اغلاق

ربيــــــع الإعــــــــــــــــــــاقة


إن من أشد المفارقات التي نلاحظها في ظل الوضع القائم للأشخاص ذوي الإعاقة وما أنتجته الفصول التاريخية الإرادية من محاولات استباقية لأصحاب القرار للوصول إلى طريقة لمحاربة كافة أنواع التظاهرات السلمية التي تطالب بالحقوق التشريعية تحت مسمى المصلحة الوطنية والأضرار التي تجلبها مثل هذه الفعاليات الحقوقية المختلفة. ما يعني أن الحرب الحالية أصبحت بين المستنفذين في مؤسسات ذوي الإعاقة بكافة مستوياتها وحقوق ذوي الإعاقة حتى بات المتنفذون يعيشون حالة خوف بدرجة ما من الهزيمة التي قد تطالهم إذا ما انتصر الأشخاص ذوي الإعاقة بإرادتهم على التعنت الصريح والواضح في تحقيق الغايات التي انطلقت من أجلها شرارة ربيع الإعاقة التي رفعت شعار الحق في حياة كريمة.

وهذا ما يجعل من أصحاب القرار سواء كانوا في المجلس الأعلى لشؤون الأشخاص المعوقين أو غيرهم من المؤسسات المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة يقعون في نفس الخطأ الذي من أجله تولد هذا الربيع، في عدم انصياعهم للمطالب الحراكية الحقوقية، والنداءات المتكررة لنيل حقوقهم بالتفافهم في كافة اجتماعاتهم ولقاءاتهم وحملاتهم الإعلامية المكثفة على التبرير والتمويه ومحاولة تسليط الضوء على المشتبه بهم وراء هذه الحراكات والفعاليات في محاولة منهم إلى وضع عبثية للهدف الأساسي لحركات ذوي الإعاقة وربطها بمآرب شخصية فقط وتناسي الهدف الأعظم لهذه الحركات الإرادية.

فمنذ اندلاع ربيع الإعاقة وحتى الآن يدفع أصحاب القرار بالمجلس جهودهم لتمويه وتشويه ، أي إصلاح للقائم، وذلك سعياً منه للحفاظ على نفس الآلية البالية الفاسدة باختلاف بسيط، وأملاً منه بتجنب الحراك الاجتماعي ومحاولة منه تبرير أي حركة استباقية قد يقوم فيها ضد الحراكات والمطالب الشعبية حتى يؤمن حجة عدم الحق تحت سقف الاستباق العبثي الوهمي الذي بات مخيباً وغير ذي جدوى. فماذا نال ذوو الإعاقة من المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص المعوقين بعد مرور خمس سنوات على تشكيله؟ رغم أن المجلس تلقى دعماًُ خلال الفترة تجاوز 50 مليوناً من أجل تحقيق الحياة الكريمة لذوي الإعاقة، ولكنها كانت طمعاً لذوي النفوس الضعيفة. فسبقت يدهم رغباتهم من أجل منع وحجب هذه الأرزاق عن العباد. وبالنتيجة لا شيء تم انجازه سوى مآرب شخصية فردية قد تكون طائفية أيضاً.

ولكن الأشخاص ذوي الإعاقة باتوا يدركون أنه لا يمكن الانتقال الضمني في نفس البنية الموجودة، لأن البنية الموجودة أصبحت بالية بمفاهيمها وفاسدة في مآربها، وهي بنية مختلفة اختلافاً كلياً وجوهرياً وغير مرتبطة بمتطلبات الحراكات. لأنه وحتى هذه اللحظة، لم يستوعب أصحاب القرار في المجلس الأعلى لشؤون الأشخاص المعوقين، أن محاربة ربيع الإعاقة والالتفاف على مطالبه ما هو إلا اعتراف ضمني وعلني بهزيمة المجلس القائم فكرياً وأيديولوجياً على حقوق هذه الفئة التي باتت ترفضه وترفض محاولاته الوهمية في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مخلفات تهميشهم. لذلك، فإن كل محاولات المجلس لتشويه صورة الاعتصامات التي قام بها ذوي الإعاقة باتت مكشوفة في الواقع، وإن أي محاولة مستقبلية في الالتفاف على منهجية هذه المطالب باتت مرفوضةً كلياً، وأن البديل هو استبدال الموجود حالياً بمتغير يلبي مصالحهم ومطالبهم القانونية التي كفلتها لهم الدولة والاتفاقيات الدولية والمحلية.
ولهذا فإن الحملة الإعلامية المكثفة العدمية التي يديرها المجلس الأعلى لشؤون الأشخاص المعوقين والتي تطرح نفسها بصفتها مديرة للإصلاح المتأخر، إنما تطرح نظرية البقاء بدون مقابل، وبالتالي فالإصلاح وتحقيق المطالب لا يمكن أن ينتقل إلى المفهوم الجديد الذي يريده ربيع الإعاقة؛ لأنه إصلاح منقوص يهدف إلى منع النهوض والتفاف على أهدافه. ولأن المجلس يتستر بآلية قابلة لاحتواء الفساد وهي غير متغيرة إلا بنية تغيير حقيقية لهذه الآلية، ولن يكون ذلك إلا من خلال اجتثاث الفساد الموجود بضمير حي قائم على توحيد القواسم المشتركة.

فالشرارة المتوالدة حالياً في حد ذاتها تعتبر مرحلة انتقالية قد تطول ، وقد تكون عنيفة ، ولكنها ستؤدي دوماً إلى تكوين الصورة النمطية التي أرادها ذوي الإعاقة. فأصبح شعار المطالب هو البوتقة الديمقراطية المؤثرة بنمط أو بآخر على القرارات المنبثقة عن المجلس، وبخلاف ما كانت عليه عندما كان المجلس يريد، أصبح ربيع الإعاقة هو ما يريد. مما لا يترك مجالاً للشك في إصراره في أن بنية وآلية المجلس أصبحت موضوعاً للرفض بوصفه بنية مترهلة فاسدة لا تقبل التراجع والتجزئة.

وأهم الأسباب التي انطلقت على أساسه ثورة ربيع الإعاقة هو الضعف العام في إدارة أمورهم وعدم القدرة على التغلب على الصعوبات، والتمييز القاسي الذي عانته هذه الفئة على مدار سنوات طويلة، مما ساعد بإيصالهم إلى حالة من النضوج حول ماهية ضرورة وجود هذا المجلس غير القادر على تحقيق أبسط الاحتياجات الضرورية وتستره تحت غطاء المحاولة العبثية المتأخرة في عملية تطبيق القوانين والتأخر المتعمد في إصدار الأنظمة.

إن مجتمع الإعاقة بات يتطور باحتياجاته واهتماماته بشكل سريع دون أن تدرك المؤسسات ومن بينها المجلس ذلك. فنشأ عن ذلك التطور مفاهيم جديدة بشكل عفوي دون إدراك أهمية متطلبات هذه المرحلة الجديدة وهذه المفاهيم التي بات الربيع الجديد يطرح فيها العديد من التساؤلات. فبات المجلس صغيراً لا يستوعب هذا التطور السريع لمجتمع ذوي الإعاقة الذي بات يطالب بسقف أكبر لمطالبه اليومية نتيجة لتأخر المجلس في تحقيق متطلبات التطور الجديد. لذلك فإن هذا التطور السريع بات يسبب عائقاً أمام المجلس الذي مازال يحتفظ بزيه القديم. وبالتالي فإن البنية الاعاقية، مع بنية المجلس والتناقض بينهما يفسر التمايزات الحاصلة الآن، وإن أفضل وسيلة للتصالح مع البنية الجديدة هي القبول بمنطق حتمية ولادة مجلس جديد متوائم ومتفق ومؤمن بأهداف ربيع الإعاقة.

وللمدعين والمشككين، فإن ذوي الإعاقة يدفعون فقط من أجل الوصول إلى الحياة العادلة المتطورة الكريمة التي سبقتهم بمسافات طويلة ويحاولون العودة إلى ماهية الإنسان ووجوده وتحرره. فمخطأ من يظن أن ربيعهم فاشل أو انتهى أو حتى أوشك على الانتهاء. ولكن المتسلطين والمشككين في طبيعة هذه الحراكات يستخدمون أسلوب المناورة بأسلوب الرفض، ويسعون لقلب الحق على شكل مؤامرة تستهدف هذه الفئة ، ووضع صورة المجلس المزيفة بطريقة نمطية مبهمة تموه الرأي العام. فما حاجتنا لاستعراض الكم والكيف بما يسمى بانجازات المجلس، في حين أن الهدف الأساسي غير محقق بل غير موجود بأصله. وللدليل على تخبط الإرادة الرسمية في تحقيق مطالب ذوي الإعاقة، ما تم تناوله مؤخراً من تشكيل لجان للتحقيق في المراكز الخاصة، متناسيين أن ما قادنا إلى هذا التقرير هو الاعتصامات والفعاليات التي بدأت قبل إطلاق التقرير بفترة طويلة. واللغز المحير بهذا الموضوع هو لماذا تأخرنا في فتح باب التحقيق وتعديل ما يلزم رغم مرور فترات طويلة على الاعتصامات والفعاليات للأشخاص ذوي الإعاقة.

إن الاعتصامات والحراكات التي يقوم بها ذوي الإعاقة في هذه المرحلة لن تكون قادرة على التراجع، وستكون مسؤولة أمام الجميع في ما ستحققه من انجازات. ولن تقبل بالقليل، ولن ترضى إلا بالحقوق الكاملة التي تؤمّن لهم ولذويهم حياة كريمة مستقلة خالية من شوائب الفساد والمفسدين. وإعادة النظر في تشكيل كل الهيئات والمؤسسات التي تعنى بذوي الاعاقة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات