اغلاق

المسؤولية الطبية في الميزان


قبل الدخول في مناقشة الأمر وابداء الرأي وتحميل المسؤولية لهذا الطرف او ذاك عن تأخير هذا الموضوع الحيوي الهام لا بد من الخوض في السياق التاريخي للمسؤولية الطبية، فقانون نقابة الأطباء ودستورها الطبي يحتويان على مفهوم ناضج وواضح للمسؤولية الطبية وكذلك نصوص صريحة لحماية المريض فهناك فصل خاص بحقوق المريض وفصل آخر بواجبات الطبيب وكذلك هناك فصل محدد عن سر المهنة والعلاقة بين الأطباء اضافة للسلطة التأديبية والتي تبدأ بالشكوى ثم لجنة الشكاوي كمدعي عام ومجلس النقابة كهيئة ادعاء عام تقرر اما الاحالة على مجلس التأديب أو حفظ الشكوى أي تتصرف كمدعي عام يمنع المحاكمة لعدم وجود قضية تستحق المحاكمة ثم هناك مجلس تأديب برئاسة نقيب الأطباء وممثلة فيه وزارة الصحة وهو بمثابة محكمة بداية ثم يأتي مجلس التأديب الأعلى وهو برئاسة وزير الصحة وللمشتكي والمشتكى عليه حق استئناف حكم مجلس التأديب الى مجلس التأديب الأعلى والذي يدرس القضية بعناية ويصدر احكامه القابلة للطعن أمام محكمة العدل العليا وهكذا يكون مجلس التأديب الأعلى كمحكمة استئناف ومحكمة العدل العليا كمحكمة تمييز أي ان هناك جميع مراحل التقاضي في قانون نقابة الأطباء، العلة ليس بالقوانين بل ان لجوء الناس اليها محدود، ورغم كل هذا بدأ د.فالح الناصر وزير الصحة الأسبق بالحديث عن مشروع قانون منفصل للمسؤولية الطبية يتضمن عدة محاور رئيسية وهي التعليم الطبي المستمر وكذلك ايجاد آلية لتعويض المريض عن الضرر الذي يحصل له اضافة للمحاسبة على الخطأ ان وجد وضمن آليات محددة مثل وجود لجنة طبية للنظر بالشكوى واصدار الرأي الفني وكان هذا المشروع أفضل المشاريع، ودرست النقابة هذا المشروع وأرسلت لوزير الصحة رأيها والتعديلات المطلوبة على المشروع وخاصة حماية الطبيب وعدم توقيفه لحين صدور قرار قضائي قطعي بادانته ثم اقتربت الانتخابات وغاب العقل وتراجعت النقابة ولأسباب انتخابية ناتجة عن هجوم شديد شنه عدد من أعضاء الهيئة العامة على مشروع قانون المسؤولية الطبية وأصبحت المزاودات هي التي تقود وليس الحكمة والمنطق وأصبح الحوار غير موضوعي وكان موقفي واضحاً ابان هذه المرحلة وقلت في مجلس النقابة وفي كل المواقع انني مع تطوير وتحديث قانون النقابة بحيث يشمل كل القضايا التي لم ترد فيه وتعزز المسؤولية الطبية ولم يكن ذلك مزاودة بل قناعة وجدانية راسخة، ثم جاء وزير آخر ومسودة مشروع آخر للمسؤولية الطبية ولم تصمد هذه المسودة في ديوان التشريع حيث حدث خلاف حاد حول هذه المسودة أدى برئيس ديوان التشريع والرأي في رئاسة الوزراء الى انهاء النقاش والقول ان الأمر يجب ان يناقش ويتم انضاجه بين المؤسسات الطبية قبل وصوله الى ديوان التشريع وعاد المشروع الى وزارة الصحة من حيث أتى، ثم جاء وزير آخر وطرح الموضوع وشكل لجان للدراسة ولكن الأمر لم يكن سوى سجال اعلامي أكثر منه دراسة موضوعية جادة للمسؤولية الطبية ثم جاء وزير آخر ووضع مشروع على الطريقة الأمريكية الغربية ولم يجد هذا المشروع قبولاً وهكذا عقدت ندوات وخلوات ونقاشات ولكنها لم ترتقي الى مستوى ورشة عمل جادة للاستفادة من تجارب الآخرين وصياغة أفكار الخبراء وايجاد نصوص قانونية تأخذ بخصوصية الوضع والقطاع الطبي الأردني، وقبل الحديث عن النصوص لا بد من التوضيح هل الطبيب مجرم حتى تثبت براءته أم برئ حتى تثبت ادانته وهل القانون وحده هو الفيصل ام ان العطوة والجاهة ستحكم هذه القضايا، أي يحاكم الطبيب قانونياً (قضائياً) ثم يحاسب عشائرياً ثم يحاسب نقابياً... أي ازدواجية لا يقبلها العقل والضمير، وعندما أتحدث عن المسؤولية الطبية فأنا أرى أن الطاقم الطبي الذي يرأسه الطبيب يتحمل المسؤولية وليس الطبيب وحده وبالتالي لا بد من ايجاد آليات محاسبة للجميع وكذلك الأجهزة الطبية من المسؤول عن اعطالها أثناء العملية على سبيل المثال لا الحصر، وهناك قضايا كثيرة يجب ان تناقش وهي تعريف الخطأ الطبي والحادث الطبي العارض وظروف المكان المخصص للمعالجة وامكاناته وكذلك لا بد من وجود اداة قياس للانحراف عن الصواب وهذا يتطلب وجود دليل اجراءات وبرتوكولات واضحة ليكون قياس مدى الانحراف عن الصواب مقبولاً وواضحاً كل الوضوح، وأقول بصراحة ووضوح ان من حق المريض الحصول على أفضل خدمة ضمن المعايير الطبية السليمة ومن حق الطبيب الحصول على ظروف عمل مناسبة وأجور عادلة ولماذا لا يدخل في المسؤولية الطبية موضوع عدم التزام بعض شركات التأمين وصناديقه بلائحة الأجور الرسمية والمعلنة بالجريدة الرسمية أي بالتشريعات السارية المفعول وعدم التزامها يؤدي الى رفض خيرة الأطباء من معالجة مرضى هذه الشركات والصناديق، نحن بحاجة الى آليات عمل واضحة وقبل الوصول الى نصوص التشريعات أي نحن بحاجة الى مفاهيم مشتركة ناضجة وليس الى نصوص جامدة وغير قابلة للتطبيق العملي، ثم يجب ان ننظر الى قضية أخرى هامة فان تقيد الطبيب سيؤدي الى قتل الابداع وبالتالي حرمان المرضى من اجتهاد الطبيب البارع ليعطي لمريضه زبدة خبراته المتراكمة أي كلما تم تقيد الطبيب وتكبيله كلما قتل الابداع والتميز ، والمريض هو الذي سيدفع الثمن وهناك سؤال آخر لماذا يحاول الاعلام تضخيم الاخطاء الطبية وكأننا البلد الوحيد الذي توجد فيه أخطاء طبية، والقاصي والداني يدرك ويعي ان الأخطاء الطبية في الأردن أقل بكثير من المستوى العالمي لهذه الأخطاء وان لدينا قطاعاً طبياً متقدماً، فلدينا أطباء أصحاب كفاءة عالمية في مجال تخصصهم ولدينا أجهزة طبية حديثة ولدينا طواقم طبية تستحق الاشادة ولكن لدينا سمسرة محدودة هنا وهناك وعلينا أن نجد الآلية المناسبة للقضاء عليها ولدينا جهات تكره القطاع الطبي ولا ندري لماذا هذا الحقد وأعتقد أنه ناتج عن عدم القدرة على دخول كلية الطب وعدم القدرة هذه أدت الى حقد أعمى على الطبيب وأصبح هدفاً لهذه الفئة والتي يجب ان تعود الى صوابها حتى لا تخرب على الوطن قبل التخريب على الأطباء، وعندما نتحدث عن قضية التعويض للمريض وهذا حق له فهل سيقبل الأطباء تسليم رقابهم لشركات التأمين ومن سيدفع الثمن أليس المواطن وهذا سيؤدي الى ارتفاع تكاليف المعالجة بشكل خيالي لذلك لا بد من صندوق تكافلي موقعه الطبيعي نقابة الأطباء ويكون الاشتراك فيه الزامياً لكل الأطباء الممارسين وتتفاوت درجة الخطورة، وكذلك لا بد من وجود هيئة دفاع قوية ومن محامين كبار لمتابعة هذه القضية الهامة، وعلينا أن نعترف أننا كمؤسسات وطنية طبية لم نصل الى مفهوم موحد لمشروع قانون ولا زلت شخصياً أعتقد أن تطوير وتحديث وتفعيل قانون النقابة سيؤدي الى وجود مسؤولية متوازنة تحمي المواطن والطبيب في نفس الوقت وأتمنى على أصحاب القرار ان لا يسرعوا في ايجاد تشريعات سيدفع الوطن ثمناً غالياً لها ان لم تكن مدروسة جيداً ومتوافق عليها بين مكونات الجسم الطبي كافة، لقد درس مجلس نقابة الأطباء على مدار سنوات هذه القضية وكان هناك تفاوت في الآراء لذلك لا بد من ورشة عمل حقيقية يشارك فيها المجلس وجمعيات الاختصاص واللجان الفرعية وممثلي المؤسسات الطبية وان يكون الحوار صريحاً وليس حواراً للاعلام بل حواراً للوصول الى قواسم مشتركة وتوافق على المبادئ الرئيسة وبعد ذلك يترك للمشرع صياغة المفاهيم المتوافق عليها وأين تكون هذه التشريعات.,واكرر يجب ان تكون ضمن قانون نقابة الاطباء وصجب ان لا نعدم السياحة العلاجية بقانون يرفع الاجور وبصورة فلكية لاشبهع رغبات بعض شركات التامين وحيتانه

وختاماً أقول لا يوجد عاقل يقف ضد المسؤولية الطبية وحماية المريض والطبيب معاً ولكن لن نقبل بقانون عرفي للمسؤولية الطبية يعيق التقدم ويقتل الابداع.



تعليقات القراء

د صابر الزرقاء
انت هحد الاعمدة النقابية والقامات العلية في النقابات نحن معك اينما تكون
18-04-2012 08:46 AM
طبيب كركي اخضر
نحن مع البضاء والخضراء ولسنا مع ........انت تمثل القيم وهم يمثلون المصالح
18-04-2012 08:47 AM
طبيب اخضر اربد
....... تمثلون قمة الاخلاق والتحالف معكم مكسب للجميع اما ............فهو خراب ومصالح خاصة
18-04-2012 08:49 AM

أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة جراسا الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة جراسا الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

إقرأ أيضاً

رياضة وشباب

محليات