اغلاق

استقالة غير عادية ورسالة القصر كانت "ردة فعل"


• تشكيل الحكومات في الأردن أمني بالدرجة الأولى لهذا هي فاشلة قبل أن تبدأ
• كتاب التكليف الملكي وخطة سير الحكومات دائما مختلفان، لماذا؟
• هل آن الأوان لنتجه نحو حكومة منتخبة تجمع بين الإدارة والسياسة ويحاسبها الشعب؟

أولا دعوني أؤكد ليس علماً بالغيب وإنما بما قرأناه في الصحف لنص استقالة رئيس الوزراء ونص رسالة الرد الملكية ، حيث أن الرسالة بدت استقالة حقيقية وإذا صدق التخمين شبه المؤكد فإن الاستقالة التي قدمها الدكتور عون الخصاونة هي الأولى التي تبدو فيها إرادة رئيس الوزراء منفصلة ومغايرة لإرادة الملك. حيث جرت العادة أن يقدم مستشارو الملك رأيهم ثم وعبر الديوان يطلب من رئيس الحكومة تقديم استقالته بلغة رصينة مليئة بالعبارات التي ترضي مكانة القصر كسلطة عليا، ثم يكون رد الملك بالقبول وفق رسالة لا تمس أداء الحكومة بقدر التركيز على إيجاد إدارة جديدة برؤية تتناسب والمرحلة المقبلة للبلاد.
رسالة عون الخصاونة للقصر كانت خالية من عبارات التبجيل المبالغ فيها وتتماهى وموقعه كقاض دولي اعتاد أن يكون حكماً لا جندياً أو موظفاً في دائرة حكومية، ولولا بعض المحظورات في المكاتبة بين القصر ورجال الدولة لربما كتب الرئيس للملك "قضت محكمتنا"، فهو معتاد على مثل هذه اللغة وليس من السهل تركها، تماماً كما نرى نحن الذين عشنا دهراً طويلاً خارج الوطن الحديث بتكلف وألقاب أمراً غير مألوف، فليس لدينا مصطلح سعادة وعطوفة وغيره، وحينما نقولها نكون كمن يختلس الكلمات على لسانه اختلاساً.
رسالة الملك كانت كذلك غير عادية وقاسية وناقدة لعمل حكومة الخصاونة رغم أن مسألة نقد الحكومة ليس تخصص الملك، إنما أجهزة الدولة الأخرى والسلطات المناط بها مثل هذا الأمر. الأمر الذي جعل مسألة قبول الإستقالة تشبه عملية طرد الطاقم الوزاري وتممها الملك حينما أمر بعدم تسيير الحكومة "المطرودة" للأعمال، وهذا يعني أن البلاد تعيش تحت إدارة الأمناء العامين للوزارات وأن وزراء الخصاونة يقيمون الآن في بيوتهم وينامون ليلاً طويلاً ، لكنه ليس مريحاً لأنهم نُبذوا بسبب تلك الاستقالة غير الموروثة سيساسياً أو غير المتعارف عليها في أوساط صنع القرار.
هناك "بروتوكول" متعارف عليه في الأوساط الإدارية وهو أن القيادة العليا تحاول أن تكون إرادتها نافذة في تمديد أو إنهاء عقد العمل في مؤسساتهم، كما أن الإداريين الذين يحترمون أنفسهم يسعون لقراءة أفكار مسؤوليهم في المراتب العليا ليسبقوا إرادتهم بالطرد باستقالة تشفي غليلهم، ويبدو ان هذا ما حدث مع قاضي "لاهاي"، حيث أدرك بحسه او من خلال معاونيه أن هناك مؤشراً لصرفه من مكتبه فاستبق الأمر باستقالة غير تقليدية.
طبعاً هناك كتّاب التبجيل للحكومة الجديدة وهم من يلعبون دور "الشاكوش" المطرقة لتنهال على رأس الحكومة السابقة وتمجد الحكومة الجديدة، وهؤلاء ذكرتهم من قبل، وهم ليسوا أكثر من جوارٍ تعيش في القرن الحادي والعشرين، حيث أن طبع الجواري أن يتهيأن للسيد الجديد ويمتدحنه فور انتهاء سلطة السيد الذي آواهن دهراً، فهؤلاء الكتاب "الجواري" لا رأي لهم في التحليل السياسي والنقد الإداري، وهم فقط ببغاوات تتعلم عدداً بسيطاً من الكلمات وترددها العمر كله وهي ظانة أنها أتقنت علم الكلام واللغة والإدارة والسياسة وغيرها، فهؤلاء ندعهم حيث لن يفلح فيهم النصح ولن يجدي الحديث معهم ضمن أو خارج النص.
بلا شك، هناك حس دائم لدينا وهو أن الأجهزة الأمنية هي التي تشكل الحكومات في الأردن. وأكاد أقسم على ذلك، لهذا تتشكل الحكومة وفق مفهوم وفلسفة الأجهزة الأمنية التي في الأصل لم تخلق ولم تتشكل للسياسة والإدارة المدنية العامة. هذا التشكيل الأمني للحكومات هو سبب عدم نجاحها وعدم تقديمها أفكاراً وحلولاً للإشكالات المزمنة التي تعتصر البلاد، حتى وزارة الشباب التي أدارها وزير ظنته الأجهزة الأمنية متنفساً لصد الحراكات سواء بدرسه الأسبوعي أو بحركته البهلوانية على طريقة سوبرمان، كل هذا لم يجدها ولم تعد على الدولة حتى بخفي حنين. لنرى الوزير الشاب وقد وقع في المصيدة ليتوسل بعدها لأسوأ مجلس نيابي شهده الأردن، طالباً العفو معتذراً عن سوء تصرفه. لن يستطيع هذا الوزير ولا رئيس الوزراء أن يفعل أكثر من ذلك لأنها مناصب قسمت عليهم من قبل الدائرة الأمنية التي تصوغ سياسة وإدارة البلاد. عفواً يا سادة، ما هكذا تدار البلاد ولا بهذه الطريقة تتشكل الحكومات إن أردتم الإصلاح.
• كتاب التكليف الملكي وخطة سير الحكومات دائما مختلفان، لماذا؟
أما كون رسالة التكليق المكلية في واد وسير عمل الحكومة في واد آخر، فهذا مقصود أيضاً، لكن سأدع الإجابة على هذا السؤال في مقال أكثر تفصيلاً ودخولاً في حيثيات العمل الحكومي الإداري لاحقاً إن شاء الله.
• هل آن الأوان لنتجه نحو حكومة منتخبة تجمع بين الإدارة والسياسة ويحاسبها الشعب؟
المغرب دولة ملكية لم يتخلى الملك عن سلطاته فيها ولم يقدم تنازلات حقيقية، لكنه اختصر أزمة البلاد بتغيير دستوري يجعل الحكومة منتخبة وتحاسب من قبل الشعب مع الإبقاء على حلها كسلطة يملكها أيضاً وفق شروط معينة. أعتقد أن هذا الحل وإن كان جزئياً سيؤدي بالنتيجة إلى الخلاص من "دراما" التشكيل الحكومي والإقالة في الأردن ضمن فترة شهور لا تكفي لكي يلمع الوزراء أحذيتهم ويحفوا شواربهم ويختاروا "بدلاتهم" المناسبة للمكاتب الجديدة ليليق بهم لقب معالي.
لقد آن الأوان لإخراج مؤسستي الرقابة والسلطة التنفيذية من سطوة الأجهزة الأمنية، وتهيأتهما للعمل النيابي الحقيقي والإداري الفني لإنقاذ البلاد. بلا شك، الأمن يجعلنا ننام ليلنا غير قلقين على سلامتنا، لكنه كنوم القطط في بيت البخيل، لا هي أكلت ولا تركت لتأكل من خشاش الأرض، بل ستموت جوعاً وهي آمنة مطمئنة. لقد آن الأوان لبلدنا أن يخرج من نفقه المظلم، وآن الأوان أن نعي حجم خسائرنا بهذه المماطلة في الإصلاحات.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات