اغلاق

دوافع العنف لدينا


الاصلاح والعنف المجتمعي ابرز القضايا التي تشغل المجتمع الان، سواء الرسمي والشعبي في الاردن، وهما محل تداول يومي، الا ان المعضلة الكبرى ان البعض يحاول ان يأخذهما باتجاه يخدم التوطين وطمس الهوية الوطنية الاردنية والفلسطينية كذلك ،عمدا خدمة لمنافع شخصية اواجندات غربية وصهيونية تخدم مصالح من يروج لها او لاسبابها.
ياخذ العنف المجتمعي بانواعه واساليبه ومستوياته المختلفة توسعا افقيا مساحيا وعموديا عميقا يوما بعد يوم،دون ان نحاول ان نتلمس اساس هذا العنف، والاسباب الحقيقية والجوهرية العميقة التي توازي عمق ما يجري وخطورته.
في الوقت الذي ترتفع عقيرة النفعيين والسطحيين الذين يبررون ذلك باسباب تافهة ومقصودة، اذ ينشغل هؤلاء البعض في البحث عن مكاسب ومغانم وحقوق، ليجدوا فرصتهم الضالة، في ربط هذا العنف باسباب تعمق العنف اكثر وتلبي جشعهم ورغباتهم الجامحة دوما،كالمقعد الجامعي "مثلا" الذي يحاول البعض سلبه ممن يعانون الفقر والبطالة والتهميش من اهل البلاد، وهم في عقر دارهم، من ابناء الريف والبادية والمتقاعدين والقوات المسلحة والامنية الوطنية، وليطالبوا بالغائها، او مساواتهم بالقادمين والاثرياء والحالبين والفاسدين.
ان هذه الاسباب المغرضة، التي تبتعد عن السبب الاساس، انما تعمق هذا العنف بشكل اوسع واعمق واعقد، حين يتعمق الشعور بالغلب والغبن وهم يرون من يريد ان يمعن في سلب حقوقهم في عمقها وعلى راسها الهوية الوطنية ، وما يعنيه غيابها من تهميش وتجاهل وما يرتبط بذلك من فقر وبطالة وفساد ومظاهر اخرى، والتي تشعر بالغربة المرة، تجعل الانسان في حالة استفزاز دائم يعبر عنه باساليب غير مباشرة، رغم الحلم والتصبر وكظم الغيض الذي يمارس في مواجهة ذلك.
ان اعتماد هوية هائمة عائمة نفعية سطحية تجرد النفس من حب الاوطان يصب في خدمة الاعداء والمتربصين بالوطن والدولة ، وهو ليس ببعيد عن عمل ممنهج لخلق جيل تائه يجعل من الضياع والسخافات والعنف عنوان لمسيرته ، يفتعل الشجارات وتداعياتها التي لا يمكن ضبطها مع تراكم تطوراتها مستقبلا ، سوف تفضي نتائجه بلا شك الى دوامة من العنف المتراكم .
وان الاسوأ الذي يعزز الاحباط ، ويثير الحنق ويعمق العنف وامتداداته اكثر ان يستخدم البعض شعارات الاصلاح والقومية وكم هائل من الفتاوي والفذلكات والتشاطر، ليختبئ تحت تلك العباءات ليطالب بما يصب في عملية دسترة التوطين وتثبيته دستوريا، وبيع الاوطان وطمس الهويتين الوطنية الاردنية والنضالية الفلسطينية، مراهنا على وهم عبقريته واستغفال الاخرين، ظنا منهم انهم محل ثقة تمنحهم تبرير تلك الالاعيب الشيطانية التي لم تعد تنطلي على اهل البلاد والشرفاء الذين نحترمهم.
صحيح ان دوافع العنف كثيرة تتعلق بظروف المجتمع ومتغيراته، ولكل مجتمع دوافعه الخاصة التي تدفع به للتأجيج، ولكن يبقى الدافع الاقوى والسبب الاساس للعنف ما يتعلق بالعمق النفسي والوجداني للانسان الذي يرتبط عادة بالوطن الذي اجمل الشعراء ذلك العمق وتداعياته في حكم وقصائد نرى منها ما يردد الان على الالسنة في إيصال المعاني الضاربة في النفس :
"وطني لو شُغِلتُ بالخُلدِ عنّه * * * نازعتني إليه في الخُلدِ نَفسي"
وما يعنيه ذلك من حنين ومشاعر يعبر عنها بالوطنية وعنوانها الهوية وما تعنيه من امجاد وحماسة وفخر وتاريخ وعبق الاباء والاجداد دائمة الحضور في النفس، ناهيك عن ما يرتبط بذلك من مشاكل ثقافية واجتماعية واقتصادية وحساسيات يومية تفرز تداعيات تراكمية، والعنف يتولد عندما يفقد الانسان او يفتقد الاحساس بهويته الوطنية، او يشعر ان هناك من يريد ان يسلبها منه، او يتحايل لاذابة هويته، فان اول رد فعل تلقائي وفطري داخله يتمثل في الجنوح الى العنف باشكاله المختلفة، ولاي سبب كان ومهما كان صغيرا ، والذي قد لا يشكل دافعا حقيقيا، انما تعلثا وتبريرا تعبيرا عن رفضه لما يجري له في عمق وطنيته.
ومن هنا ، ولاننا في ظل اوضاع محلية واقليمية مفصلية وخطيرة معروفة ومدركة ولكن نتائجها وتداعياتها غير متوقعة ، وقد نضج الوعي في قمته ، ولم يعد التضليل ينفع ولا انصاف الحلول تفيد ، فان اهل الحق اولى به واهدأ لنفوسهم ، وقد اصبح الحق عنوان المرحلة، فلا بد من العودة للاساس الذي يسبب العنف لدينا وذلك باعادة الاعتبار للهوية الوطنية الاردنية، وما يرتبط بذلك من اجراءات وبرامج وتشريعات ، ليشعر كل واحد فينا ان طريقه واضحة واحساسه مستقر وهواجسه هدأت ، لنجد بعد ذلك ان كل مظاهر العنف قد اختفت ولم تعد الا في اطارها الطبيعي والمتعارف عليه.
drmjumian@gmail.com



تعليقات القراء

ماريا
67% شكرا
15-11-2017 05:22 PM

أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات