اغلاق

المأزق الأردني بين حكومتين


واهمٌ من يعتقد أننا قد تجاوزنا موجة الربيع العربي، وأكثر إيهاما من يعتقد إن إضعاف الحراك الشعبي سيؤدي بالضرورة إلى الاستقرار؛ كون الحراك الشعبي الأردني- وباعتراف جميع المراقبين - كان ولا يزال حراكاً منضبطاً ومسؤولا، بل قد يؤدي إضعاف هذا الشكل من الحراك – باعتقادي- إلى ظهور الجيل الثاني من الإصلاحيين، والذي سيعتبر أن فشل الجيل الأول يستوجب تغيير الأدوات وسقف المطالب وهذا سينهي بالضرورة سياسة الأمن الناعم وعندها ستحل الكارثة لا سمح الله.
الخصاونة أدرك منذ توليه المنصب أن ولايته العامة لا تعدوا أن تكون خيالا، لكنهُ ناور ومرر بعض مشاريع قوانين الإصلاح، وأدرك أن مجلس النواب سيقوم بتبرئة كل المتهمين في قضايا الفساد الكبرى، وبما أن الدستور قد عُدل بحيث أن قضية الفساد التي تُنظر من خلال مجلس النواب يعتبر القرار فيها قطعياً ولا يجوز إعادة فتحها من جديد، لذا أصر الرجل على عدم التمديد للمجلس في دورته العادية، حتى لا تتم تبرئة كل المساكين الفاسدين؛ الذين ظلمهم الشعب الأردني في السنة الماضية .
أدرك الخصاونة وأدركنا جميعاً أن أقطاب الفساد وقوى الشد العكسي؛ سيحاربون وبكل الأسلحة المتاحة لديهم لإجهاض فرصة الإصلاح الحقيقي؛ للحيلولة دون إنتاج قانون انتخاب عادل وعصري، والسبب أن مثل هذا القانون سيؤدي بالضرورة إلى صعود قوى مكافحة الفساد، وكون الفساد هو ما أبقاهم في مناصبهم ردحاً من الزمن، فأي مجنون منهم سيرضى بهذا القانون، وبالتالي كان لا بد لهم من تشويه قانون الانتخاب حتى تبقى خيوط اللعبة بأيديهم، وحتى يكون نواب الغد كنواب الأمس دون أيما تغيير، فهم على استعداد للمتاجرة بالغالي والنفيس في سبيل المحافظة على امتيازاتهم دونما اهتمام لوطن أو لعرش، وبالتأكيد الشعب الأردني لم ولن يكون من ضمن اهتماماتهم، فقد باعوا ضمائرهم للشيطان منذ غابر الأزمان، هؤلاء أقنعوا الملك بأن الشعب لا يريد تعديلات دستورية ولا يرغب بصعود الإصلاحيون، ومن يطالب بالإصلاح إما باحث عن منصب، أو مُقلد لدول الجوار، وليثبتوا صحة نظرياتهم نسقوا للزيارات الملكية، ولقنوا بعض المتحدثين ليقولوا ما قالوا، فكانوا يرددون ما قيل أمامهم أو عبر الهاتف من قبل الساهرين على أمن المواطنين، الذين صنفوا الأردنيين إلى موالين ومدسوسين فكان ما كان من غناء وأهازيج وسيوف تُسل وعباءات تُلبس، ولا للتعديلات الدستورية، ولا للحراك، ونعم لقانون انتخاب من أي شكل وأي لون، والوطن ينزف ولا مُغيث، هؤلاء ومجلس النواب المُبجل، الذي تُناقشُ فيه قضية الفوسفات وكثير من أعضاءه يأكلون الكاشو بسذاجة نادرة المثيل، والبعض الآخر يَلعبُ كالأطفال ويسكب الماء على صلعة زميله، لا هم لهم إلا مكافحة الإصلاح لأن الإصلاح سيكتبُ نهايةً مخزية لنفوذهم وجبروتهم ونهبهم للمال العام.
استقالة الخصاونة ضربةٌ قاسية للنظام السياسي الأردني برمته، مهما حاولوا التخفيف من نتائجها أو تبريرها، كما أن آثارها الفعلية لم تظهر بعد، وهي مؤشرُ خطير، لمن يرى المشهد بعين المواطن الحريص على أمن واستقرار هذا البلد، ومؤشرُ آخر لا يقل خطورة عن سابقه هو أننا وفي زمن قياسي بدلنا أربع حكومات، أما المزايدين الذين لا يرون الصورة كما يجب لفرط جهلهم أو تنفيذاً لرغبات زعمائهم من الأمنيين فأقول حسبي الله ونعم الوكيل.
استقال القاضي فلنترك الحُكم للتاريخ ، والآن نعيش عصراً قديماً جديداً من الحكومات ، الدكتور فايز الذي كتب أن المسيرة مستمرة، وسخر من فكرة الحكومات المنتخبة، وتهكم على من يقول الحرس القديم ، ولا مفر هنا من السؤال : ألم يُنادي جلالة الملك بحكومة منتخبة؟ ألم يقل جلالتهُ يوماً أن الحرس القديم يُعطل مسيرة الإصلاح؟ إذاً على من تتهكم يا دولة الرئيس؟ الملك يحكم من خلال وزرائه، هكذا يقول الدستور، ولا بُد من السؤال ثانية، كيف للملك أن يحكم من خلال وزرائه إذا كان دولة الرئيس يحمل وجهة نظر مخالفة لوجهة نظر الملك حول الإصلاح؟!!!
عندما يتحدث ابن الثامنة عن أساليب التربية الحديثة ، والاحترام المتبادل ، والرأي والرأي الآخر ، وأن الشعب يُريد إصلاح النظام؛ تأكد يا دولة الرئيس أننا أمام جيل مختلف وأن عقارب الساعة لن تعود للوراء، وأن المسيرة لا يمكن لها أن تستمر بنفس الأدوات التي عفا عليها الزمن، وأساليب القرون الوسطى في إدارة الشأن العام، كما أن تقسيم عمان إلى مناطق عشائرية، جريمة في حق العقل والمنطق الذي حكم التاريخ وسيحكم المستقبل.
إذا كان كل هؤلاء -الحرس القديم تجار الموت أباطرة الفساد- مُصرين على استفزاز الأردنيين؛ فإن إرادة الشعب من إرادة الله، ولا بد لعميد الهاشميين من أن يعود للشعب لتجاوز الأزمة، ولن يكون الحل في حكومة الدكتور فايز ولن يكون الحل بحلها، ولن يكون الحل بشرخ المجتمع المتهالك أصلاً وتقسيمه الى موالي ومندس ؛ وإنما بداية الحل تكمن بالاعتراف، علينا أن نُقر جميعاً أن الحقبة السابقة بكافة رموزها حقبة فساد، وأن الوطن في خطر، ليس بسبب الإصلاحيين بل بسبب الفاسدين، وإنقاذاً للأردن الحبيب على الساسة أن يقفوا وقفة صدق ولو لمرة واحدة في مسيرتهم الزاخرة بالهزائم المتتالية ليغلبوا العام على الخاص، وليطالبوا بقانون انتخاب ينقل الدولة الأردنية من دولة الفزعة إلى دولة مدنية، تُعزز فيها روح المواطنة لا روح النفاق، روح العمل الجاد لا روح البهلوان في القفز على الحبال، تُصان فيها كرامتنا فلا ننعت يوماً بالزبالين والحمير أو كلاب الصحراء، ولا تُصبح أسماء أمهات النشامى مادةً للأقلام المسمومة تُهينها كيفما شاءت، ودولتكم أقصد دولتنا لا تحرك ساكناً دفاعاُ عن كرامتنا. وأخيراً يجب أن تتخلق الإرادة السياسية لدى أصحاب القرار لإنتاج حكومة برلمانية بصلاحيات كاملة، تتولى إدارة الشأن العام، وتكون حُكماً خاضعة لمحاسبة صناديق الاقتراع وأن تتوقف مهزلة مكافحة الفساد، ويُترك الفاسدون لحكم الشعب؛ بعد أن يصل نواب الشعب لا نواب الساهرين على أمننا إلى مجلس الشعب.



تعليقات القراء

يسلم ثمك
يسلم ثمك من زمان ما قرأت مقال يفش الغل...
05-06-2012 01:05 AM

أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات