اغلاق

الناس على دين امهاتهم .. !


قالت أمي لعمتي مبررة عدم حضورنا حفلة تخرج ابنتها، والله اني تعبت قبل مغادرتنا للبيت بدقائق واحضروا لي الطبيب، هزت عمتي رأسها قائلة : نعم لقد اخبرني اخي ابراهيم بأمر مرضك لذا حضرت للاطمئنان عليكِ، كيف انت اليوم؟

طبعا ذلك اليوم أمي لم تمرض بل كانت في قمة نشاطها بل وبدت لدقائق كعفريت شق الأرض وخرج منها، كانت تصرخ وتعربد في وجه ابي ( أنا اروح احضر تخرج بنت اختك التي اظهرت شماتتها عندما نجحت ابنتها في الثانوية العامة قبل أربعة اعوام بينما فشلت ابنتك، وعلى كل الاحوال لقد نصرنا الله ونجحت في العام الذي يليه ودخلت الجامعة، لكن اختك لا تتوقف عن ذكر أن ابنتها قد سبقت ابنتك بعام)، وعندما هاتفت عمتي ابي لأنه تاخر عن حفل تخرج ابنتها لم يسعف ابي غير أن يكذب عليها متحججا بمرض أمي المفاجئ.

وعلى الرغم من ان الكذب كان مهارة نكتسب كل يوم شيئا من تعاليمه من خلال التجربة العملية لنا في الحياة في المدرسة والجامعة والعمل ومع الاقارب والرفاق من خلال معلمنا الأول امي إلا إن احدا منا لم ينطق بهذه الكلمة في بيتنا فهو في نظر امي شطارة، ذكاء، اعرف كيف تلعبها صح، تشغيل مخ، حذاقة، تخليص حال،

ولان أمي كاذبة متمرسة فلا احد يستطيع الكذب عليها فكثيرا ما حاولت لكن محاولاتي كانت تبدأ وتنتهي فاشلة مصحوبة بصراخها وتوبيخها لي وهي تقول ( تكذب على امك، إذا الدنيا ما عاد فيها خير)، لكني كنت المح في عينيها كلاما أخر وكأنها تقول لي، مهما حاولت لن تحقق مستواي في الكذب، حتى ابي المسكين رفع رايته مستسلما فلا يجد جوابا غير الحقيقة بادق تفاصيلها لكي يسلم من نظراتها المتشككة والمتبوعة بسيل من الاسئلة العاصفة كرياحٍ تهز ثقته بنفسه ولا تجره لغير الاعتراف ، فلا احد يستطيع الكذب على كاذب وهي مهارة اخرى اكتسبناها فنحن قادرون على التمييز بكل بساطة الكاذب من الصادق.

لا اخفي عليكم أن أسلوب أمي المتطور وحرفيتها في الكذب انقذنا من مواقف كثيرة محرجة مع الآخرين، حتى بتنا نلجأ إليها إذا ما أردنا البحث عن حجة لتزودنا بأفكارها الخلاقة مما جعلني اكيد بان أمي كانت بكذبها تمارس هواية ممتعة لديها فهي تضع جميع الاحتمالات السيئة والجيدة وتطرح كل الأسئلة التي يمكن أن تدور في عقل من نكذب عليه وتزودنا بالإجابات المقنعة التي تبعد عن تفكيره أي شك، ومع مرور الوقت وبلوغنا مرحلة الشباب أصبح كذب أمي هو محور حياتنا وأسلوب تعلمناه واعتمدنا عليه في قضاء حوائج هذه الحياة، فإذا أراد احدنا طبخ كذبة حاولنا اتباع إستراتيجية أمي وبمعنى أخر محاولة تقمص أسلوبها في التفكير.

ولاننا جميعا نكذب ساد حياتنا جو من التشكك الذي تحول مع الوقت إلى أزمة يومية فما أن أقول شيئا حتى يطالعني الجميع بنظرة أمي المتشككة، في احد المرات قال أبي لأخي وهو يحاول اختراع كذبة لتبرير تأخره في العودة إلى البيت في أليلة الماضية: ( اسمع يا بني جدي بلعبش على تيس) هذه التفاهات مارسها مع الأصدقاء أو على أستاذك لكن ليس في هذا البيت، فادركت ساعتها أن اي كذبة نلقيها داخل البيت يجعلنا مثل الذي يبيع الماء في حارة السقايين، وان لكل شيء قواعد في هذه الحياة حتى الكذب فعليك أن تراعي متى واين وعلى من تمارس هذه اللعبة والتاكد من أن كل العناصر متوفرة قبل الشروع بها، وان هناك ساحة محايدة حيث اتوقف فيها عن الكذب وهي البيت مما وفر لي فيما بعد حياة زوجية هادئة و حماية من الحظ العاثر الذي ابتلا الله به اخوتي، فاختي الكبيرة وبعد مرور اقل من عام على زواجها رجعت إلى بيتنا لان زوجها واهله قرفوا من كذبها وحاولت أمي أصلاح الوضع بالمزيد من الأكاذيب لكنها ولأول مرة تفشل فكان فشلا ذريعا ومأساويا فقد أصبح في بيتنا مطلقة، والسبب الذي تهامس به الناس (طلقها لأنها كاذبة) مع تأكيدهم على المثل القائل ( حط الجرة على فمها تطلع البنت كذابة مثل امها)، ولعل احد اسباب فشل امي في هذه القضية المصيرية كان مشاعرها التي طغت على عقلها مما انساها أهم استراتيجية لها وهي أن نجعل حبل الكذب الذي نمده أمام الناس قصيرا قدر الامكان فقد مدت امي مئات الامتار من الحبال في جهادها لعودة ابنتها إلى عش زوجيتها ونسيت الحكمة التي تقول ( من ماذا عرفت الكذبة، قال من كبرها)، اخي الصغير فسخ خطبته قبل موعد الزفاف باسبوع لانه اخل بكل الوعود التي قطعها لخطيبته فيما يخص حفلة العرس الاسطورية واثاث البيت الفخم ظنا منه من انها سترضى بالامر الواقع مع اخر لحظة خاصة بعد توزيع بطاقات العرس خوفا من الفضيحة وكلام الناس ولم يحسب حساب انها كانت ابنة لعائلة متحررة اجتماعيا وغير ابهة بما يقول الناس امام فقدان ابنتهم قناعتها بالرجل الذي ستتزوجه بعد اكتشافها بانه كاذب ومخادع ، اما اختي الصغيرة فقد كانت دائما حزينة وتشكوا من نبذ زملاءها لها في العمل بسبب كذبها المستمر مما أشعرها بالوحدة فلا تسمع على لسانها غير كلمة واحدة ( ما حد فاهمني).

كل هذه الاشياء جعلت من بيتنا ما يشبه الجزيرة النائية جدرانه منطوية على نفسها مثل ساكنيه، فالجيران توقفوا عن الحضور إلى بيتنا بعد انقطاع انفاسهم بالأكاذيب التي أغرقهم بها أبي بإيعاز من أمي طبعا، واستبعدت امي عن جلسات نساء الحارة من خلال مؤامرة حاكتها نساء حارتنا بصورة علنية لا مواربة فيها ولا مراعاة لمشاعر أو حقوق الجار بعد الفوضى التي احدثتها امي بينهم على مدار اعوام في زمن كانت تترأس فيه جلساتهن، فهن لا يقابلنها بغير نظرة تقول (كاشفينك)، وإذا ما سكن الحي جار جديد كانوا يحذرونه منا بقولهم ( لا تصدق كلمة واحدة مما يقولون أنهم كاذبون) وما عاد احد من الأقارب يطرق بابنا وإذا اجتمعنا وإياهم في مناسبة عائلية يتجنبون إطالة الحديث معنا، وعندما ارتعش قلبي بحب أبنت خالي تم رفضي لنفس السبب.

الوحيد الذي أدرك موهبتي المكتسبة هذه صاحب الشركة التي عملت بعد تخرجي من الجامعة فرفعني إلى أعلى المراتب وجعلني ذراعه الأيمن حتى انه كان يهاتفني بعد منتصف أليل لأبحث له عن كذبة محكمة ( تحت اسم ابحث لي عن حجة مقنعة) يقولها لأحد العملاء مبررا تأخره في انجاز عمله أو تمنحه الوقت الكافي قبل التوقيع على أي عقد دون اغضاب العميل، كان دائما يقف منتشيا سعيدا منتصرا بعبقريتي حامدا الله انه رزقه اياي، ليتبع دهشته بسؤال ( كيف طلعت معك؟) واحيانا كان يمازحني قائلا ( والله انك شيطان) فاجيبه مبتسما ( ولو ما شيطان الا ابن ادم يا بيك) وتلخص عملي في هذه الشركة الاستثمارية بتوظيف امكانياتي المكتسبة منذ نعومة اظفاري بحرث البحر لكل زبون وزراعته بالقمح وحصده وانا جالس خلف المكتب، و مع مرور السنوات أصبحت ذائع الصيت حتى أن إحدى الجامعات طلبت مني تقديم محاضرة لطلبة إحدى الكليات التجارية وكان عنوان المحاضرة ( الأسلوب الأمثل لإقناع واكتساب العملاء)، وتطور الأمر فألفت كتابا أصبح يدرس ضمن المناهج الجامعية وما أن بلغت الستين أصبحت عقلية تجارية استثمارية فذة وحصلت على لقب خبير اقتصادي ولي عامودي الخاص في إحدى الصحف الورقية، وعندما جاء التقاعد وجدت نفسي أعين مستشارا في إحدى الوزارات فرجل في مثل خبرتي لا يجب أن يجلس في البيت وعليه أن يستثمر أقصى طاقاته في الكذب لخدمة هذا الوطن.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات