اغلاق

قديستي الأولى .. أمي


مضت قديستي وعقودها السبعة نحو ملكوت بارئها، مضت مخلفة وراءها عبق شفيف فينا أدركنا خلاله كيف تصنع الامهات الرجال، وكيف يكون نهجهم الالتزام بقيم الانسان فالإنسان.

امي .. منبع ومصدر الهامنا لكل ما عرفناه من قيم انسانية وإخلاقية ودينية، عرفت كيف تبني الرجل فينا، وعرفت قبلا كيف تصنع الفرح والجمال في تفاصيلنا.

  كانت بالنسبة لي كل ما هو جميل في حياتي، وكانت  بكل صدق  معلمتي الاولى قبل مدرستي، ولا زالت هدهداتها للآن تداعب في احاسيس الطفولة واحس بها حنان دافئ يدفعني للحياة بكل آمان.


وفاء لهذة الام الرائعة الحنونة المعطاءة التي ما عرفها احد  الا واحبها أحاول اليوم أن أتخفف مما خلفه رحيلها من خواء أفقد الأشياء نكهتها،  رحلت امي حاملة معها كل ما شهدته من لوعة وحزن على أحبة فارقونا ، لم تشكو وما تذمرت قط من موقف أثار الظلم  أو القهر بدواخلها، كانت إمرأة صامدة صابرة، وما كان لها أن تكره أو تحقد على احد أساء لها، سيما وأنها كانت تعيش لأجل  الآخر.. الآخر الذي ظلت تحبه وأن أساء لها بقصد او دون قصد يذكر.

لم تكن تتعرض لأحد او تعترض على أحد، وكانت تؤمن بأن لمركب الحياة إلها أوحد يسير ركبها ولا اعتراض على مشيئة الله، مهادنة مسالمة تتنازل برحابة صدر عن اكبر وأصغر حقوقها، فقد كانت تعهد لغيرها بما يخصها، في الوقت الذي كانت تمارس فيه قداسة دورها كأم نحونا، تذوي وتتعب وتتكفل بنا أبناء تعطينا حق الامومة ولا أجمل .. وتغدق علينا من حنانها وكرمها ولا أحلى ..

 ساخبركم من هي امي  الذي افخر بها صبح مساء و التي نالت شرف لقاء ربها  راضية مرضية  حيث فاضت روحها الطاهرة في يوم الجمعة  برشح الجبين وكان اخر كلامها من الدنيا ذكر الله في اخر الدقائق .
 
قبل صلاة الجمعة  احسست بان مدرستي الأولى اوصدت ابوابها وما عادت لتفتح ابد .. أحسست بان لا جدوى من بقاء معلم او مرب بعدها، كانت تعرف كيف تزرع المعرفة والحب بداخلي، وكانت تتعمد ان لا تثقل علينا وتبقى مع أوجاعها قلقها في عالم واحد لا تشرك به أحدا، في الوقت الذي كانت تصر فيه على مشاركتنا أحزاننا وقلقنا، ولا تغمض لها عين الا بعد أن يطمئن قلبها الكبير علينا.

اربعون عاما وانا اسكن في مدرستها،تعلمت أبجديات الحياة وأصولها، تعلمت أن أتلقف العلم والمعرفة والفن منها، تعلمت كيف ومعى مفردات ما كنت لأدري ماهيتها دون أمي، علمتني معنى الدين كعقيدة سمحاء تعطي ولا تأخذ، علمتني حقيقة مفردة وطن واين موقعها في القلب والوجدان، وعلمتني قديستي الاولى كيف يتسنى للمرء أن يصون إرثه أرضه وطنه عرضه.

علمتني أن لا أتجرد أبدا من خلفيتي الاجتماعية وكيف أنظر للاهل والعزوة، كانت تقول لي " ابوك  اخواتك  اخوانك  اعمامك عماتك اخوالك خالتك  جيرانك  عزوتك  واهلك   ابدا بني لا تغضبهم، لا تدعهم يزعلون منك، فالحياة محطات، كل يمضي، وآخر يقبل، ويبقى الموقف والعمل الطيب، والحياة بنا وبدوننا ماضية، والمرض؟ أبدا ما كان سببا لموت أو فناء، فمن يموت يا بني يكون عمره قد انتهى.. كان لدى أمي فلسفتها بالفطرة، وكانت تؤمن أن الحياة والموت حتمية بيد الله... كانت تدعوني لفعل كل ما فيه خير ونفع للآخرون " اعمل خير   حتى  لو  اهانك  الغير، يما   اصعب شي في الحياة الظلم والقهر،  عيش يما مظلوم  مقهور ولا تعيش ولا حتى لحظة ظالم، يما  كل حقوق الله يمكن يسامح فيها بفضلة وكرمه  بس حق العبد يما  عمرك ما تضيعه.. وامانة عليك يما وانا أغلق أبواب مدرستي وأرحل  أن لاتحزن  ولا تزعل، فكما ان لكل شي بداية  فان لا بد له  من نهاية   فان ازالت  الجرافات اسواري وهدمت الاليات اركاني وقفت  يا بني  يوما على اطلالى   تذكرني  ولا تنسني ،  سيذكر التاريخ يوما  قيمتي ومكاني وسيعلم  ظالمي حجم ظلم الفقد ويتعلم منه وسجاني..  رحلت فلم يبقى لك الا ان تذكرني .. إذهب بني فرضى الله أطلبه لك ورضائي".

اليوم .. افتقدها كما لم افقد احدا من ذي قبل، لكن .. غربة واغتراب يغزونا، ويعيدا الحزن على الرغم منا فينا.. ما يواسيني .. ان الخيرين وأن مضوا.. تبقى ذكراهم قائمة شامخة تعبق بكل ما هو طيب
وأطمح وأطمع دوما أن أبقى الابن البار الذي لم يتوانى عن ذكر ربه وطلب الرحمة لها..
اللهم إغدق من رحمتك ولدنك أوسع الرحمات لروح أمي الطاهرة .. ولروح أمة الاسلام .. أللهم آمين

الدكتور الشيخ جواد الشماس
jawad_shammas@yahoo.com



تعليقات القراء

قارئ
اجمل الامهات وجه امي
26-02-2009 11:24 AM
محسن ابو طالب/عمان
الرحمة لكل الامهات الراحلات
ودون امهاتنا لا طعم للحياة
26-02-2009 11:25 AM
ري ري
قدستي الاولى امي
كل امهاتنا قديساتنا
26-02-2009 11:26 AM
عربي مسلم
الحياة لا تتوقف برحيل الام
ينقطع المسلم عن ثلاث
... وابن صالح يدعي له
26-02-2009 11:27 AM
ابن جراسا
لروح امك الف رحمة ولروح امهات فلسطين وغزة كل الرحمة
26-02-2009 11:37 AM
شو؟
شو هادي دعاية لستوديو الاردن؟
26-02-2009 12:01 PM
عزام - ماليزيا
نعم الولد الصالح انت يا اخ جواد ... فوالله عرفتك رجلا مؤمنا بالله صادقا في عملك ومع زبائنك
ولا شك ان وراء ذلك اماٌ عظيمه زرعت فيك الصدق حتى ما انفك ملتصقا بك كأنكما توأمان.
للوالده الرحمه ولكم من بعدها حسن العزاء
ولله ما احذ وله ما اعطى ولك شئ عنده الى اجل مسمى
وعظم الله اجركم
02-03-2009 07:28 AM
زكريا القواسمي
الله يرحمها ويسكنها فسيح جناته ويعطيك العافية وجزاك الله كل خير يا خال
22-06-2009 03:48 PM

أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات