفال وإعادتهم الى ذويهم تعكس الحالة الأخلاقية المتردية لنبسة كبيرة من زبانية النظام والتي دأبت وتعودت على إذلال الشعب السوري.
أدى ذلك الى تفجر الثورة في درعا ( مهد الثورة) لتنقل بعدها الى حمص(حاضنة الثورة) ومنها الى حماة وادلب ودير الزور والبوكمال ......... لتعم معظم المدن السورية والريف السوري، فيما كان الحراك على إستحياء في كل من دمشق وحلب.
عمد النظام الى تبني إستراتيجيتين متتاليتين طبقتا من قبل حليفيه البارزين إيران وروسيا في مواجهة الثورة ، حيث حاول النظام السوري تطبيق الإستراتيجية الايرانية والتي استخدمت في مواجهة الثورة الخضراء رغم إختلاف الظروف المحيطة والاسباب الكامنة وراءكل منهما ،(الثورة الخضراء إنطلقت كنتيجة للانتخابات التي أعادت احمد نجاد لكرسي الرئاسة،فيما الثورة السورية جاءت نتيجة تراكمات سنين من الظلم والاقصاء )، كما إن إيران ليست سوريا، فإيران دولة الملالي ودولة ولاية الفقية والحرس الثوري والباسيج وفيلق القدس في مواجهة ثورة المدن ، فيما سوريا دولة البعث العلماني وحكم العائلة والشبيحة في مواجهة ثورة الريف المتجهة الى المدن، فتم زج الأجهزة الأمنية والشبيحة تحت حماية الجيش في مواجهة الثورة ووكانت النتيجة الطبيعية أن ما نجح في الدولة الصفوية فشل في الدولة العلوية، أدت المقارية الأمنية الفظة وقتل المدنيين الى بزوغ ظاهرة الانشقاقات والتي حاز على وسام الشرف فيها المقدم حسين الهرموش، بدأت ظاهرة الانشقاق بالتوسع الأفقي مما أدى الى توحيد هذه القوى الوطنية فيما أطلق عليه الجيش السوري الحر .
أدى الفشل السوري الإستراتيجي الى البحث عن البديل الآخر، وكان البديل إستراتيجية بوتين في غروزني في تسعينيات القرن الماضى والتي إعتمدت سياسة الأرض المحروقة والتدمير الممنهج ،والذي حملها وزير الخارجية الروسي لافروف ومدير الإستخبارات الروسية اثناء زيارتهم لسوريا في شهر أيلول من العام الماضي، فأخطأت القيادة السورية مرةً أخرى، فسوريا ليست الشيشان(قطعة الأرض المحصورة داخل الاتحاد الروسي الواسع) فيما سوريا مفتوحة على دول الجوار ومنها الداعمة للثورة، كما أن الامكانات المتاحة لبوتن لا تقارن بما هو متاح لبشار.
منذ بدء الحملة العسكرية عمدت قوات النظام الى تطبيق عقيدة غروزني، وكانت باكورة إجرامها في مدينة حمص وحيي الخالدية وبابا عمرو، ولتتسع دائرتها لتغطي الجغرافيا السورية من الشيخ مسكين وطفس الى شيخون وجسر الشغور ومن باب الهوى الى منبج والحسكة ومن الرستن وتلبيسة الى القامشلي ودير الزور والبوكمال ، مروراً بدرعا وحماة وادلب وإعزاز وحتى باب السلامه.
نجحت قوات المعارضة في تحقيق إختراق أمني إستراتيجي عندما فجرت مبنى الأمن القومي وقتلت بعض رموز الخلية الأمنية، ومن بينهم آصف شوكت، لتتبعها بالسيطرة المؤقتة على بعض احياء العاصمة بدءاً بالحجر الأسود ومروراً بمخيمي اليرموك وفلسطين وأحياء الميدان والتضامن ونهر عيشة والبرزة .............وغيرها ،كما إستغلت قوات المعارضة إنشغال قوات النظام في إستعادة السيطرة على أحياء العاصمة لتفتح جبهة قتال جديدة في العاصمة الاقتصادية (حلب) حيث سيطرة على الأحياء القديمة فيها ومنها أحياء صلاح الدين وسيف الدولة والنيرب ....................، وبالتزامن مع ذلك فرض الجيش الحر سيطرته الجزئية على ما يمكن أن نطلق عليها الخاصرة اللينية ( الممتدة من الحدود التركية مروراً بحلب وحماة وحمص وإنتهاءً بسهل الغاب في الغرب )، وليمتد سعار الحرب أيضاً الى منطقة الجزيرة والتي تشير بعض التقارير أن الجيش النظامي سلمها لحزب شعب غرب كردستان.
أدى إتساع دائرة القتال ونقص القوات البرية الموثوقة لدى النظام وتردي مستوى الصيانة والادامة للقوات المشتبكة الى إستخدام القوة الجوية بنوعيها الطائرات المقاتلة والعمودية وبشكل مفرط ضد الأهداف المدنية، بل إن قوات النظام لجأت لإستخدام القنابل العنقودية المحرمة دولياً ،وقنابل مبتكرة( قنبلة البرميل) لإحداث اكبر ضرر مادي ممكن، وإيقاع اكبرعدد ممكن من الخسائر في صفوف المدنيين، وللحيلولة دون حدوث مزيد من الانشقاقات لجاءت قوات النظام للاشتباك عن بعد مستخدمة الأسلحة الثقيلة من مدفعية ومدفعية الهاون والصواريخ، كما عمدت قوات النظام الى إرتكاب العشرات من المجازر البشعة راح ضحيتها الالاف من المدنيين كمجزرة داريا والحراك والقابون والحولة وغيرها الكثير(قتل اكثر من 5400 الشهر الماضي)، كل ذلك من أجل القضاء على الثورة وتأديب وتأليب البيئة الاجتماعية الحاضنة للثورة.
رغم دموية النظام وتجاهله لكل الاعراف والمواثيق والقيم الأخلاقية في قتله لشعبه بهذه الوحشية والدموية المفرطة الى أنه فشل في تحقيق ماحققه بوتين في غروزني، بل إنه فشل في تحقيق أي إنجاز يسجل له وعلى كافة المستويات التعبوية والعملياتية والإستراتيجية، فيما نجح الجيش الحر رغم امكاناته المتواضعة أن ينفذ عمليات متميزة على المستويين التعبوي والعملياتي وفي البعدين التخطيطي والتنفيذ، حيث تمكن الجيش الحر من تحديد مراكز الثقل والنقاط والمناطق الحاسمة للجيش النظامي والتي تتلخص في : القوة الجوية والقوات المدرعة والحواجز/ المواقع العسكرية والمراكز الأمنية، فهاجمت بنجاح مطاري تفتناز وابو الظهور، كما إحتلت بعض المقار الأمنية كمركز الاستخبارات العسكرية في دير الزور وحاجز إعزاز، كما سيطرة علب بعض عقد المواصلات في منطقق شيخون معرة النعمان أريحة جسر الشغور.
لقد فقد جيش النظام زمام المباداءة وإنحصرت أعماله في ردود الأفعال على العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش الحر، وهذا مؤشر إيجابي للجيش الحر وسلبي لقوات النظام، فالتاريخ العسكري علمنا أن الجيش الذي يفقد زمام المباداءة سيخسر الحرب حتى وإن ربح بعض المعارك ولو طال الزمن وإزدادة الكلفة.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات